الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 18/3/2026

الولايات المتحدة رسخت مكانتها كدولة عظمى، لكن ليس كزعيمة للعالم

بقلم: يشاي هلبر

لا يوجد خصم جدير بالقوة العسكرية والتكنولوجية الامريكية التي تستخدمها الولايات المتحدة في الحرب ضد ايران. فقواتها هي الاكبر، وقاذفاتها هي الاكثر تقدما، ومفهوم ضمنا انها لم تستخدم حتى الان كل قوتها العسكرية. لكن القوة الامريكية واجهت عقبة غير متوقعة وهي استقبال طلب دونالد ترامب من دول العالم للتدخل في قضية مضيق هرمز – أو تهديده بما سيحدث اذا لم تفعل ذلك – بردود فعل فاترة (كوريا الجنوبية والصين)، أو بصمت (حلف الناتو الذي هدده بـ “مستقبل قاتم” اذا لم يتحرك).

ليست هذه هي المسالة الوحيدة التي تثيرها الحرب في ايران حول مكانة الولايات المتحدة. في الواقع تكشف امثلة قليلة من الايام الاخيرة عن تصدعات، أو على الاقل تقلبات، في النظام العالمي كما نعرفه – بعضها يثير حيرة حتى خبراء العلاقات الدولية المخضرمين.

أولا، يثير الدعم المحدود الذي تقدمه روسيا والصين لايران التساؤل حول طبيعة هذا التكتل الذي ينظر اليه على الاغلب بانه “معاد لامريكا”، وحول المصالح الكامنة من ورائه – ليس بالضرورة التضامن. ثانيا، وهو الاكثر وضوحا، الرفع المؤقت للعقوبات الامريكية على النفط من روسيا، منافستها الكبيرة، وذلك لمواجهة ازمة الطاقة المتزايدة.

من هنا ياتي المثال الثالث لنظام يمر في مرحلة اضطراب. فقد ردت الاوروبيون، حلفاء الولايات المتحدة منذ زمن بعيد، بغضب على رفع العقوبات عن روسيا التي تشن حرب في قارتهم، في حين تزداد في نفس الوقت الاصوات المعارضة للحرب ضد ايران داخل صفوفهم.

ان الاجماع التاريخي بشان النظام العالمي واضح تماما. فقد ادى انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية الى ظهور عالم ثنائي القطب، حيث تقف واشنطن وموسكو على طرفيه، وهي مسلحة حتى النخاع بالسلاح النووي. عند سقوط الاتحاد السوفييتي احتفل العالم بـ “نهاية التاريخ”، لكن في الالفية الجديدة ظهرة قوى عظمى مثل الصين، ومتوسطة مثل الهند، وساهمت الى جانب مؤسسات مثل الاتحاد الاوروبي في تحويل العالم الى ما يعرف بـ “تعددية الاقطاب”.

في هذا النظام تعتبر الولايات المتحدة القوة العظمى عسكريا وتكنولوجيا، وربما اقتصاديا. ولكن هل تضمن هذه العوامل لوحدها مكانتها كقائدة للنظام العالمي؟ لقد سعت “هآرتس” بمساعدة عدد من الخبراء الى كشف ما اذا كان النظام العالمي يتغير امام انظارنا، وكيف تؤثر الحرب في ايران على ميزان القوة، وما اذا كانت حاجة الى تعريف مختلف لتفسير عناصر اللغز العالمي التي تتغير باستمرار.

فيلم في مجمع سينمائي

“بدأت افكر في فكرة “المجمع السينمائي” كبديل للتفكير التقليدي حول النظام العالمي”، هذا ما قاله البروفيسور اميتاف اتساريا من الجامعة الامريكية في واشنطن العاصمة. لقد استلهم اتساريا، صاحب المسيرة الاكاديمية الطويلة والواسعة في مجال العلاقات الدولية، فكرته من دور السينما متعددة الشاشات، حيث يختار المشاهد الفيلم الذي يناسبه. وشرح كيف تتناسب هذه الصورة مع نظام العالم النامي والنموذج الذي يراه مثالي. ما زالت الولايات المتحدة تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية الاكبر، لكن الاجندة ليست مركزية، والقوى التي تعمل بالتعاون أو التفاعل موزعة على ساحة لعب لا تقتصر على الدول (القوى العظمى مثل الولايات المتحدة، والقوى المتوسطة مثل الهند والبرازيل)، بل هي تشمل ايضا جهات فاعلة غير حكومية مثل المنظمات والمنتديات الاقليمية والشركات، وحتى المنظمات الارهابية التي تملي الاجندة. وقد تتداخل الاولويات لتشمل الدفاع، التكنولوجيا، المناخ، بقيادة دول وتكتلات مختلفة. والاهم من ذلك، قال البروفيسور المولود في الهند، هو ان هذا النظام لم يعد بامكانه تجاهل الجنوب العالمي المهمش تاريخيا (الدول التي تحررت من الاستعمار في القرن العشرين والتي كانت تعرف في السابق باسم “دول العالم الثالث”).

يكمن جوهر فكرة العالم متعدد الوجوه في مبدأ النفعية، وهو في ظل غياب ترجمة دقيقة، هو تهج تجاري ونفعي لتحقيق الهدف. ينسب لترامب الفضل في ادخال نهج “رجل الاعمال” الى الساحة الدولية، وقد اصبح بالفعل خبير في المفاوضات التجارية (المصحوبة احيانا بالابتزاز والتهديد) بشان المعادن والنفط والجوائز المرموقة. ولكن ليس الجميع على قناعة بان الرئيس هو الذي اخترع العجلة.

لقد قال البروفيسور اولفر ستونكل من جامعة اف.جي.في في ساوباولو في البرازيل لـ “هآرتس”: “ما نشاهده الان هو مستوى صارخ من النفعية، لم نشاهده منذ زمن”. وقد قدم الباحث الذي الف الكثير من الكتب حول النظام العالمي المتغير، مثال آخر على الصدمات الجيوسياسية من الحرب على ايران: طلب دول الخليج المساعدة من اوكرانيا رغم معارضتها لقرار الامم المتحدة بشان استقلالها الاقليمي. هذا التطور يوضح، كما يقول، كيف تدفع الحرب على ايران الدولة نحو اتجاه “تحقيق استقلالية استراتيجية اكبر من خلال تقاسم الاخطار”.

وقد اشار اتساريا من الجامعة الامريكية الى ازدياد نفوذ القوى المتوسطة وجهود دول الجنوب العالمي لتحقيق مصالحها. فرغم التاخيرات البيروقراطية الا ان الاتحاد الاوروبي وتكتل ميركوسور (البرازيل، الارجنتين والبارغواي والاورغواي) وقعوا على اتفاق تجاري طموح. وتوسعت مجموعة “البريكس” التي تنافس الدولار الامريكي وشملت دول مثل مصر واثيوبيا، ايضا اندونيسيا انضمت لنفس المننتدى، ولكنها تمارس نفوذها في منظمات مثل مجموعة العسرين ورابطة دول جنوب شرق آسيا. وعندما كان اتساريا يشير الى ازدياد حرية المناورة للقوى المتوسطة انتشر نبأ توصل الهند الى اتفاق مع ايران بشان مرور سفنها في مضيق هرمز.

من ناحيته يشكك ستونكل في قدرة دول الجنوب العالمي على الاقل بشكلها الحالي، على احداث التغيير. وقد قال: “مجموعة البريكس مثلا، لا تغير النظام العالمي، بل تسعى الى توسيع نفوذه هنا وهناك، وانشاء بنك تنمية آخر. لكن اللاعب الثوري في هذا النظام هو الولايات المتحدة”. بدرجة ما اشار الى ان الولايات المتحدة هي مهندسة انحدارها. فحسب رايه هذه كانت اللحظة التي تعتبر نهاية التاريخ (المصطلح الذي صاغه البروفيسور فرانسيس فوكوياما في كتابه الصادر في 1992 بعد سقوط الاتحاد السوفييتي)، التي شاهدتها اوروبا والولايات المتحدة بشكل اكثر وضوحا من الجنوب العالمي، (محكوم عليها بان تكون مؤقتة: فقد سوقت الولايات المتحدة اجندة العولمة والحدود المفتوحة، وافترضت ان دول مثل الصين ستصبح ديمقراطية. ولكن بفعلها ذلك رسخت الولايات المتحدة الاساس لظهور منافسين و”حولت لحظة العالم احادي القطب الى ظاهرة مؤقتة”.

جميع الخيارات مفتوحة

“العالم يتغير، وانا اعتقد انه حان الوقت ليتغير”، قالت الدكتورة زوي لافرنيك، الباحثة في مركز “عالما” والعضوة في منتدى دبورة، لصحيفة “هآرتس”. واقترحت مصطلح “الاستقطاب المرن” لوصف تطور النظام العالمي: فالصورة الناشئة عن الحرب مثلما كتبت في مقال نشرته في هذا الشهر في موقع البحوث التربوية، ليست صورة الغرب في مواجهة محور روسيا – الصين – ايران بالمعنى التقليدي، بل نظام يسعى فيه كل طرف الى تحقيق ميزة وخفض التكلفة والحفاظ على هامش للمناورة”. واوضحت لفرنيك لـ “هآرتس” بان “الاستقطاب المرن هو على الارجح الاستراتيجية الانسب للدول في الوقت الحالي، لانك لا ترغب في الالتزام بأي شيء عندما يتغير العالم. وعندما يتغير العالم ولا تعرف الى أين تتجه الامور فانك تفضل ابقاء كل الخيارات مفتوحة”.

يساعد الاطار الذي طرحته لافرنيك على فهم التطورات الجيوسياسية التي تؤجج الحرب في ايران الى درجة معينة. فروسيا والصين لا تدينان طهران رسميا، لكنهما تستفيدان من حرف انتباه الولايات المتحدة عن منطقتهم. واشارت الى أن “روسيا تستخدم نفوذها على كل الاصعدة. لكن حقيقة ان ايران في وضع صعب جدا يصب في مصلحتها. فهي تحصل على تنازلات من العقوبات، والاوروبيون قلقون، وارتفاع اسعار النفط سيصب في مصلحتها. والصين تستخدم نفس اللعبة”. واضافت لافرنيك بان دول الخليج التي تتعرض للهجمات الايرانية كل يوم “غير مستعدة للرد أو الانحياز لأي طرف”. وهذا بالذات لان جميع الاطراف “غير ملتزمة بأي طرف أو تحالف، وهي تفضل محاولة تعظيم الارباح وتقليص الخسائر”.

وحذرت لافرنيك بنظرة استشرافية وقالت: “لا نعرف ماذا سيكون عليه النظام الاقليمي في نهاية المطاف”. واضافت ان “الحرب مع ايران تدفع الشرق الاوسط نحو نظام اقليمي صارم اكثر من ناحية امنية، لكنه اكثر مرونة من ناحية سياسية”. واشارت من جهة الى ازدواجية موقف دول الخليج من الولايات المتحدة وايران، ومن جهة ثانية، الى حقيقة انه في المستقبل المنظور لا يوجد منافس للنظام الامني الامريكي.

ترامب هو عامل التغيير

كتب البروفيسور اتساريا في مقال نشره في “نيويورك تايمز” قبل سنة تقريبا: “النظام العالمي برئاسة الولايات المتحدة، والذي هو قائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية على الاقل، يعاني من الفوضى منذ زمن. وفي عهد الرئيس ترامب بدأ هذا النظام ينهار اخيرا”. الآن هو على قناعة بصحة رايه. وقد وصف هذا النادي القديم الحصري الذي قال بانه قائم على امبراطوريات اوروبية كثيرة من القرن التاسع عشر، بانه “منتدى لا يهم فيه الا القوى العظمى”، واضاف “ان ما حدث هو ما توقعته. النظام العالمي الامريكي يتلاشى، حتى لو بقيت الولايات المتحدة هي الدولة الاقوى”.

وقد قال ايضا: “منذ انتخاب ترامب وبداية هيمنة النظام الليبرالي، بقي المثقفون والباحثون في الغرب في حالة انكار. واستغرقهم الامر بعض الوقت لمعرفة ان ترامب هو الواقع، والان نحن نواجه هجوم مزدوج على النظام العالمي”. في الواقع الى جانب التواجد المتزايد للقوى المتوسطة ودول الجنوب العالمي على خارطة العالم، يمثل ترامب الجزء المكمل لحركة الكماشة التي تهدد النظام العالمي القائم.

——————————————

يديعوت أحرونوت 18/3/2026

كيف لنا أن نعرف إن كنا قد حققنا النجاح في الحرب ضد إيران؟

بقلم: د. راز تسيمت

في نهاية حرب الأيام الاثني عشر في حزيران 2025، وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نتائج الحرب مع إيران بأنها “نصر تاريخي سيبقى خالدًا لأجيال”. وأعلن أن إسرائيل نجحت في إزالة تهديدين وجوديين مباشرين: خطر الإبادة بالقنابل النووية، وخطر الإبادة بعشرين ألف صاروخ باليستي، فضلًا عن توجيه “ضربات ساحقة للنظام الشرير” في طهران. ذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أبعد من ذلك حين أعلن أن المنشآت النووية “دُمّرت بالكامل” وأن الولايات المتحدة قد أخرت البرنامج النووي الإيراني لعقود. في المقابل، أعلن المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران أن إيران قد هزمت “الكيان الصهيوني الزائف”، الذي انهار تقريبًا تحت وطأة هجمات الجمهورية الإسلامية. كما أعلن الرئيس مسعود بازاخيان “انتصارًا تاريخيًا” في الحرب التي فرضتها إسرائيل على بلاده.

يُمكن الافتراض أنه حتى مع نهاية هذه الحملة، ستعلن الأطراف الثلاثة النصر. وقد بدأ قادة الدول الثلاث بالفعل في الترويج لرواية النصر. فقد صرّح رئيس الوزراء نتنياهو بأن إسرائيل والولايات المتحدة “تسحقان النظام الإرهابي في إيران” وتحققان إنجازات هائلة تُغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط وخارجه. وأعلن الرئيس ترامب أن قيادة النظام الإيراني “مُحيت من على وجه الأرض” وأن القدرات العسكرية الإيرانية تلقت ضربة قاضية: فقد دُمّر الأسطول البحري، وسقط سلاح الجو، ودُمّرت أنظمة الصواريخ والطائرات المسيّرة تدميرًا كاملًا. من المرجح أن تُصوّر القيادة الإيرانية بقاء النظام نفسه انتصارًا في مواجهة الهجوم الإسرائيلي الأمريكي المشترك.

في ظل هذا الواقع، لا بدّ لنا من التساؤل عمّا سيُعتبر إنجازًا من وجهة نظر إسرائيل. على الصعيد الداخلي، يبدو أن هناك شكوكًا كبيرة في هذه المرحلة حول إمكانية تغيير النظام في طهران. من الجدير بالذكر أن إسقاط النظام لم يكن هدفًا رئيسيًا للحرب منذ البداية، مع أن إسرائيل سترحب بتحقيقه. وقد أشار نتنياهو نفسه إلى أن الهجمات على إيران تُهيّئ الظروف لإسقاط النظام في طهران، لكنه أكّد على أن الشعب الإيراني هو من يجب أن يقود التغيير. لذا، فإن السؤال المحوري ليس ما إذا كان النظام الإيراني سينهار في نهاية الحرب، بل ما إذا كانت ستُهيّأ على الأقل الظروف التي تُساعد الشعب الإيراني على تحقيق التغيير المنشود. إن الهجمات المستمرة على مقرات وقواعد ونقاط تفتيش الحرس الثوري وقوات الباسيج وقوات الأمن الداخلي تهدف تحديدًا إلى تجريدها من قدراتها بهدف إضعاف قدرتها على الحفاظ على سيطرة النظام وتقويض قدرتها على القمع. وسيظهر الاختبار الحقيقي عندما يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع بأعداد غفيرة، سواء بمبادرة منه أو استجابةً لدعوات خارجية. عندها فقط سيُمكننا التحقق مما إذا كان النظام قد فقد بالفعل قدرته على قمع المتظاهرين بوحشية وفعالية كما فعل قبل شهرين تقريبًا.

ستُمثل قدرة إيران على استعادة منظومتها الصاروخية الباليستية معيارًا هامًا لتقييم نجاحات الحملة. ففي ظل غياب نظام دفاع جوي فعال، نجحت إسرائيل خلال عملية “الأسد الصاعد” في مهاجمة منصات إطلاق الصواريخ وإغلاق مداخل أنفاق قواعد الصواريخ تحت الأرض، ما أدى إلى إضعاف قدرة إيران على إطلاق الصواريخ. إلا أنه فور انتهاء الحملة، سارعت إيران إلى استعادة منظومتها الصاروخية، ووضعتها على رأس أولوياتها، وتمكنت من إعادة تشغيل العديد من منشآت إنتاج الصواريخ الباليستية التي تضررت في الهجمات. ويبدو أن إسرائيل والولايات المتحدة تعملان هذه المرة ليس فقط على إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية، بل أيضًا على تدمير سلاسل الإنتاج بهدف تأخير استعادة المنظومات قدر الإمكان، أو فتح أنفاق التخزين الضخمة التي تم الاستيلاء فيها على مئات الصواريخ ومنصات الإطلاق. ومع ذلك، لن يتضح إلا بعد انتهاء الحرب ما إذا كانت هذه الجهود قد أثمرت بالفعل، وفي أي مدى ستتمكن إيران من استعادة قدراتها هذه المرة، سواء بمفردها أو بمساعدة خارجية، من الصين أو كوريا الشمالية على سبيل المثال.

يتمثل التحدي الأكبر في المجال النووي. فرغم الضرر الذي لحق بالقدرات النووية الإيرانية، إلا أن حرب الأيام الاثني عشر تركت لإيران قدرات متبقية يمكن استغلالها في مساعيها لإعادة إحياء البرنامج النووي، بل وحتى الوصول إلى امتلاك أسلحة نووية. لا تزال إيران تمتلك ما لا يقل عن بضع مئات من أجهزة الطرد المركزي المتطورة؛ ومخزوناً يبلغ حوالي 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة وهو ما كان لديها قبل الحرب؛ وكميات إضافية من اليورانيوم المخصب بنسب منخفضة؛ فضلاً عن المعرفة والعلماء النوويين والبنية التحتية للتخصيب، وربما قدرات تحويل اليورانيوم إلى معدن. إذا قررت إيران الوصول إلى امتلاك أسلحة نووية، فبإمكانها أن تصل إلى القدرة على تفجير جهاز بسيط في فترة زمنية قصيرة نسبياً، حتى وإن لم تكن تمتلك القدرة التشغيلية الكاملة، والتي تعتمد أيضاً على القدرة على تركيب جهاز متفجر نووي على الصواريخ الباليستية.

علاوة على ذلك، من المرجح أن يزداد دافع إيران نحو امتلاك أسلحة نووية في ظل استمرار فشل طهران في ردع أعدائها عن مهاجمتها عبر القدرات التقليدية ووكلائها الإقليميين. فقدت الفتوى المنسوبة إلى علي خامنئي بشأن تحريم تطوير الأسلحة النووية معناها بعد وفاته، لأنه وفقًا للشريعة الشيعية، لا تُعتبر الأحكام الشرعية لكبار العلماء نافذة بعد وفاتهم. ورغم أن خامنئي أقرّ تقدمًا كبيرًا نحو امتلاك قدرة نووية عسكرية، إلا أنه حال دون تحقيق اختراق نووي. وقد تُعزز وفاته تصميم ابنه، ولي العهد، على النظر في تغيير الاستراتيجية النووية التي تبناها والده.

في نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح الحرب بإعلانات النصر التي يطلقها القادة، أو بالنجاحات العملياتية والاستخباراتية المبهرة في ساحة المعركة. لا شك أن الجمهورية الإسلامية، التي دخلت الحرب في أضعف حالاتها منذ ثورة 1979، ستخرج منها أضعف. مع ذلك، حتى النظام الضعيف بقيادة مجتبى خامنئي والحرس الثوري قد يكون خطيرًا، لا سيما إذا احتفظ بقدرات قمعية وسيطرة كبيرة تحول دون نضوج الظروف اللازمة للتغيير السياسي، وقدرته على إعادة بناء منظومته الصاروخية، وبنيته التحتية النووية التي يمكن استخدامها للوصول إلى الأسلحة النووية. يكمن الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت الحملة ستنجح هذه المرة في تحييد التهديدات التي تشكلها الجمهورية الإسلامية على إسرائيل ودول المنطقة ومواطنيها على المدى البعيد.

——————————————

هآرتس 18/3/2026

اسقاط نظام آيات الله سيكون ممكن فقط اذا انتهت الحرب الامبريالية ضده

بقلم: ديمتري شومسكي

اعرب عكيفا نوفيك مؤخرا عن الاستياء هنا في الصحيفة في 8/3 مما يعتبره مقارنة مبالغ فيها سائدة الان في خطاب اليسار، بين الطابع الديني المتزايد لاسرائيل والتطرف الاسلامي لدولة آيات الله. مع ذلك، حتى لو اتفقنا مع تحافظاته، يجدر بنا الاعتراف بان منهج الدراسة المقارنة للمجتمعات والدول القومية – الذي يجب ان يركز ليس فقط على اوجه التشابه، بل ايضا على الاختلافات بين موضوعات المقارنة – قد يساعد في فهم اعمق لانماط سلوك افراد الجماعات القومية المختلفة في اوضاع وجودية متشابهة.

على سبيل المثال، في محاولة للوصول الى اجابة شافية على السؤال الذي يشغل بال كثيرين في اسرائيل – لماذا يستغل معارضو نظام آيات الله زخم الهجوم الامريكي والاسرائيلي الناجح ولا يخرجون الى الشوارع؟ – يجدر بالاسرائيليين ان يراجعوا انفسهم ويسالون كيف كانوا سيتصرفون في ظروف مشابهة، أي في ظل نظام استبدادي وقمعي، وفي نفس الوقت يواجهون تهديد عسكري خارجي يعمل على تقويض اركان الامة.

يجدر تذكر ما حدث للاحتجاجات الشعبية الاسرائيلية ضد الانقلاب الذي اعقب مذبحة 7 اكتوبر. فقد تخلى المشاركون عنها وانحازوا الى الحرب ضد منظمة أكلة الموت القومية الاسلامية الارهابية، التي اعتبرها معظم الاسرائيليين، على الاقل في المراحل الاولى، حرب عادلة من اجل البقاء. خلافا للحكومة الكهانية البيبية في اسرائيل فان نظام آيات الله يستخدم القتل ضد شعبه. لذلك فانه من الواضح ان شدة الكراهية له في اوساط معارضيه في ايران تفوق بكثير مستوى الاشمئزاز منه في اوساط معارضي نتنيناهو. مع ذلك، نظرا للطبيعة الامبريالية الفاضحة للحرب الامريكية والاسرائيلية ضد ايران، يمكن أن يتجاوز الوطنيون الايرانيون الذين يحترمون انفسهم وشعبهم، كراهيتهم للنظام بشكل مؤقت، ويدعمونه في الحرب ضد الاعداء الخارجيين الذين يسعون علنا الى تحويل ايران الى دولة تابعة للولايات المتحدة. بالضبط مثلما حول “اخوة السلاح” وشركاءهم كل طاقاتهم من الجبهة الداخلية الى الجبهة الخارجية في الحرب ضد حماس، رغم اشمئزازهم من حكومة الحقد والشر.

في الواقع بينما يواصل نتنياهو وكاتس تكرار شعارات فارغة ومنافقة حول “تحرير الشعب الايراني من نير الظلم”، يتبين من تصريحات ترامب عشية الحرب وخلالها بان هدفها الرئيسي هو منع ايران من أي فرصة لتهديد الهيمنة الاقليمية الاسرائيلية في الشرق الاوسط. اضافة الى ذلك اوضح ترامب ان ايران ليس بالضرورة أن ديمقراطية، بل يجب ان تكون ترامبوقراطية بالدرجة الاولى على شاكلة نموذج فنزويلا. فقد اكد ان الزعيم الايراني القادم يجب ان يكون مقبول عليه. ويجذب نموذج فنزويلا ترامب بالدرجة الاولى بسبب عامل النفط، وبالفعل كانت رسالته في هذا الشان واضحة جدا. فعندما سئل مؤخرا في مقابلة مع قناة ام.بي.سي اذا كان يرغب في أن “تستحوذ” الولايات المتحدة على نفط ايران قال: “لقد تحدث الناس وفكروا في الامر بالتاكيد، انظروا الى فنزويلا”.

في مواجهة هذه الطموحات الصريحة لتقويض سيادة الشعب الايراني، المرفقة بخطاب مهين ومحتقر له، لا يحتاج المرء الى ان يكون متعاطف مع نظام آيات الله كي يتفق مع اقوال رئيس البرلمان الايراني محمد باقر قالباف، الذي في رده على تبجح ترامب في ان يكون مشارك في انتخاب المرشد الاعلى في ايران، قال ان “مصير ايران سيحدده الشعب الايراني وحده وليس عصابة ابستين”. في الواقع لا بد لكل انسان فاضل وكريم يرفض انتهاك كرامة الانسان وكرامة الامة من قبل الاخرين، ان يتفق مع اقوال قالباف، بان العالم الذي تديره الاخلاق الترامبو بيبية، لا يعتبر عالم بديهي.

لذلك، رغم ان معارضي النظام في ايران يعرفون تماما ان نظام آيات الله الذي ينتمي اليه قالباف ينتهك منذ عقود حق الشعب الايراني في تقرير المصير، الا انهم قد يبررون لانفسهم الان بانه قبل ازاحة زمرة آيات الله من السلطة يجب عليهم وقف العدوان الجامح الذي تشه زمرة ترامب ونتنياهو على الأمة الايرانية.

يضاف الى ذلك الافتراض المنطقي، ان جرأة ترامب المتغطرسة قد تثير في الايرانيين ذكرى مؤلمة لانقلاب العام 1953 على حكومة محمد مصدق الديمقراطية، في انقلاب خططت له الولايات المتحدة ودعمته بريطانيا، بالضبط مثلما اثارت مذبحة 7 اكتوبر في الاسرائيليين ذكرى مؤلمة للكارثة. ولن نستغرب اذا تبين ان الخوف من نظام آيات الله ليس وحده هو الذي يمنع تجدد الانتفاض ضده، بل ايضا عدم الرغبة في التعاون مع الامبريالية الامريكية ووكلائها في المنطقة، الذين لا يهدفون الى تحرير الامة الايرانية، بل الى اعادة تشكيلها.

لا يمكن لاحد ان يعتقد بجدية ان استمرار حرب لها اهداف استبدادية مشبوهة قد يشجع معارضي نظام آيات الله على استئناف الاحتجاجات الديمقراطية في البلاد، الا الذين ينسبون للايرانيين، بدافع الغطرسة العمياء وانقطاعهم عن الواقع، ما ينظر اليه عبر التاريخ بانه “اخلاق العبيد” التي فرضتها الدول المهيمنة على ضحاياها. لقد مني نظام آيات الله بهزيمة نكراء على يد الولايات المتحدة واسرائيل، وهذا بحد ذاته نبأ ايجابي. مع ذلك، كي تتم الاطاحة به من الداخل على يد قوى تحب الحرية، لا بد من وقف هذه الحرب الامبريالية الخاسرة التي تشكل الان عقبة كبيرة امام الانتفاضة.

——————————————

معاريف 18/3/2026

إسرائيل ملزمة بان تعمل وفق الخطة في ايران ولبنان

بقلم: افي اشكنازي

صفى الجيش الإسرائيلي أمس الزعيم الفعلي لايران علي لاريجاني. لقبه الرسمي وان كان رئيس مجلس الامن القومي الإيراني لكنه كان الرجل القوي والمتنفذ على رأس هرم الحكم في السنة الأخيرة.

لقد كان لاريجاني الرجل الأقرب الى الزعيم الأعلى علي خامنئي الذي منحه بعد حملة الأسد الصاعد في العام الماضي كل صلاحيات القيادة في ايران.

حتى بداية الحرب كان لاريجاني الشخصية الثانية في أهميتها بعد الزعيم الأعلى خامنئي الذي صفي في الهجوم الاولي للمعركة الى جانب آخرين في قيادة النظام. لكن لاريجاني لم يكن الوحيد الذي صفي امس ويبدو أيضا انه لن يكون الأخير. فقبل ساعات من ذلك صفيت سلسلة طويلة جدا من كبار المسؤولين وذوي المناصب في قوات الباسيج، وعلى رأسهم غولام رضا سليماني.

لقد أعلنت إسرائيل بان من بين اهداف الحرب لا توجد مصلحة لاسقاط الحكم في ايران بل اضعافه فقط. ايران هي دولة كبيرة، 16 ضعف حجم إسرائيل وعشر اضعاف في عدد السكان. عندما خططوا الحرب فهموا في الجيش الإسرائيلي بان لا معنى ولا صحن في الركض على كل الملعب بل فضلوا بناء نقاط ضغط تؤثر على النظام في طهران وعلى الجمهور الإيراني.

يركز الجيش الإسرائيلي على سلسلة من الأهداف والأصول، بما في ذلك الصواريخ الباليستية، صناعة السلاح، مؤسسات الحكم والقيادات، المشروع النووي وبالطبع قائمة التصفيات لكبار رجالات النظام والامن.

فضلا عن العاصمة طهران يدور الحديث عن بضع نقاط أساسية أخرى: مدينتا شيراز وتبريز ومجالات الاطلاق في غرب ايران وفي وسطها. الامريكيون هم الاخرون يعملون بشكل مشابه ويركزون على ضرب سلاح البحرية الإيراني، على منظومات الصواريخ في جنوب ايران وعلى منظومات النووي وعلى جبهة مضيق هرمز. التركيز المحدود يخلق أثرا اكبر بكثير من خطوة واسعة على كل الملعب.

ليس عبثا أن قال رئيس الأركان الفريق ايال زمير ان صاروخا يضرب طهران صداه يرتد في لبنان. قادة حزب الله وعلى رأسهم نعيم القاسم يفهمون بانهم أبناء موت. هذه مسألة أيام فقط، وربما ساعات. معقول الافتراض بانه لا توجد شركة تأمين في العالم مستعدة لان تبيع بوليصة تأمين لسفن تبحر في مضيق هرمز – او لقادة حزب الله في لبنان.

عملية الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان ليست مناورة بل هي اكثر كـ “قرص اكامول” لتخفيض الحرارة. بمعنى لتهدئة سكان الشمال وبناء دفاع متقدم مؤقت. وعندها، بالضبط وفقا لمباديء الهجوم في الحرب نقل الساحة الى جانب العدو.

لكن الجيش الإسرائيلي يمكنه أن يفعل اكثر بكثير للضغط على حكومة لبنان وبالطبع لضرب قادة حزب الله. الخطوة الثانية يجب أن تكون ممارسة الضغط المتمثل باخلاء السكان الشيعة من مدينة النبطية ومدينتي صور وصيدا – ودحرهم الى الشمال. حكومة لبنان ملزمة بان ترى جموع اللاجئين في الشوارع. إسرائيل أيضا ملزمة بان تمارس الضغط على تنظيم أمل الشيعي الذي زعيمه نبيه بري هو شخصية أساسية لنزع سلاح حزب الله.

إسرائيل ملزمة بان تعمل الان بشكل مرتب وتلتصق بالخطة – في ايران وفي لبنان على حد سواء. الا تفزع من ضجيج الخلفية، لا من الحراكات في أسعار النفط، ولا من بضعة صواريخ في كل يوم تتسبب بتشويش جزئي للحياة الطبيعية. ولا تشويش إجازة الفصح ينبغي أن تكون عاملا هنا. الموضوع الان هو لمن يوجد الصبر للوصول الى خطوة “مات الملك” في لوحة الشطرنج الشرق أوسطية.

 ——————————————

هآرتس 18/3/2026 

بعد تشويش النظام العالمي اكتشف ترامب في الحرب أن أمريكا هشة

بقلم: دفنه ميئور

لا يفهم الرئيس الامريكي دونالد ترامب سبب عدم استعداد حلفاء بلاده للتعاون في الحفاظ على سلامة الملاحة في مضيق هرمز. فهو في نهاية المطاف شريان الطاقة الرئيسي الذي يحرك اقتصاد دول كثيرة، لا سيما آسيا واوروبا، وبدرجة اقل الولايات المتحدة.

عندما بدات الهجمات الامريكية والاسرائيلية على ايران قبل اكثر من اسبوعين، ظهر ان الحسم العسكري والسياسي هو السائد. ولكن في الواقع استغلت ايران نفوذها الاستراتيجي الكبير على سوق ما زالت مهمة جدا للعالم وهي سوق الطاقة. وبحركة كماشة بدات بمهاجمة جيرانها في الخليج، بعض اكبر منتجي النفط والغاز في العالم، بما في ذلك السعودية، الامارات وقطر، وحتى العراق والكويت. كان مضيق هرمز الذي يمر فيه تقريبا خمس امدادات النفط العالمية بمثابة الذراع الاخرى للكماشة. لا توجد سفينة آمنة اذا لم توافق ايران على عبورها. وهكذا توقف خمس امدادات الغاز العالمي و15 في المئة من امدادات النفط. وكانت النتيجة سريعة وقاسية: اضطراب غير مسبوق في امدادات الطاقة العالمية. فقد ارتفع سعر النفط الخام، الذي كان في تصاعد منذ بداية السنة على خلفية توقعات بشن الولايات المتحدة الهجوم، بشكل حاد. بالاجمال ارتفع سعره بـ 43 في المئة منذ بداية الحرب، وبـ 70 في المئة منذ بداية السنة، ووصل الى 103 دولار للبرميل من خام برنت اعتبارا من يوم أمس. وفي وقت ما في الاسبوع الماضي اقترب السعر من 120 دولار للبرميل خلال التداولات. ايضا قفز سعر الغاز، منتج طاقة آخر مطلوب بشدة، بنسبة 65 في المئة في التداولات الاوروبية منذ بداية الحرب.

اصبح العالم اقل اعتمادا على النفط مما كان عليه في السابق. يشكل النفط 30 في المئة من امدادات الطاقة العالمية، مقارنة بـ 50 في المئة في سبعينيات القرن الماضي. ولكنه ما زال يشكل نسبة كبيرة. عندما يرتفع سعر النفط لا تقتصر  زيادة الاسعار على منتجات الطاقة مثل بنزين السيارات، بل تشمل أي منتج يستخدم الطاقة في الانتاج أو النقل، وحتى أي نشاط اقتصادي يعتمد على الطاقة غير المتجددة.  اذا استمر سعر النفط في الارتفاع أو بقي مرتفع فستعاني معظم الاقتصادات في العالم من التضخم.

تمتلك معظم الاقتصادات الكبرى احتياطي من النفط الخام، الذي تراكم بعد ازمة الطاقة في سبعينيات القرن الماضي تحت توجيهات وكالة الطاقة الدولية، ولكنها لن تكفي الا لبضعة اسابيع. اذا طالت الحرب فستتفاقم الازمة. اما الاقتصادات في آسيا، وهي اقتصادات صناعية كثيفة وتحتاج الى كمية كبيرة من الطاقة، فلا تملك موارد نفط وغاز محلية وتضطر الى استيراد النفط من الخليج والولايات المتحدة بشكل رئيسي عن طريق مضيق هرمز. بدأ ارتفاع اسعار النفط يؤثر سلبا على الاقتصاد. فالمصانع تعاني في الحصول على منتجات الطاقة وتتراجع ارباحها، ويدفع المستهلك مبلغ اكبر مقابل الوقود، وترتفع اسعار المنتجات في مختلف قطاعات الاقتصاد.

تعتبر الولايات المتحدة اقل الاقتصادات اعتمادا على نفط الخليج، اذ طورت في العقود الاخيرة حقول النفط الصخري التي تستخرج منها النفط والغاز باستخدام تقنية التكسير الهيدروليكي. في الواقع هي اكبر منتجة للنفط في العالم بل وتصدر فائض. لماذا اذا يظهر ترامب كل هذا القلق ازاء ارتفاع اسعار النفط؟.

بما ان النفط سلعة عالمية يمكن نقلها بسهولة من مكان الى آخر في العالم فان أي نقص في أي مكان يؤثر على الاماكن الاخرى، وهذا ما يفسر الارتفاع الحاد في اسعار النفط في الاسابيع الاخيرة. ونتيجة لذلك ترتفع اسعار النفط ومشتقاته في الولايات المتحدة ايضا، وهو ما ينعكس مباشرة على ارتفاع اسعار وقود السيارات. فقد ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 20 في المئة منذ بداية الحرب وحتى اول امس، وهذه قفزة كبيرة تتزامن مع اقتراب عطلة الربيع وسفر الكثير من الامريكيين لقضاء الاجازات.

بالنسبة لترامب هذه تعتبر كارثة سياسية. فسعر البنزين من اهم مؤشرات القوة، لا سيما في سنة انتخابات نصف الولاية. ولا سيما مع استياء الناخبين، بما في ذلك الجمهوريين، من سياسته الاقتصادية. يخشى ترامب ان يسهم ارتفاع تكلفة المعيشة في فوز منافسيه الديمقراطيين باغلبية ساحقة في انتخابات الكونغرس والمناصب الاخرى. في المرة السابقة التي ارتفعت فيها اسعار البنزين بشكل حاد في ولاية بايدن، امر الرئيس بفتح الاحتياطي، الامر الذي ادى الى انخفاض سعر البنزين. في هذه المرة فتحت الولايات المتحدة احتياطها بالفعل في خطوة شاركت فيها مع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ووكالة الطاقة الدولية. شاهدنا في الاسبوع الماضي استقرار نسبي في الاسعار، لكنها ما زالت اعلى بكثير مما كانت عليه قبل بضعة اشهر.

لهذا السبب يعتبر النفط اداة ضغط ناجعة تستطيع ايران استخدامها على اقتصاد اكبر قوة في العالم. ولهذا السبب ايضا يتوق ترامب بشدة الى التعاون مع اعضاء حلف الناتو والدول الاخرى الحليفة للولايات المتحدة، أو على الاقل التي تعتبر نفسها حليفة قبل ان يفتح حرب تجارية مصحوبة بهجمات لفظية وتهديدات لم نشاهدها منذ انتهاء الحربين العالميتين. في سعيه لتفكيك النظام العالمي، اقتصاديا وسياسيا، نسي ترامب ان الولايات المتحدة تتربع على قمة هرم هذا النظام، واذا انهار الهرم فستكون الولايات المتحدة الاكثر تضررا.

——————————————

يديعوت احرونوت 18/3/2026

التصفية الأهم في الحرب

بقلم: نداف ايال

بمعنى ما، فان تصفية علي لاريجاني اهم من مقتل الزعيم الأعلى في بداية الحرب الحالية. فقد كان علي خامنئي الزعيم الذي لا جدال فيه لإيران لكنه كان أيضا ابن 86؛ كانت قيود نشأت كنتيجة لعمره. اما المنفذ، بخاصة منذ حرب الـ 12 يوما في السنة الماضية فقد كان لاريجاني نفسه هو الذي اعتنى شخصيا بالاستعداد للمعركة الحالية، بقمع الانتفاضة المدنية التي بدأت في كانون الأول 2025.

من ناحية ذكائه، قدراته ومكانته الدولية، كان لاريجاني ذات وزن هام للغاية: “ففضلا عن كونه صاحب القرار المركزي منذ تصفية خامنئي فان هذا هو الرجل المسؤول عن قمع الانتفاضة الأخيرة، عن موت الالاف، فقد كان يقف في حينه على رأس السلطة القضائية مما يعني كل شيء. هو الرجل”، يقولون في جهاز الامن.

لقد جسدت التصفيات في بداية الحرب اختراقا استخباريا إسرائيليا عميقا للمؤسسة الإيرانية. لكنها نبعت أيضا من تضليل ومفاجأة على حساب الجانب الإيراني. التصفيات ليلة أول أمس تجسد حقيقة أن الأجهزة في ايران لا تزال مكشوفة حتى بعد أن استخدمت الجمهورية الإسلامية خطط الطوارئ لديها لحماية مسؤوليها. بتعبير آخر، قتل لاريجاني جسد حقيقة أن شعبة الاستخبارات العسكرية “امان” تعرف كيف تصل الى معلومات نادرة في ظل الحرب وليس فقط جمع اهداف قبلها. “كان هذا تحديا خاصا الوصول الى هؤلاء الأشخاص، هم يشعرون بالملاحقة وهذا سلوك المطلوبين”. يقول مصدر امني كبير. كما أن تصفية رؤساء الباسيج هامة هي الأخرى: “فقد فقدوا الأصول، القواعد، الشقق، القيادات – وهم يجدون حلولا بديلة. نجحنا في كشف أماكنهم الجديدة. هذا صحيح أيضا لوحدات صواريخ الأرض أرض ولباقي القوات البرية”.

ان الهجمات التكتيكية على مخازن الباسيج، وقتل القيادة العليا ليلة أول أمس، تستهدف ردع الباسيج من قمع المعارضة لاحقا. وكما ينبغي لنا أن نشرح بان الباسيج هو جهاز “تطوعي”، أيديولوجي اكثر؛ الأعضاء البسطاء يتطوعون لوظائهم ولهذا “نرى منذ الان هنا وهناك حالات فرار، عدم حضور، ببساطة لا يأتون الى الورديات. إحساس بالملاحقة. فقد تعرضوا للهجوم في الليلة الماضية في الخيام، إذ لم يكن لهم الى اين يكونون، بعد ان انكشفت وهوجمت باقي الأماكن”. في إسرائيل يلاحظون أكثر فأكثر تضعضع سياقات اتخاذ القرار في ايران. لكن حتى بعد تصفية خامنئي، من أخذ القرار هو لاريجاني. والان احد لا يعرف، في الغرب او في ايران، من يتخذ القرارات من الان فصاعدا. ليس واضحا على الاطلاق اذا كان الزعيم الجديد مجتبى خامنئي يمكنه أن يصدر التعليمات من ناحية وضعه الصحي واساسا لان كل اتصال به أو ما حاشيته يمكنه أن يكشف مكانه.

“يوجد تصميم في الحرس الثوري. هم يفهمون بان هذه معركة حياتهم، وتوجد قدرة أداء في الميدان. الناس مستعدون للخروج من النفق وتعريض حياتهم للخطر واطلاق النار. لكن يوجد الكثير جدا من المصاعب في القيادة والتحكم، والاوامر التي تصدر بشكل اعوج بعيدة عما كانوا يقصدون”، يقول مصدر آخر، “من جهة أخرى يجب ان نرى كل الصورة. لا يوجد قائد إيراني كبير فر حقا، انتقل الى دولة أخرى – مثلا”. هذه صورة الوضع كما انعكست في تقديرات الجيش الإسرائيلي للمستوى السياسي. لا يوجد انهيار للنظام، توجد صدوع عديدة، لا يوجد فرار جماعي، قيادة وتحكم موجودان لكنهما محدودين ومهزوزين للغاية.

رغم ذلك، في الجيش الإسرائيلي يواصلون التشديد على ان المهمة هي ليست تغيير النظام. هذا سطر يقال منذ بداية الحرب، وقيل في الأيام الأخيرة في القيادة العليا للجيش الإسرائيلي – حتى بعد تصفية لاريجاني. “الغاية هي ابعاد التهديدات الاستراتيجية عن دولة إسرائيل”، يقول مصدر امني كبير، “هذا يتم بمنهاجية كبيرة. يوجد لنا عمل. حتى لو نجا النظام، في اليوم التالي للقسم القوي، سيتعين عليه أن ينهض ويكتشف بان قدراته تضررت جدا بحيث ينشغل أساسا بإعادة البناء، وليس بابادة إسرائيل أو بدعم الوكلاء في المنطقة. انظر الى المليار ونصف دولار اللذين حولوهما لحزب الله. كل يوم يمر يضيف ضررا بقيمة مليارات لإيران وللحرس الثوري. القوة التي ندمر فيها الصناعة العسكرية الإيرانية هائلة. تصور ان تستيقظ إسرائيل بعد بضعة أسابيع من الحرب تنظر حولها ولا تكون صناعات عسكرية او رفائيل او صناعات جوية. بحث وتطوير، وحدة البحث والتطور. هذا هو عمق الأمور وبوليصة التأمين في اليوم التالي”.

في إسرائيل يعرفون بان نقطة الضعف المركزية في الحرب هي الطريقة التي سيطرت فيها ايران وتستخدم مضيق هرمز وأسعار الطاقة. التداعيات لا يبلغ عنها بما يكفي؛ دول متطورة تبدأ باختصار دراماتيكي استهلاك الكهرباء لديها بسبب أسعار الغاز الطبيعي. في سوق الحبوب تنشأ أزمة؛ كل يوم يمر مع أسعار نفط عالية سيؤثر لاشهر الى الامام على الاقتصاد الأمريكي. وهذا بافتراض الا ترتفع الأسعار اكثر. ومثلما نشر هنا في الأيام الأخيرة يوجد تعاون وثيق بين واشنطن والقدس في موضوع استخدام روافع ضغط كثيفة على طهران – حتى في ذروة الحرب – للنزول عن شجرة اغلاق المضيق (هو ليس مغلقا بالضبط؛ فطهران تسمح للدول التي ترغب في مصلحتها بعبور حر). في إسرائيل يقولون انه من تجربتهم عرف الامريكيون، استعدوا وخططوا لسيناريو اغلاق هرمز الذي كان تقديرا لدى الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية أيضا.

من ناحية قدرة ايران العسكرية للإبقاء على الحصار في هرمز، التقدير الإسرائيلي الان هو ان معظم قوة الحرس الثوري – الاسطول، القوارب السريعة، صواريخ أرض بحر، مُسيرات – تلك التي يفترض بها ان تمنع السيطرة على هرمز، لم تعد قائمة. ثمن السيطرة لن يكون جسيما، اذا ما كان استعداد مسبق واساسي، كما يقولون في إسرائيل.

يواصل المستوى السياسي التقدير بان للولايات المتحدة توجد قدرة على محاولة فرض فتح عملي للحركة في الخليج، حتى قبل استخدام القوة: “ويوجد للايرانيين الكثير جدا مما يخسرونه، ونقاط ضغط لم تستخدم حتى قبل عملية عسكرية مكثفة في المضيق”. المقصود، كما يمكن الافتراض هو منشآت النفط والطاقة الإيرانية التي تحظى بالحصانة منذ بداية المعركة – فيما تواصل طهران مهاجمة منشآت جيرانها.

——————————————

هآرتس 18/3/2026

لا معركة للمعارضة أهم من مواجهة “الإرهاب الكهاني” ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية

بقلم: رفيت هيخت

 لا يجب اختزال معارضة المعارضة للمذابح التي تحدث بشكل منتظم في الضفة الغربية بمجرد الإدانات الجوفاء، بل يجب أن تكون راية المعسكر الذي يجب على الانشغال فيه من ناحية الطاقة والقوة أن يفوق كل المواضيع التي تشغل المعارضة: الانقلاب، محاولة الاستيلاء على الأموال لصالح الحريديم، وسيطرة عملاء قطر على مكتب رئيس الحكومة، وتهرب الحريديم من الخدمة، وكل الميزات التي تقدمها الحكومة.

يظهر يئير غولان موقفاً ثابتاً من هذا الأمر، ويشير يئير لبيد إلى أحداث خطيرة جداً، وأصدر غادي آيزنكوت تصريحات مختلفة حول هذا الأمر، ويتحدث نفتالي بينيت عنه في المؤتمرات. ولكن الجميع يحذرون جداً في هذا الشأن. فهم شديدو الحرص على احترام المؤسسة الأمنية التي تساهم بشكل سلبي في استمرار الوضع المأساوي في الضفة الغربية، أو تشارك فيه بنشاط، مثلما حدث في حادثة طمون، حيث أطلق ضباط مستعربون من حرس الحدود النار على أب وأم وولديهما. يجب أن يكون الموقف يشبه موقف رئيس الأركان في حينه غادي آيزنكوت في قضية اليئور ازاريا، حتى بعد أن انقلب عليه رئيس الحكومة.

يصعب إيجاد موضوع يسهل فيه إظهار موقف أخلاقي اوضح. إن إنكار السلوك الوحشي، بما في ذلك الانتهاكات الفظيعة، مثلما جاء في مقال متان غولان عن اقتحام المستوطنين لتجمع رعاة في غور الأردن، هو ضرورة وجودية. هذا لا يضر بأي شكل من الأشكال بقيم اليهودية أو الصهيونية أو الوطنية، بل يضر المنظومة الكهانية التي يعتبر فرضها على الواقع انتصار كبير لمهندسيها.

الآن، لا توجد جبهة واضحة ومتماسكة وتناضل بشدة في هذه القضية. كيف يمكن مقارنة انفعال المعارضة هنا مع الغضب الشعبي الشديد إزاء قانون الإعفاء من الخدمة؟ هذه الحقيقة تخدم الحكومة الكهانية ورئيسها على عدة مستويات؛ فهي تسلم زمام الأمور للسلطة التنفيذية التي تترجم المشاعر العنصرية الكهانية، أساسها التنظيمي، إلى إنجاز عملياتي على أرض الواقع. هي أيضاً تستوعب تهديدات الإرهاب الكهاني من خلال تحويل مركز الثقل الأخلاقي والأيديولوجي في إسرائيل إلى عمق الكهانية الناضجة والمتفجرة التي غزت التيار السائد. الكهانية لا تنتظر قوانين مثل عقوبة الإعدام، بل تعمل على ترسيخ معايير وممارسات عنصرية وسادية هنا والآن، مع إلغاء سيادة القانون ووصف الضحايا حسب أصلهم العرقي فقط (في القريب حسب مواقفهم السياسية أيضاً).

إضافة إلى ذلك، هناك أمر بديهي، وهو أن هذه الأحداث تعرض أمن كل مواطني إسرائيل للخطر المباشر، لأن هذه الفظائع ستنفجر في وجهنا في نهاية المطاف. فالانتقام لا ينتهي. هذا الخطر يخدم مصالح اليمين المتطرف، الذي يسعى إلى إشعال نار حرب شاملة في الضفة الغربية، التي حسب رأيه تنذر باحتمالية تهجير الفلسطينيين، ومصالح نتنياهو الذي لا يتردد في تصعيد التوتر في الضفة الغربية تمهيداً لجبهة أخرى، سيبرر انفجارها استمرار حالة الطوارئ التي يعيش فيها مواطنو إسرائيل بدرجات متفاوتة منذ أكثر من سنتين ونصف.

إن الذين يؤيدون هذه الأحداث، بالسر أو بغض النظر أو علناً، يدعمون من البداية الحكومة التي تقوم فكرتها الأساسية على إلغاء الديمقراطية والسماح بالعنف الذي يحطم آليات إنفاذ القانون (إلى أن تنجح في السيطرة عليها). لذلك، فإن بديل هذه الحكومة لا يعتمد فقط على إلغاء قيادة نتنياهو أو الدفاع عن المحكمة أو الاحتجاج على النفقات المفرطة للأصولية القطاعية، بل يجب قبل كل أي شيء آخر أن يعتمد على رفض شامل وأكثر صراحة لإطلاق العنان لـ”شبيبة التلال” ونشاطاتهم الإجرامية، من خلال استغلال الجيش لصالحهم.

——————————————

هآرتس 18/3/2026

لا لـ “حملة” أخرى في لبنان

بقلم: أسرة التحرير

في الوقت الذي يوضع فيه مخطط فرنسي على الطاولة، يتضمن إمكانية اعتراف لبناني بإسرائيل مقابل وقف هجمات وانسحاب إلى الاستحكامات الخمسة التي تحوزها إسرائيل منذ وقف النار في تشرين الثاني 2024، مازالت إسرائيل تفضل التمسك بأنماط قديمة والخروج إلى “حملة” أخرى في لبنان، بدلاً من فحص جدي للفرصة السياسية.

 أعلن الجيش الإسرائيلي أول أمس عن بدء مناورة برية واسعة في جنوب لبنان. وأوضح وزير الدفاع إسرائيل كاتس، بأن هدفها إزالة التهديدات وضمان أمن سكان الشمال. وصرح بأن مئات آلاف السكان الشيعة لن يسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم جنوب الليطاني. لكن كالمعتاد، حكومة نتنياهو واقعة في فجوة جوهرية بين التصريحات والواقع على الأرض.

عملياً، الكثير من بنية حزب الله التحتية جنوبي الليطاني فككت أو تضررت بشدة. وحضور التنظيم في المنطقة محدود. فضلاً عن ذلك، الكثير من الإطلاقات بالصواريخ والمُسيرات إلى إسرائيل تتم من شمال الليطاني، أي خارج المجال الذي تسعى إسرائيل إلى احتلاله الآن. ولما كان الجيش الإسرائيلي يحوز الآن مواقع مشرفة في السلاسل الجبلية، فإن الخطوة العسكرية قد تجر احتلالاً لمناطق أخرى. فباسم إزالة تهديد محدود نسبياً، ستُجرّ إسرائيل إلى انتشار واسع وطويل المدى يخلق احتكاكاً بلا فائدة استراتيجية واضحة.

ينبغي أن تضاف المعارضة الدولية إلى هذا كله. فوزارات الخارجية لبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا، حذرت من التداعيات الإنسانية لعملية برية. لا يدور الحديث فقط عن خطر إنساني؛ فاحتلال مناطق يترافق وضرراً للقرى قد يمنح حزب الله ما نزع منه – شرعية متجددة وتأييداً جماهيرياً داخل لبنان.

على إسرائيل ألا تفوت الفرصة السياسية التي فتحت في لبنان. فلأول مرة منذ عقود لم يعد يخضع لسيطرة سورية، ويقوده رئيس وحكومة يعارضان حزب الله ويسعيان للجمه. حتى لو كان لبنان لا يزال ضعيفاً، مع ذلك فإنه يعرض على إسرائيل مساراً آخر. مفاوضات مباشرة والتعاون بهدف المضي بتجريد حزب الله واستقرار المنظومة. صحيح أن إسرائيل لا يمكنها السماح لحزب الله بإعادة بناء نفسه، لكن لا يمكنها أيضاً أن تسمح لنفسها بأن تستبدل تهديداً محدوداً باحتلال طويل وعديم الغاية.

بخلاف تصريحات كاتس، فإن الأمن الحقيقي لا يتحقق من خلال توسيع الحرب إلى مناطق يتواجد فيها العدو بشكل محدود، بل من خلال تعزيز حكومة لبنان. الخيار الموضوع الآن على طاولة الحكومة واضح: الدخول إلى الوحل اللبناني، الذي جربت إسرائيل مدى عمقه، أو استغلال فرصة نادرة لتغيير الواقع.

——————————————

نظرة عليا/معهد بحوث الأمن القوميINSS  18/3/2026

الحرب الإيرانية والاعتبارات الأمريكية: بين تعظيم الإنجاز العسكري وضرورة الاحتواء

تعكس تصريحات الرئيس ترامب في الأيام الأخيرة محاولةً لإيصال رسائل متوازية متعددة: تصوير الحملة ضد إيران كنجاح تدريجي، والنية لإنهائها قريبًا، مع تجنب تحديد واضح لشروط إنهائها. يُظهر هذا الوضع التوتر المتزايد في الأوساط الحكومية بين العوامل الدافعة لاستمرار الحملة لتعظيم مكاسبها العسكرية، والقيود الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية التي تدفع نحو تقليص مدتها. من وجهة نظر إسرائيل، تُعد هذه مرحلة حساسة للغاية: فكلما زاد الضغط على واشنطن لإنهاء القتال، ازداد خطر اتساع الفجوة بين هدف إسرائيل المتمثل في إحداث تغيير عميق ودائم في ميزان التهديدات بينها وبين إيران، والهدف الأمريكي الأكثر محدودية المتمثل في إضعاف إيران وردعها واحتوائها.

لقد وصلت الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى مرحلة لم يعد فيها محور النقاش يقتصر على مدى الضرر الذي لحق بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل يتعداه إلى كيفية تحديد الإنجاز الذي سيبرر إنهاءها. في تصريحاته الأخيرة، قدّم الرئيس ترامب صورة إيجابية للغاية عن سير القتال، بل وألمح إلى إمكانية إنهاء الحملة في فترة زمنية أقصر نسبيًا مما كان مخططًا له في الأصل. مع ذلك، امتنع الرئيس عن توضيح الحد الأدنى المطلوب لإنهاء القتال، تاركًا بذلك غموضًا بشأن الأهداف الأمريكية النهائية.

 يُقدّم البيت الأبيض صورةً شبه مثالية: أمريكا قوية، وإيران تتلقى الضربات، وسياسة “السلام من خلال القوة” تُثبت جدواها. لكن الواقع، على الأقل في الوقت الراهن، أقل تفاؤلًا. تستمر الحملة مع اقتراب نهاية الأسبوع الثاني، ويواصل ترامب مطالبته إيران بـ”الاستسلام غير المشروط”، لكنه في الوقت نفسه يُصرّح بأن الولايات المتحدة هي من ستُحدد متى “تستسلم” إيران. كما أشار ترامب إلى رغبته في تشكيل الحكومة في إيران، على غرار فنزويلا تقريبًا، أي إقامة قيادة بديلة أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية. مع ذلك، فإن الواقع الإيراني يختلف عن فنزويلا، ويبدو أن النظام الإيراني أكثر صمودا بكثير مما يتصوره البيت الأبيض. في غضون ذلك، لم تنهر إيران بعد، التي عيّنت نجل علي خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا. وذكرت وسائل الإعلام أن تقييمًا حديثًا أجرته المخابرات الأمريكية خلص إلى أن النظام الإيراني ليس في خطر الانهيار، رغم الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة خلال الأسبوعين الماضيين. ووفقًا للمصادر الأمريكية المذكورة، لا تزال القيادة الدينية في إيران متحدة، رغم وفاة المرشد، وأن النظام ما زال يسيطر على الشعب الإيراني.

هذا الغموض في الأهداف الأمريكية ليس من قبيل الصدفة، بل يعكس الفجوة بين ما هو مرغوب وما هو متاح. فمن وجهة نظر إسرائيل، تتمثل النتيجة المرجوة من هذه الحملة في تحول استراتيجي واسع النطاق: إلحاق ضرر بالغ ودائم بقدرات إيران النووية والصاروخية، وإضعاف وكلائها بشكل كبير في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتهيئة الظروف لتغيير النظام، أو، للأسف، تهيئة ظروف تجعل من الصعب على النظام الحالي استعادة مصادر قوته. في المقابل، بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الهدف الممكن أكثر تحديداً: إضعاف إيران بشكل كبير، وتعزيز الردع الأمريكي، والحد من قدرة النظام على التعافي، وإنهاء القتال مع تجنب التورط المطول. بعبارة أخرى، تسعى إسرائيل إلى تغيير هيكلي؛ وقد تكتفي الولايات المتحدة بإيران مردوعة ومُحاصرة.

يمكن تقسيم العوامل الدافعة لاستمرار الحملة إلى عدة مستويات رئيسية. المستوى الأول هو كيفية النظر إلى التهديد. تخشى الإدارة الأمريكية من أن التوقف المبكر قد يسمح لإيران باستعادة بعض قدراتها، وتصوير بقائها على أنه إنجاز استراتيجي. وترى الإدارة أنه في ظل هذا الواقع، ستظل إيران تشكل تهديدًا مستمرًا لإسرائيل ودول الخليج، وللمصالح الأمريكية المباشرة، ولا سيما حرية الملاحة في الخليج، واستقرار سوق الطاقة، والنظام الإقليمي الموالي لأمريكا.

المستوى الثاني هو القيادة السياسية. يسعى ترامب إلى تقديم الحملة كدليل على فعالية سياسة “السلام من خلال القوة”. ولأن الإدارة ربطت استخدام القوة بوعد تحقيق نتيجة واضحة، فهناك حافز داخلي لمواصلة القتال حتى يتم التوصل إلى إنجاز يمكن تقديمه على أنه حاسم، أو على الأقل إنجاز هام لا جدال فيه. وكلما زاد رأس المال السياسي والجماهيري الذي استثمرته الإدارة في الحملة، ازدادت صعوبة التوقف عند مرحلة لا يمكن اعتبارها ناجحة. يبذل ترامب جهودًا حثيثة، من خلال سلسلة طويلة من المقابلات والخطابات، لتسليط الضوء على الإنجازات العسكرية، ويعود ذلك جزئيًا إلى استحالة عرض إنجازات ملموسة على أرض الواقع أمام الرأي العام الأمريكي. وقد يساور الإدارة الأمريكية تخوف من أن يُنظر إلى قرار التوقف المبكر في نظر العامة لا على أنه دليل على ضبط النفس، بل على أنه فرصة ضائعة لهزيمة إيران هزيمة نكراء.

أما المستوى الثالث فهو المستوى الاستراتيجي العالمي. فمن وجهة نظر واشنطن، لا تقتصر الحملة ضد إيران على ساحة الشرق الأوسط فحسب، بل تُعتبر أيضاً جزءًا من الرسالة الأمريكية الأوسع نطاقًا الموجهة إلى الجهات الفاعلة المنافسة، وعلى رأسها الصين. وتُعدّ القدرة على استخدام القوة، وحماية خطوط الطاقة، ومعاقبة أي جهة تهديدية ومزعزعة للاستقرار، عنصرًا أساسيًا في بسط النفوذ الأمريكي الشامل. ولذلك، قد يكون لنهاية هذه الحملة دلالات تتجاوز السياق الإيراني الضيق، بل وحتى منطقة الشرق الأوسط ككل.

ومع ذلك، وفي ظل هذه الاعتبارات، تتراكم ضغوط حقيقية في الاتجاه المعاكس، وعلى رأسها العامل الاقتصادي. فقد سُجِّلَ تأثيرٌ سلبيٌّ في أسواق الطاقة، ويُسبِّبُ عدمُ اليقينِ المُحيطِ بمضيقِ هرمز تقلباتٍ حادةً في أسعارِ النفط. من وجهةِ الإدارةِ الأمريكية، يُمثِّلُ هذا خطرًا سياسيًّا مباشرًا. فاستمرارُ ارتفاعِ أسعارِ الوقودِ والطاقةِ قد يُؤدِّي إلى تفاقمِ الضغوطِ التضخمية، ويُلحقُ الضررَ بالمُستهلكِ الأمريكي، ويُحوِّلُ الحملةَ الانتخابيةَ سريعًا من استعراضٍ للقوةِ إلى عبءٍ سياسيٍّ داخليٍّ، لا سيَّما مع اقترابِ انتخاباتِ التجديدِ النصفيِّ المُقرَّرةِ في تشرين الثاني 2026. وتُبيِّنُ التقاريرُ عن استياءِ الأمريكيين من الهجماتِ الإسرائيليةِ على منشآتِ النفطِ والغازِ في طهران مدى حساسيةِ الإدارةِ لأيِّ صدمةٍ أخرى في سوقِ الطاقة. على أيِّ حال، في 9 آذار، تلقَّى ترامب مثالًا على كيف أنَّ مجرَّدَ وعدٍ غامضٍ من جانبه بإنهاءِ الحربِ قد أدَّى سريعًا إلى انخفاضٍ فوريٍّ في أسعارِ النفط. من جهةٍ أخرى، هناكَ مخاوفُ من أنَّ عدمَ وفاءِ ترامب بوعدِهِ قد يُؤدِّي إلى تراجعٍ سريعٍ واتخاذِ إجراءاتٍ ضدَّه.

يُضافُ إلى هذا الاعتبارِ بُعدُ الرأيِ العامِّ. ففي الولاياتِ المتحدة، لا يظهرُ سوى دعمٍ محدودٍ لحربٍ طويلةٍ. هناك استعدادٌ ما لدعم الهجمات الإقليمية، ولكن ليس بالضرورة حملة طويلة ومكلفة ذات أفق زمني غامض. وتزداد هذه الحساسية مع تزايد التكاليف الملموسة للصراع، من حيث أسعار الوقود، والمخاطر التي تتعرض لها القوات الأمريكية، والتوسع الجغرافي للصراع. وهذا يعني أن فترة الشرعية الشعبية للعملية ستكون قصيرة نسبيًا.

مع ذلك، من المهم التمييز بين الرأي العام وموقف مركز ثقل النظام الجمهوري المحافظ. ففي هذه المرحلة، ورغم وجود أصوات ناقدة في معسكر “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” (MAGA) وفي بعض وسائل الإعلام المحافظة، لا يزال مركز ثقل المعسكر يدعم ترامب ويُضفي الشرعية على استمرار الحملة، ما دامت تُقدَّم على أنها محدودة المدة، وتعتمد بشكل أساسي على القوة الجوية، ولا تتصاعد إلى تدخل بري واسع النطاق أو “حرب لا نهاية لها”. ويعتمد هذا الدعم إلى حد كبير على قيادة ترامب نفسه: فإذا غيّر الرئيس مساره أو أشار إلى تحقيق أهدافه، فمن المرجح أن تنحاز قطاعات واسعة من المعسكر المحافظ سريعًا إلى نهج الاحتواء والإنهاء.

إلى جانب ذلك، ثمة قيدٌ يتعلق بالمدة الاستراتيجية للحملة. فحتى لو استمر الجهد العسكري في إلحاق أضرار جسيمة بإيران، فليس هناك ما يضمن أن هذا الإنجاز سيؤدي إلى انهيار النظام أو تغيير جذري في سياسته وسلوكه. وإذا تبيّن أن الإنجازات القتالية تتراكم أساسًا من حيث إضعاف إيران لا حسمها، فسيزداد ميل الولايات المتحدة إلى تحديد النهاية بإنجاز مُرضٍ بدلًا من الإنهاك الكامل. وفي هذه الحالة، سيزداد احتمال وجود فجوة بين النتيجة التي ترغب الولايات المتحدة في قبولها والنتيجة التي تراها إسرائيل ضرورية.

من هنا تبرز أهمية الفترة المقبلة. فقد تكون الأيام القادمة بمثابة اختبار حاسم ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على المستويين الدبلوماسي والسياسي. فإذا استطاعت الإدارة الأمريكية تقديم إنجاز آخر يُمكن تفسيره على أنه نهج حقيقي لتحقيق الأهداف القتالية، فقد تحاول استغلاله كنقطة انطلاق. وإلا، فستواجه خيارًا صعبًا بين توسيع نطاق الحملة وإنهائها في ظل ظروف لا تستنفد الطموحات والأهداف التي طُرحت في البداية.

الآثار المترتبة على إسرائيل 

من وجهة نظر إسرائيل، يتمثل الاستنتاج الرئيسي في ضرورة التسليم بأن المهلة الزمنية المتاحة للولايات المتحدة في هذه الحملة محدودة. لذا، يتعين على إسرائيل العمل على مستويين متوازيين: أولهما، السعي الحثيث لتحقيق الإنجازات التي تُعتبر، من وجهة نظرها، عناصر أساسية لتحقيق الغاية المنشودة، ألا وهي: إلحاق ضرر تراكمي بالقدرات النووية والصاروخية والوكلاء، فضلاً عن الحفاظ على حرية العمل لضمان استمرار فرض العقوبات والردع. أما المستوى الثاني، فيتمثل في إجراء حوار مكثف مع واشنطن بهدف تضييق الفجوة قدر الإمكان بين الهدف الإسرائيلي وعتبة الإنجاز الأمريكي.

في الوقت نفسه، يجب على إسرائيل أن تأخذ في الحسبان أن الخطوات التي تُعتبر في واشنطن توسعاً غير منسق للأهداف، لا سيما تلك التي قد تؤثر على سوق الطاقة العالمية، قد تزيد من الضغط الأمريكي لوقف الحملة. لذلك، إلى جانب الرغبة في تحقيق أقصى قدر من الإنجاز، من المهم تجنب أي تحركات قد تُسرّع من تحوّل الولايات المتحدة من سياسة تعظيم الإنجاز العسكري إلى سياسة الاحتواء.

باختصار، لا تقتصر القضية المحورية بالنسبة لإسرائيل على حجم الإنجاز العسكري الذي سيتحقق في إيران فحسب، بل تتعداها إلى قدرتها على التأثير في كيفية تحديد الغاية النهائية في واشنطن. فكلما ازداد وضوحًا أن “النصر” بالنسبة للإدارة الأمريكية يعني إضعاف إيران واحتواءها، لا إحداث تغيير جذري، ازداد التحدي الإسرائيلي المتمثل في ضمان ألا تقتصر الغاية النهائية على إضعاف إيران مؤقتًا، بل على تقييدها على المدى البعيد.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article