كتب فراس صالح : سلام بلا صندوق … كيف تبخّرت مليارات ترامب قبل أن تلمس غزة ؟

المسار ■ ليست المسألة نقصاً في التمويل، ولا تأخراً في تحويل التعهدات إلى دفعات مالية. ما يتكشّف تباعاً في واشنطن هو نمطٌ متكامل من إدارة الملف الفلسطيني، قوامه إنتاج الوعود أكثر من إنتاج الوقائع، وتوظيف الإعمار كأداة سياسية لا كاستحقاق إنساني ووطني. هكذا، تبدو «المليارات» التي أُعلن عنها لغزة أقرب إلى رأس مالٍ إعلامي، منها إلى التزام فعلي قابل للتحقق.

المعطيات التي كشفتها وكالة رويترز تقدّم صورة دقيقة لهذا الاختلال البنيوي. ما سُمّي بـ«مجلس السلام» لم يتسلّم سوى جزءٍ هامشي من أصل سبعة عشر مليار دولار جرى التعهّد بها في مشهدٍ احتفالي صاخب، أُريد له أن يُسوَّق كإجماع دولي على مرحلة ما بعد الحرب. لكن خلف الصورة، تبرز الوقائع: عشر دول أعلنت التزامها، ثلاث فقط دفعت — الإمارات والمغرب والولايات المتحدة — بينما اختارت بقية الأطراف التموضع في منطقة الانتظار، تراقب التحولات الإقليمية وتعيد حساباتها على إيقاعها. هذه الفجوة بين التعهّد والتنفيذ لا تعبّر عن غياب الإرادة السياسية المُلزِمة، وعن تحويل التعهدات إلى أدوات ضغط ومقايضة، لا إلى التزامات واجبة النفاذ.

غير أن البعد المالي ليس سوى أحد أوجه الأزمة. اندلاع الحرب على إيران أعاد ترتيب أولويات الإقليم، فانتقلت غزة من موقع الاستحقاق العاجل إلى هامش الأجندات المتزاحمة. في لحظة واحدة، تراجعت قضية الإعمار أمام اعتبارات الصراع الأوسع، وتبدّدت الهشاشة الكامنة في بنية الالتزام الدولي. هذا التحول يكشف قاعدة حاكمة في السلوك الدولي: كلما اشتدّت الصراعات الكبرى، جرى تأجيل الحقوق الأصغر، حتى وإن كانت أكثر إلحاحاً من حيث الكلفة الإنسانية.

في هذا السياق، وُلدت اللجنة الوطنية المفترضة لإدارة غزة في فراغٍ مزدوج: غياب التمويل وغياب البيئة السياسية–الأمنية التي تتيح لها العمل. لم تكن المشكلة في شكل اللجنة أو تركيبتها، بل في غياب شروط إمكانها. وهنا تحديداً تتكثّف أزمة المقاربة الأمريكية: بناء هياكل إدارية قبل تأمين مصادر تمويلها، وإعلان أطر حاكمة دون توفير أدوات تنفيذها، وكأن المطلوب هو إدارة صورة «اليوم التالي» لا بناء مقوماته الفعلية.

التصريح الذي نُقل عن المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف يختصر المشهد: «لا توجد أموال متاحة حالياً». هذه خلاصة سياسية مكثّفة لفشلٍ متعدد المستويات. فشل في تحويل التعهدات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، فشل في بناء الثقة مع الأطراف الفلسطينية، وفشل في تقديم نموذج عملي لإدارة ما بعد الحرب. ما طُرح كـ«خطة سلام» لم يكن سوى إطار هشّ، قائم على الافتراضات أكثر مما هو قائم على الوقائع.

ما يجري لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني تحت عنوان «اليوم التالي»، عبر مسارات تتجاوز الإرادة الوطنية وتستبدلها بهندسة خارجية مشروطة. فالإعمار هنا لا يُقدَّم كحق لشعبٍ تحت الاحتلال، بل كأداة ابتزاز سياسي، تُربط بشروط أمنية وإدارية، وتُستخدم لإعادة تشكيل البنية السياسية الفلسطينية بما يتوافق مع متطلبات «الاستقرار» وفق الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية.

بهذا المعنى، لا يعود غياب الأموال تفصيلاً، بل يصبح مؤشراً على خلل أعمق: تحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى ملف إدارة أزمات. وحين تُدار الأزمات بدلاً من حلّها، يصبح التأجيل هو القاعدة، وتغدو الوعود بديلاً عن الإنجاز. وهنا يدفع الفلسطينيون، مرةً أخرى، كلفة هذا النموذج: إعمار مؤجّل، مؤسسات معلّقة، ومستقبل يُراد له أن يُصاغ خارج إرادتهم.

الخلاصة ليست في السؤال عن سبب تبخّر المليارات، بل في تفكيك البنية التي أنتجت هذا التبخّر. ما لم يُعاد الاعتبار للقرار الوطني المستقل، وما لم يُفصل الإعمار عن شروط الابتزاز السياسي، ستبقى غزة رهينة دورة مفرغة: وعود تُعلَن، أموال لا تصل، وأزمات تُدار بدل أن تُحل. هنا، تحديداً، تتبدّى الحاجة إلى استراتيجية وطنية موحّدة، تُعيد تعريف الإعمار كجزء من معركة الصمود والتحرر، لا كملفٍ إداري خاضع لمعادلات الخارج

 

Share This Article