| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية (BESA) 14/4/2026
أهلاً بكم في إيران الجديدة
بقلم: العقيد (احتياط) شاي شبتاي
ملخص تنفيذي: على الرغم من أنه لا يزال من المبكر تقييم آثار عملية “الغضب الملحمي/زئير الأسد” على الوضع الداخلي في إيران، إلا أنه يمكن القول إن هذه العملية كانت نقطة تحول حاسمة نقلت إيران من نظام ديني قوي إلى دكتاتورية ضعيفة. وفي هذا السياق، يمكننا الحديث عن انهيار فكرة حكم رجال الدين، وتشرذم القيادة العليا للنظام، وتطرف نهجه الاستراتيجي تجاه المنطقة، وتزايد وحشية قمع النظام للشعب، وتقديم الدعم الاقتصادي لأنصار النظام على حساب عامة الشعب – الأمر الذي سيتحول إلى صراع من أجل البقاء، مما سيؤدي إلى تراجع الاحتجاجات وتصاعد العنف. إيران اليوم دولة مختلفة تمامًا عن تلك التي حللناها قبل الصراع الأخير. إنها الآن دولة تحمل في طياتها مخاطر وفرصًا تتطلب تقييمًا وتخطيطًا جديدين كليًا للوضع.
تغيير جذري
لم تنتهِ عملية “الغضب الملحمي/ زئير الأسد” بعد، وقد تحدث تطورات هامة أخرى. سيتعين علينا الانتظار أسابيع أو حتى أشهر قبل أن تتضح الأمور ونتمكن من رؤية الوجهة التي تتجه إليها إيران. ما يمكننا فعله الآن هو طرح أسئلة أولية، وتحديد اتجاهات التفكير، وطرح أفكار حول التداعيات.
ما يمكن قوله بيقين هو أن ما كان يُشكّل إيران في السابق لم يعد موجودًا في معظمه، وأن الأنظمة – داخل إيران وخارجها – يجب أن تتكيف مع “إيران الجديدة”. يمكن القول إن العملية حوّلت إيران من دولة دينية قوية إلى دكتاتورية ضعيفة. هذه العملية مستمرة منذ عقدين على الأقل، لكن العملية أحدثت تغييرًا لا رجعة فيه.
ما هي مظاهر هذا التغيير؟
أولًا، نهج النظام:
انهيار فكرة ولاية الفقيه: أظهر الجيل الأول من الزعماء الدينيين (المؤسس الخميني ونائبه منتظري) وكبار قادة الجيل الثاني (رفسنجاني، وخاتمي، وغيرهم) نهجًا متوازنًا تجاه فكرة الربط بين الدين والحكومة. فالدين قائم على إيمان الجماهير، لذا كان من المهم بالنسبة لهم أن يحظى النظام بشرعية شعبية. علي خامنئي، الذي يمكن وصفه بالبيروقراطي ذي التفسير المتطرف للدين، انحرف تدريجيًا عن هذا النهج، وبلغ ذلك ذروته في التزوير الصارخ لنتائج انتخابات عام 2009. أما ابنه، مجتبى، فلم يعد لديه ما يقدمه فيما يتعلق بإيمان الجماهير. ربما كان حسن الخميني قادرًا على فعل ذلك، لكن تنحيه جانبًا يشير إلى أن كبار قادة النظام قد فقدوا الرغبة في ترسيخ ولو مظهرًا من مظاهر الإيمان الواسع بهذه الفكرة. وهذا يعني أن الحكومة في إيران أصبحت الآن استبدادية وديكتاتورية بالمعنى الأيديولوجي العميق.
تقويض تماسك القيادة العليا للنظام: تمكّن علي خامنئي، ذو الخبرة الواسعة، من التوسط بين الفصائل، مقترباً من نقطة التوازن في القيادة العليا للنظام. وبناءً على ذلك، استطاع إلى حد كبير احتواء الخلافات وقمع المعارضة الداخلية. وقد خلّف رحيله فراغاً يصعب معه إيجاد شخصية أو مجموعة شخصيات من داخل النظام قادرة على سدّ هذه الفجوة. ثمة حاجة إلى شخصيات قيادية قادرة على الحوار مع جميع الأطراف وفرض سلطتها في آنٍ واحد. ثمة حاجة إلى توحيد الصفوف في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، إلا أن القدرة على تحقيق ذلك بالتوافق قد تضاءلت بشكل ملحوظ.
تعزيز مكانة الحرس الثوري: إن الحاجة المتزايدة إلى القمع الداخلي العنيف، فضلاً عن مواجهة التهديدات الخارجية، تُعزز مركزية الحرس الثوري في صنع القرار. ومن أهم تبعات ذلك التوسع في استخدام الأدوات العسكرية على حساب الأدوات المدنية والاقتصادية في إدارة شؤون الدولة.
الانتقال إلى الجيل القادم: تُشير اغتيالات كبار قادة النظام إلى انتقال من جيلٍ تشكّل بفعل الحرب العراقية الإيرانية إلى جيلٍ ينصبّ اهتمامه الرئيسي على القمع الداخلي وبناء القدرات الاستراتيجية، ولكنه استخدمها باعتدال حتى نيسان 2024. وتتمثل التجربة الحربية التكوينية لهذا الجيل في عمليات “الأسد الصاعد” و”الغضب الملحمي” و” زئير الأسد”. وستكون نقطة ارتكاز ردّهم هي التهديد الناري الغربي المتقدم، إلى جانب التخريب الداخلي الذي يُهدد جوهر الدولة والنظام. وهذا يعني أنه سيُطلب منهم التخلي عن الأفكار القديمة المُتأصلة وصياغة عقيدة أمنية مُحدّثة.
وحشية قمع الشعب: للحفاظ على مظهر الشرعية الشعبية، طوّر النظام مفهومًا مُعقدًا للقمع يُفضّل العنف الخفي على العمل الدموي العلني. وقد أُزيلت أخيرًا “القفازات الحريرية” التي كانت تُغطي القبضات الحديدية خلال قمع المظاهرات في كانون الثاني 2026. وقد أدّى الضرر الذي لحق بآليات قمع النظام خلال “الغضب الملحمي” إلى تسريع استخدام العنف الوحشي العلني.
فقدان الدعم الاقتصادي لأنصار النظام: إن الضرر الذي يلحق بالاقتصاد الإيراني وصناعات النظام يضر في المقام الأول بأنصاره. سيضطر النظام إلى اتخاذ إجراءات للحفاظ على هذا الدعم مع تدهور أوضاعه. وهذا يعني أنه سيضطر إلى استخدام موارد الدولة أولاً وقبل كل شيء لإعادة بناء سلطته وقاعدة دعمه الأساسية. سيأتي هذا على حساب معظم المواطنين الإيرانيين، وسيؤثر سلباً على فرص تحقيق مستقبل اجتماعي واقتصادي إيجابي.
الأثر على النهج الاستراتيجي:
السعي وراء الأسلحة غير التقليدية: يُمثل التهديد الوجودي للنظام، على المستويين الشخصي والمؤسسي، نقطة تحولٍ تم فيها تجاوز الحواجز الدينية والأخلاقية التي كانت تحول دون اقتناء الأسلحة غير التقليدية، بل وحتى استخدامها. ويُفترض أن عملية الاقتناء ستعتمد الآن على القدرة التقنية، أي الجدوى التكنولوجية والقدرة على تنفيذها دون رصدها أو مهاجمتها أو تدميرها مسبقًا.
استخدام القوة على المستوى الإقليمي: قبل هذا الصراع، نادرًا ما كان النظام الإيراني يهاجم دول المنطقة بشكل مباشر، مفضلًا بدلًا من ذلك اتباع نهج غير مباشر، متخفيًا وراء وكلائه. وقد انكشف هذا القناع نتيجةً للتهديد الوجودي، وربما كان ذلك قرارًا متعمدًا. في الوقت نفسه، تضررت القدرات العسكرية الإيرانية بشدة، واضطرت إلى التحول إلى أساليب حرب العصابات البحرية والجوية لتنفيذ تهديداتها. ومن المرجح أن تستمر إيران في استخدام جميع القدرات التي تستطيع حشدها في المنطقة لتلبية احتياجاتها الاقتصادية والأمنية.
الاستراتيجية الإقليمية المُحدَّثة: خلال عهد قائد فيلق القدس قاسم سليماني، الذي اغتيل مطلع عام 2000، وطوال فترة خلفائه، عملت إيران وفق استراتيجية إقليمية مُنظَّمة لبناء تحالف داعم وإضعاف خصومها استنادًا إلى خطاب “إبادة إسرائيل” لجذب المقاتلين. فوجئ الإيرانيون، الذين سعوا إلى تنفيذ استراتيجيتهم بشكل مُنظَّم، بتحرّك حماس في 7 أكتوبر، والذي نُفِّذ قبل الموعد المُحدَّد في خطتهم الزمنية. تخوض إيران الآن معركةً من أجل البقاء داخليًا وخارجيًا، وتستخدم جميع الوسائل المُتاحة لتحقيق النصر. من المُرجَّح أن نشهد الآن تحركاتٍ أقل اعتمادًا على التخطيط طويل الأمد، وأكثر استجابةً للاحتياجات المُستجدة.
التأثير على عامة الشعب:
- أنصار النظام في عزلة تامة: يعتمد بقاء وحياة أنصار النظام بشكل كبير على بقائه. وفي الوقت نفسه، تُضللهم وسائل الإعلام التابعة للنظام بأكاذيب حول وضع الدولة. ومن المرجح أن تدعمهم هذه الأفكار المغلوطة بعنف أكبر، مما يزيد من عزلتهم عن بقية الشعب. وهذا يعني تعزيز آليات قمع النظام.
بقية الشعب في صراع من أجل البقاء: سيؤدي الضرر الواسع النطاق الذي لحق بالاقتصاد الإيراني، وحاجة النظام إلى حشد أنصاره ودعمهم، إلى أزمة اقتصادية حادة بين عامة الشعب الإيراني. ومن المرجح أن يضطر جزء كبير من الشعب الإيران
التحول من الاحتجاج إلى العنف: في ظلّ وضعٍ يُكافح فيه معظم المواطنين الإيرانيين من أجل البقاء، ويتزايد فيه القمع الوحشي، يُرجّح أن تتراجع الاحتجاجات المنظمة واسعة النطاق بشكلٍ ملحوظ، بينما يزداد الغضب والاستعداد للعنف. لذا، يُرجّح أن نشهد فوضى وعنفًا في الشوارع بدلًا من احتجاجاتٍ منظمة من قِبل مجموعاتٍ كبيرة.
سلوكٌ أكثر استقلالية للأقليات: ستُجبر الأزمة الاقتصادية الحادة، وتزايد القمع الوحشي، وتهميش الأقليات في أولويات النظام، الأقليات على تعزيز اعتمادها على نفسها وتكاتفها الداخلي. يُرجّح أن نشهد نشاطًا أكثر استقلالية من جانب الأقليات مقارنةً بالسابق، لكن يبقى التساؤل قائمًا حول ما إذا كانت ستكون راغبةً أو قادرةً على تحويل ذلك إلى تحركاتٍ منظمة ضد النظام.
إذا تحقّقت الاتجاهات المذكورة أعلاه في إيران، فستصبح دولةً مختلفةً تمامًا عن تلك التي حلّلناها حتى الآن – دولةً تنطوي على مخاطر، لكنها تُتيح فرصًا لا تقلّ أهميةً.
إعادة تقييم الوضع في إيران: يجب إعادة تقييم المعرفة الواسعة والرؤى العميقة المتوفرة حول إيران. يجب علينا التخلي عن الاستمرارية التحليلية، والابتعاد عن الثوابت الراسخة، ودراسة عمق التغيير من منظور جديد.
تعزيز التغيير الإيجابي في إيران: تتطلب إيران الجديدة طريقة تفكير مختلفة تمامًا حول كيفية إحداث تغيير جذري فيها. من المحتمل أن بعض الجهود المبذولة حتى الآن لم تعد مجدية، وأن استمرارها سيُعدّ خسارة فادحة.
هذا ليس عام 1979: الواقع الجديد يجعل سيناريو الثورة أقل احتمالًا بكثير. من المناسب التخلي عن النظرة “الرومانسية” لتجربة 1979 باعتبارها تجربة يُحتمل تكرارها.
تصاعد العنف: من المرجح أن يكون الواقع الجديد في إيران أكثر عنفًا بكثير بالنسبة للشعب الإيراني. قد تكون مجزرة يناير مجرد بداية لعنف أوسع نطاقًا يمارسه النظام. مع ازدياد العنف، من الضروري تسريع التفكير في كيفية تزويد الشعب الإيراني بالأدوات اللازمة لحماية نفسه وإيجاد سبل لدعمه.
أهمية العقوبات: مع تدهور الوضع الاقتصادي في إيران، ستصبح العقوبات أكثر فعالية. لذا، من الضروري السعي لضمان استمراريتها ومنع أي أفكار قد تُطرح لتخفيفها بدافع القلق غير المبرر على الشعب الإيراني.
استجابةً لبناء القدرات: سيتطلب الأمر نهجًا أكثر يقظةً لحرمان الإيرانيين من تطوير قدراتهم الهجومية، لا سيما غير التقليدية منها، واستخدامها في المنطقة.
*العقيد احتياط شاي سبتاي باحثٌ أول في مركز بيعن – السادات، وخبيرٌ في الأمن القومي والتخطيط الاستراتيجي والتواصل الاستراتيجي وفي استراتيجيات الأمن السيبراني
——————————————
هآرتس 14/4/2026
لبنان يقترح الشراكة لكن إسرائيل معنية بذراع عملياتي
بقلم: تسفي برئيل
المقولة المشهورة لكارل فون كلاوزوفيتش بأن “الحرب هي استمرار للسياسة بطرق اخرى”، يتم قلبها رأسا على عقب في سياق العلاقات بين اسرائيل ولبنان. فمن ناحية اسرائيل يعتبر اللقاء المرتقب اليوم (الثلاثاء) في واشنطن بين السفير الاسرائيلي يحيئيل لايتر والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض استمرار للحرب بـ “وسائل اخرى”. اللبنانيون يطمحون الى انهاء الحرب وترسيخ وقف اطلاق النار، شريطة اتخاذ خطوات سياسية تؤدي الى التنسيق وبعد ذلك الى الشراكة، لكن اسرائيل تصمم على اجراء المفاوضات تحت اطلاق النار من اجل ضمان استمرار الحرب، بينما تعتبر المكاسب السياسية والاستراتيجية المتوقعة منها هامشية بالنسبة لها. ولا تقتصر هذه الخلافات على مجرد اختلاف في المواقف التكتيكية حول آلية اجراء المفاوضات، التي قد تعرقل استمرار المحادثات بحد ذاتها، بل هي بالنسبة لحكومة لبنان امتحان للسيادة، الذي سيحدد مستقبل الدولة.
في الـ 16 شهر الاخيرة من حكمهم، طور الرئيس اللبناني جوزيف عون وحكومته برئاسة نواف سلام نهج سياسي وفكري ثوري. ويهدف هذا النهج في اساسه الى تحويل الضربات التي تعرض لها حزب الله على يد اسرائيل وضعفه العسكري الناتج ايضا عن قطع جبهته اللوجستية الحيوية في سوريا عند اسقاط نظام الاسد، والحرب بين ايران وبين الولايات المتحدة واسرائيل، الى سياسة تؤدي الى استقلال لبنان وتحرره من النفوذ الايراني وبسط سيادته على كل اراضيه وسيطرته الكاملة على السلاح في كل ارجاء الدولة. في المقابل، تنظر اسرائيل الى حكومة لبنان كذراع تنفيذية، هدفها الوحيد هو نزع سلاح حزب الله، وبالتالي، ضمان السلام في بلدات الشمال. المفارقة تكمن في ان اسرائيل بالذات – التي تطالب الولايات المتحدة باجبار ايران على فك ارتباطها بوكلائها، لا سيما حزب الله الذي هو الرابط القوي في “حلقة النار” – هي التي تتعامل مع جبهة لبنان كمنطقة قتال منفصلة، ولا تنظر الى حكومة لبنان كشريك محتمل قد يساعدها في ترسيخ نظام استراتيجي جديد يضعف محور نفوذ ايران.
ان نقاط ضعف الحكومة اللبنانية معروفة جيدا، ولدى اسرائيل شكوكها في قدرة لبنان على ان يكون شريك فعال في الحرب ضد حزب الله، وتستند هذه الشكوك الى ذرائع قوية. فمنذ العام 2019 يتدهور لبنان بسرعة نحو ازمة اقتصادية عميقة ومستمرة، وقد وصفت حكوماته، وايضا برلمانه، حتى هذه السنة بأداء ضعيف يعكس حكومة متشرذمة وفاسدة وبدون رؤية، تدار وتسيطر عليها قوى سياسية متنافسة، داخل صراعات طائفية وضعف عسكري وركود سياسي.
على الصعيد المدني تعرض لبنان لضربات قاسية كثيرة زادت الازمة الاقتصادية، بدءا بوباء الكورونا والانفجار الكبير في ميناء بيروت في 2020 والحرب التي زج فيها حزب الله لبنان في 2023 والانخفاض الحاد لسعر الليرة اللبناني وتلاشي الطبقة الوسطى ووجود حوالي مليون لاجيء سوري في لبنان وتوقف السياحة واغلاق قنوات التجارة مع دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، كل ذلك جعل الدولة اللبنانية مجرد فكرة نظرية.
الجيش اللبناني الذي تطلب منه اسرائيل تفكيك حزب الله هو جيش مفلس يتم دفع رواتب جنوده بمنح من قطر والحكومة الامريكية. الجيش لا يملك انظمة صواريخ أو طائرات، وسياراته المدرعة قديمة، وخبرة جنوده القتالية محدودة، وهو لا يضاهي انظمة سلاح حزب الله وتدريبه وتقنيته وقدراته. وقدر قائد الجيش اللبناني اللواء رودولف هيكل قبل بضعة اشهر بان اعادة بناء الجيش، واعادة تاهيله بعد ذلك، ستكلف حوالي مليار دولار في السنة لمدة عشر سنوات على الاقل. وقال محلل لبناني ذات مرة عن وضع الجيش: “هذا جيش لم يتم تصميمه للدفاع عن الوطن أو محاربة الاعداء، بل لعكس البنية الاجتماعية والطائفية في البلاد”. ولكن اهم ما يملكه هذا الجيش هو الشرعية الوطنية العابرة للطوائف التي يتمتع بها.
في نفس الوقت تعتبر هذه الشرعية عرضة للتقويض باستمرار. ويتضح ذلك بشكل واضح الان عندما يخشى الرئيس اللبناني، الذي كان قائد الجيش قبل انتخابه، وهو على معرفة تامة بنقاط ضعفه الهيكلية، من ان يؤدي صراع عنيف بين الجيش وحزب الله الى انقسامه، بل تدهور البلاد الى حرب اهلية. في هذا السياق يجب تقدير شجاعة الرئيس ورئيس الوزراء. أولا، تقويض مكانة حزب الله كجزء من منظومة الدفاع الوطنية، وهي مكانة تمتع بها لعقود، بعد ذلك اصدار اوامر للجيش بنزع سلاحه واعتقال كل من يحمل سلاح غير مرخص من قبل الدولة. الجيش اللبناني بتشكيلته الحالية يعجز عن نزع سلاح حزب الله، ولكن الجيش الاسرائيلي يقر ايضا بان التحرك العسكري وحده لن يؤدي الى تفكيك الحزب، وأن الحل السياسي أو الاحتلال الكامل للبنان هو امر ضروري. لذلك فان استمرار الحرب قد يحقق مكاسب تكتيكية، تضعف قدرة حزب الله، لكنها غير كافية للقضاء على هذا التهديد.
ان الكفاح ضد تنظيم مسلح شبه حكومي مثل حزب الله، الذي يملي عمليا السياسة في لبنان، لا يحتاج فقط الى نزع سلاحه، بل يحتاج بالدرجة الاولى الى نزع شرعيته العامة والسياسية، التي اعطته “السلطة” للتحدث والتصرف باسم الدولة. هذا هو المسار الذي سارت فيه حكومة لبنان عندما قررت استبعاد “المقاومة” من منظومة الدفاع الوطنية، ووصف سلاح حزب الله بأنه غير شرعي، وهكذا هي رسخت الاساس لتقارب المصالح بينها وبين اسرائيل. اضافة الى ذلك استعراض القيادة لعون وسلام لم يأت من فراغ. لم يقتصر تاثير الرفض الشعبي في لبنان لـ “حرب تشرين الاول” أو “حرب دعم غزة” على ازاحة “معارضي حزب الله المعتادين”، بما في ذلك معظم السياسيين المسيحيين والسنة، بل امتد ليشمل القوى الشيعية المحلية، لا سيما في جنوب لبنان وبيروت، التي بدأت ترفع صوتها وتنظم صفوفها ضد جر حزب الله للبلاد الى الحرب من جديد، مع تجاهله لمعاناة السكان، لا سيما مؤيديه في قرى الجنوب.
قدم الزعيم الشيعي المؤثر نبيه بري، رئيس حركة أمل، الدليل على هذا التحول الجذري، حيث ايد سياسة الحكومة في “احتكار السلاح” والخطط التي قدمها الجيش لنزع سلاح حزب الله. وبعد ذلك ايد ايضا اعلان الرئيس عون عن بدء مفاوضات مباشرة مع اسرائيل. وتفاقم الضغط الشعبي والسياسي بسبب الضغط الاقتصادي والانساني، الذي وصل الى درجة حرجة نتيجة نزوح مليون وربع مليون شخص من بيوتهم، الذي تقدر تكلفته بـ 250 مليون دولار في الشهر، وهذا مبلغ يفوق قدرة خزينة الدولة الفارغة على تحمله. وقد قتل 2000 شخص منذ بداية المرحلة الحالية من الحرب، وما زال آلاف المصابين عاجزين عن الحصول على العلاج المستعجل. وتفيد المستشفيات عن وجود نقص شديد في الادوية وعدم وجود اماكن كافية لاستقبال المرضى واجراء العمليات الجراحية، وعجز اماكن الايواء العامة عن استيعاب النازحين وتوفير الاحتياجات الاساسية لهم، ناهيك عن اندلاع الاشتباكات العنيفة بين السكان المسيحيين والشيعة الذين هربوا من جنوب لبنان وتم توجيههم الى الاحياء المسيحية في بيروت، باعتقاد أن الجيش الاسرائيلي سيمتنع عن مهاجمتهم هناك.
لكن لبنان لا يعتبر جبهة معزولة، حيث تواجه الدولة فيه تنظيم محلي سيطر عليها. وعندما اظهرت حكومة لبنان الاستعداد لدفع الثمن الدبلوماسي والسياسي من اجل تحقيق وقف اطلاق النار، بعد بضعة اشهر من المحادثات، واعلنت استعدادها لاجراء مفاوضات دبلوماسية مباشرة مع اسرائيل بدل الاكتفاء بمناقشة الترتيبات الامنية، اصطدمت بفخ دبلوماسي نصبته لها ايران. فقبل فترة قصيرة من انعقاد القمة في باكستان اعلنت ايران بانها لن تشارك في الاجتماع مع الوفد الامريكي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس، طالما أن اطلاق النار في لبنان مستمر. تبين ان هذا الشرط كان بمثابة اداة ضغط فعالة، حيث طلب الرئيس دونالد ترامب من اسرائيل تقليص حجم هجماتها، لا سيما في بيروت، لكن اطلاق النار لم يتوقف تماما – ورغم ذلك قررت ايران المشاركة في الاجتماع واجراء المفاوضات كما خطط له.
من ناحية الحكومة اللبنانية فقد هدد التدخل الايراني بتقويض البنية السياسية الهشة التي بنتها الحكومة اللبنانية بعناية، وتحويل ايران الى وسيط نيابة عن لبنان، وبالتالي، اعادة حزب الله الى مكانته كـ “حامي الدولة”، هذه المرة باعتباره الوحيد القادر على انقاذها من استمرار الحرب. كان مبدأ السيادة، الذي سعت الحكومة اللبنانية الى تطبيقه والذي بحسبه هي وحدها المخولة باتخاذ قرار الحرب والسلام، وبالتالي، بناء جدار يفصل بينها وبين حزب الله، على وشك الانهيار. وقد اوضح الرئيس عون لايران بغضب بأن “حكومة لبنان وحدها هي التي تقرر افعالها، وأنه لا يحق لأي جهة اجنبية التوسط نيابة عنها”. بالنسبة له لا يعتبر مسار المفاوضات مع اسرائيل مجرد خطوة تكتيكية تهدف الى وقف اطلاق النار، بل هو ركيزة اساسية في تحديد سياسة البلاد.
ايران لم تستسلم، وردا على موقف عون العدائي فقد غرد علي اكبر ولاياتي، المستشار السياسي لمجتبى خامنئي، وقال: “يجب ان يعرف السيد نواف سلام بان تجاهل الدور الفريد للمقاومة وحزب الله البطل سيعرض لبنان لاخطار امنية لا يمكن التنبؤ بها، ولن يتحقق الاستقرار في لبنان الا عن طريق تشابك جهود الدولة والمقاومة”.
لبنان في صراعه ضد ايران وحزب الله يحتاج الى شراكة اسرائيل، التي ذهبت حاليا الى المفاوضات وكأن الشيطان اجبرها على ذلك (ترامب)، وليس بسبب ادراك اهميتها وفائدتها الاستراتيجية. طالما ان هذه هي دوافع اسرائيل، وطالما أن لبنان موجود على هامش اهتمامات ترامب، فانه من الافضل عدم تعليق آمال كبيرة على نتائج لقاء اليوم.
——————————————
إسرائيل اليوم 14/4/2026
حكومة لبنان لن تفكك حزب الله وتأمين بلدات الشمال يفرض تعديلات حدودية
بقلم: تسفي هاوزر
المفهوم المغلوط الذي ولد هذا الأسبوع واذا به يركض الى مسافات هو أن حكومة لبنان هي التي ستحرص على أمن سكان الشمال. فجأة بدا لنا معقولا ان هذه هي الحكومة التي ستنجح في نزع سلاح حزب الله – الحكومة ذاتها التي لم تنجح حتى في طرد السفير الإيراني بعد أن اتخذت قرارا مؤثرا في النفوس لعمل ذلك.
يروج للمفهوم الجديد في بورصة الوعي الإسرائيلي مثلما يروج لبوادر النفط. بحماسة لكن مع الهمس بجمل الحذر لبناء حجة غيبة لزمن ينهار فيه السهم. رئيس الوزراء يكرر الامل والاحتمال الوهمي للسلام والامن مع لبنان. الى جانبه مصادر عسكرية خفية تقول ان هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق الامن في الشمال. ومن حولهم جوقة إعلامية منسقة تروج لواقع وهمي للجمهور الإسرائيلي. هذا الثلاثي الذي عزف نظرية ان حماس مردوعة وملجومة، التركيبة ذاتها التي روت لنا بعد الجولة في حزيران بان حزب الله مردوع لسنوات، ويمكن العودة بسلام الى الشمال. لاسفنا، حكومة لبنان لن تفكك حزب الله.
لكن نعم توجد فرصة لتغيير استراتيجي تاريخي – وهي تتلخص في كلمتين: “تعديلات حدودية”.
تعديلات حدودية
يستوجب الواقع في الشمال مراجعة متجددة لاحدى الفرضيات الأساس العميقة لدولة إسرائيل: قدسية خط الحدود كما تقررت بعد حرب الاستقلال. هذا الخط، الذي ولد من تسويات وقف النار في 1949، لم يكن ابدا حدود دائمة للسلام. لبنان العشرين سنة الأخيرة ليس لبنان 1949 – فهو يخرق على نحو متكرر اتفاق وقف النار. كريات شمونا، التي كانت تعد 25 الف نسمة تعد اليوم 15 الف فقط. كثيرون لم يعودوا بعد اخلاء الشمال. لقد نجح حزب الله استراتيجيا في تخفيف عدد السكان المحاذين لخط الحدود. وضع تترجم فيه السيادة الى اخلاء مواطنين لا يمكن ان يعتبر مستداما.
صحيح ان في الجولة الحالية لم يتم اخلاء سكان، لكن إسرائيل أمرت الجيش الإسرائيلي ان يجتاح لبنان وان يستعد على “خط مضادات الدروع” – خط نار مباشرة تهدد البلدات ومحاور السير. المعنى واضح: حتى لو تحققت هدنة مؤقتة، فان الظروف الطوبغرافية للحدود الحالية لا تسمح باستقرار أمني. وهي تستوجب واحدة من اثنتين: اخلاء جماعي للسكان – او هجوم متكرر. واضح اليوم للجميع: خط الحدود الحالي يستدعي احتكاكا ويسمح بغزو بري لقوات عصابات بصيغة 7 أكتوبر.
بين بديلين
الاستنتاج الواجب ليس عسكريا فقط بل وسياسي: لا مفر من البحث في الحاجة لتعديلات حدودية في الشمال. فلا يدور الحديث عن خطوة مغامرة، بل باعتراف واع لقيود القوة ولقيود الردع. حكومة لبنان لم تفكك، من غير المتوقع أن تفكك ولا يمكنها أن تفكك حزب الله. محاولة إسرائيلية لعمل هذا بالقوة وحدها ستتطلب سنوات طويلة وثمنا دمويا باهظا. بين البديلين – جمود خطير او معركة طويلة – يوجد طريق ثالث: إعادة تصميم خط الحدود بحيث يمكن الدفاع عنه.
ان البحث في “تعديلات حدودية” ليس غريبا عن التاريخ الإسرائيلي. لقد وضع أبا ايبان في الستينيات اصطلاح “حدود اوشفيتس” عند وصفه لحدود 1949 – حدود ليست قابلة للدفاع. هكذا كانت أيضا الحدود السورية: التهديد المتواصل دفع حكومة إسرائيل، بعد حرب الأيام الستة، للسيطرة على هضبة الجولان – ليس في حزام امني مؤقت بل كحسم استراتيجي طويل المدى. التجربة المتراكمة على مدى العقود الأخيرة وبخاصة السنتين الأخيرتين تؤدي الى استنتاج مشابه. ما كان جيدا للجولان – جيد للبنان.
لتحقيق مثل هذا التغيير مطلوب حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة. حدود الشمال ليست فقط مسألة تكتيكية، هي عنصر في المنظومة الإقليمية كلها. الإدارة الامريكية الحالية منفتحة على أفكار جديدة وتتفهم الحاجة لتغيير فكري لغرض استقرار طويل المدى، لكن فوق كل شيء مطلوب قيادة إسرائيلية شجاعة. مثلما طال رؤساء البلدات في الشمال عشية حرب الأيام الستة تغيير الواقع الذي لا يطاق على الحدود السورية هكذا رؤساء البلدات في حدود لبنان يجب أن يعملوا اليوم أيضا. كل حل آخر سيؤدي بالضرورة الى افراغ البلدات وتآكل متواصل للسيادة الإسرائيلية. بالنسبة لسكان الشمال هذه ليست مسألة نظرية بل حكم إما بالحياة او بالهجران.
——————————————
هآرتس 14/4/2026
حصار هرمز مدخل لاشعال الخليج
بقلم: عاموس هرئيلِ
دخلت الخطوة الجديدة التي اتخذها الرئيس الامريكي دونالد ترامب الى حيز التنفيذ بعد ظهر امس الاثنين. فبعد أن قضى معظم الليل في نشر تهديدات حادة ومتسرعة في الشبكات الاجتماعية، أمر ترامب بفرض الحصار البحري الذي وعد به على ايران. وردا على اغلاق ايران لمضيق هرمز، الامر الذي أدى الى تباطؤ حركة السفن وناقلات النفط في الخليج، امتد الحصار الامريكي جنوبا ليفرض العقوبة نفسها على ايران.
يواجه النظام في طهران خسائر كبيرة، ولا يملك خيارات كثيرة. فالوضع الاقتصادي في ايران متردي وقد تفاقم بسبب الحرب. والمشكلة التي احبطت ترامب طوال فترة الحرب، هي ان هذه القيادة الجديدة (التي يصمم عبثا على وصفها بانها نظام جديد تماما) لا تبدو مهتمة بمعاناة المواطنين الايرانيين، ولا تظهر حاليا أي بادرة على الاستسلام. مع ذلك قال ترامب امس ايضا بان “الاشخاص المناسبين في ايران” تواصلوا مع الولايات المتحدة، وأنهم “يرغبون حقا في التوصل الى اتفاق”.
يمكن لايران مهاجمة السفن الامريكية بمسيرات وزوارق سريعة، في حالة توغلها في المضيق، وبالالغام. وقد اعلن ترامب امس بان الولايات المتحدة دمرت الاسطول الايراني ولم تبق الا عدد قليل من الزوارق التي لا تعتبرها تهديدا، لكنها لم تتردد في تفجيرها اذا لزم الامر. والى جانب التهديدات المتبادلة يبرز سؤال جوهري اكثر: هل سيحاول أي طرف من الطرفين اختراق الحصار – الامريكيون شمالا والايرانيون يتجهون جنوبا؟ من شان معركة بحرية كهذه ان تفضي بسهولة الى تجدد الغارات الجوية واطلاق الصواريخ، وقد تشمل ايضا هجوم ايراني على اسرائيل ودول الخليج مجددا. ويعتقد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي حرص امس على الاعلان بان الادارة الامريكية تطلعه باستمرار على كل تطورات المفاوضات والقتال، ان الحرب ستستأنف بكامل قوتها تقريبا. بالنسبة للولايات المتحدة يلوح في الافق خطر توسع نطاق المهمة، وهي مهمة محددة ستتجاوز الحدود المخطط لها – لتصبح في هذه الحالة حرب اقليمية كبيرة – نتيجة للقيود المحلية وتصاعد التوتر على الارض.
في الخلفية ما زالت المعارك مشتعلة على الجبهة الثانية في لبنان، وتحت ضغط امريكي امتنعت اسرائيل في الايام الاخيرة عن مهاجمة بيروت ومعظم البقاع. ولكن في ظل غياب انجازات ملموسة اخرى، يتفاخر الجيش الاسرائيلي بتطويق بلدة بنت جبيل في القطاع الغربي من جنوب لبنان. ميزان القوة واضح لصالح الجيش الاسرائيلي وعلى حساب حزب الله، لكن السعي الحثيث الى صورة النصر قد يدفع الجيش الى الفشل في معارك غير ضرورية، مثلما حدث في نفس المكان في العام 2006.
زيني يعيد الاستثمار
يثير توقف الحرب في ايران، ربما بشكل مؤقت، قلق نتنياهو. ويظهر ذلك في ظهوره الاعلامي المتكرر، وقراره القيام بزيارة خاطفة اقتصرت على التقاط الصور مع الجنود في جنوب لبنان، وخطابه المتسرع عشية ذكرى الكارثة. رئيس الحكومة، الذي كثيرا ما يقارن نفسه بونستون تشرتشل، تفاخر هذه المرة بأن اجراءاته في ايران حالت دون تخليد ذكرى المنشآت النووية هناك، “مثلما تم تخليد ذكرى معسكرات الابادة اوشفيتش ومايدنيك وسوبيبور”.
في وقت سابق في هذا الاسبوع قال نتنياهو ان الحربين مع ايران اوقفتها قبل ان تتمكن من امتلاك القدرة النووية. ويتفاقم هذا الزعم الان مع التقليل من شان الكارثة، بمقارنة فوردو باوشفيتس. وبالنظر الى ان اكبر مذبحة لليهود منذ الكارثة حدثت في فترة ولايته، ربما كان من الاجدر بنتنياهو اختيار مقارنات تاريخية اخرى.
على الصعيد الداخلي وفي ظل الحرب، يحكم نتنياهو قبضته على المؤسسة الامنية. ففي الايام الاخيرة اصبح من الواضح ان رئيس الشباك دافيد زيني بدأ يرد ثمار استثماره. لقد عين نتنياهو زيني في منصبه قبل ستة اشهر تقريبا، رغم الانتقادات التي وجهت اليه حول مدى ملاءمته للمنصب، حتى مع وصف رئيس الحكومة له بأنه “يهودي متطرف جدا”. وحسب تقرير نشره افيعاد غليكمان في “اخبار 13″، قدم الشباك لنتنياهو رأي يفيد بانه لاسباب امنية لا ينبغي استئناف محاكمته، رغم وقف اطلاق النار في الخليج. وهذا يعود للخوف من ان وجود رئيس الحكومة في مكان محدد مسبقا وفي وقت محدد قد يؤدي الى محاولة اغتياله.
خلفية هذه التوصية واضحة: نتنياهو يحاول بكل طريقة تاجيل استئناف تقديم شهادته، والان لديه رئيس جهاز مستعد لتقديم الرأي المطلوب. عندما رفض الرئيس السابق للشباك رونين بار الخضوع لهذه المناورة بدأ نتنياهو يسعى الى التخلص منه (وكانت الذريعة الرسمية تتعلق بنصيب بار في المسؤولية عن الاخفاقات التي سبقت مذبحة 7 اكتوبر). يتناقض موقف جهاز الشباك الجديد مع حقيقة ان محكمة تل ابيب المركزية، حيث تعقد المحاكمة، توجد تحت الارض في مجمع شديد الحراسة، مع ان جدول اعمال رئيس الحكومة المزدحم في اسبوع الذكرى واسبوع الاستقلال يشمل سلسلة طويلة من الفعاليات المعروفة والمخطط لها مسبقا والتي يكون موقعه فيها معروف وواضح للعدو.
جاء تقرير غليكمان قبل قرار لجنة غرونس بشان تعيين الجنرال رومان غوفمان، السكرتير العسكري لنتنياهو، في منصب رئيس الموساد. ومثلما كان متوقعا فقد عارض رئيس اللجنة، القاضي المتقاعد آشر غرونس، هذا التعيين، لكنه بقي في موقع المعارضة في مواجهة تاييد الاعضاء الثلاثة الاخرين، بمن فيهم والدة الشخص الذي وصفته الشرطة بانه مجرم هارب في قضية مستشاري نتنياهو والاموال القطرية. غرونس انتقد بشدة سلوك غوفمان عندما كان برتبة عميد، في قضية استخدام المراهق اوري المكايس كعميل من قبل استخبارات الفرقة التي كان يقودها، ثم التخلي عنه بعد ذلك. وقد تبنى غرونس تفسير موسع واعتبر ان غوفمان كقائد هو مسؤول عما يحدث تحت امرته. ولكن اعضاء اللجنة لم يقتنعوا بهذا التفسير وايدوا التعيين.
يكشف نصف قرار غرونس عن سلوك مريب من جانب الجيش الاسرائيلي في التحقيق في القضية، وفي الاجراءات القيادية التي تم اتخاذها. فقد وجه اللواء امير برعام، قائد المنطقة الشمالية في حينه (المدير العام الحالي لوزارة الدفاع) ملاحظة قيادية لغوفمان حول دوره في القضية، ولكن لا يوجد أي توثيق لهذه الملاحظة، وكانت بمثابة رفع العتب وكأن الجيش قد قام بواجبه. ومن المرجح ان تنظر المحكمة العليا بهذه القضية في القريب. يتصرف نتنياهو وكأن قرار اللجنة مهد الطريق لتولي غوفمان رئاسة الموساد في بداية حزيران، لكن رأي غرونس المخالف ترك المجال مفتوح امام التماسات يرجح تقديمها قريبا.
——————————————
إسرائيل اليوم 14/4/2026
الحرب مع ايران تؤكد تحدي التهديد الوجودي
بقلم: العميد تسفيكا حايموفيتش
في عشية يوم الكارثة تتوقف إسرائيل. الصافرة تقطع روتين الحياة والشوارع تتجمد. الذكرى تعود وتطفو، هذه السنة ليس فقط كقصة بل بعد أيام تحل فيها صافرة الذكرى محل صافرات الإنذار كنتيجة للاطلاقات من ايران. هذا اللقاء بين ماض صادم وبين حاضر متوتر يثير سؤالا عميقا: كيف تؤثر ذكرى الكارثة على الشكل الذي تدرك فيه إسرائيل تهديدات وجودية من زمننا؟
ليست الكارثة (المحرقة) فقط فصلا في التاريخ اليهودي الحديث، هي أساس تكويني في الوعي القومي لدولة إسرائيل. من بين الرماد نمت فكرة واضحة – الشعب اليهودي لن يكون بعد الان عديم الوسيلة والدفاع امام تهديد وجودي. تعبير “ليس بعد أبدا” تحول من شعار ذكرى ملزم، شعار يتسلل الى سياسة الامن، الى تفكير استراتيجي واحيانا حتى الى الخطاب الجماهيري. فهو يعبر ليس فقط عن ذكرى ما كان بل أيضا عن التزام بما لن يتكرر مرة أخرى.
في داخل هذا السياق تعد ايران في نظر الكثيرين في إسرائيل (وعن حق) كتهديد ذي مغزى بل ووجودي. تصريحات زعماء ايران على اجيالهم، الى جانب تقدمهم في مجال النووي والصواريخ الباليستية تعزز إحساسا بالحذر وبالهلع. في الخطاب السياسي تظهر غير مرة المقارنات بين ايران وأوروبا قبل الحرب العالمية الثانية، لكني اقترح الاخذ بجانب الحذر في المقارنة بين الوضعين، الزمنين والتهديدين. فالمحاولة للمقارنة بين كل تهديد حديث والكارثة من شأنها أن تبسط اكثر مما ينبغي الواقع المعقد بل وتمس بالفهم العميق لكل واحد من الأوضاع، لكل واحد من التهديدات. ليس كل تهديد وليس كل حدث، مهما كان صادما، مثلما حصل في صباح 7 أكتوبر 2023 هو “كارثة”.
مع ذلك، لا يمكن ان نتجاهل بان الذكرى التاريخية تؤدي دورا بالفعل. فهي تعمل كخلفية عاطفية وكبوصلة أخلاقية. فهي تذكر بثمن تجاهل التهديدات لكنها تلزم أيضا بالتفكر، المسؤولية والتمييز. السؤال ليس اذا كنا سنتعلم من الماضي – بل كيف نفعل هذا على نحو صائب. فهل تؤدي ذكرى الكارثة الى عمل مدروس ومسنود أم ربما تدفع أحيانا الى ردود أفعال واعمال تنطلق من التناظر التلقائي؟ “الكارثة” لا يمكنها أن تكون تفسيرا او مبررا لكل عمل وعبر هذه تلقي التعزيز او المفعول للقرار.
مسؤوليتنا جميعنا
في نهاية الامر، يوم الكارثة ليس فقط يوم 11ذكرى بل وأيضا يوم مسؤولية. المسؤولية للتعلم من التاريخ دون حبس الحاضر في مفاهيم الماضي. في عصر التوتر والحرب العادلة ضد ايران يتأكد هذا التحدي. ان نبقى يقظين للتهديدات لكن ان نحافظ أيضا على المنظور وعلى القدرة للتمييز بين الأوضاع.
الذكرى ليست فقط تحذيرا – هي أيضا بوصلة. السؤال والتحدي هما كيف نستخدمها من جهة وان نؤكد المسؤولية في الا يتكرر حدث مشابه في المستقبل من جهة أخرى. المسؤولية هنا ملقاة علينا جميعنا – على الزعماء، على المربين وعلى وسائل الاعلام. الحفاظ على ثقل وزن الذكرى وعدم افراغها من المعنى عبر المقارنات المتهورة.
——————————————
يديعوت احرونوت 14/4/2026
حصار بحري أنيق أثر هرمز: المفاوضات الخفية بين الولايات المتحدة وايران
بقلم: نداف ايال
لم يمر يوم واحد على الحصار البحري المفروض على إيران، وقد بدأت بالفعل رياح المفاوضات تهب من الخليج والبيت الأبيض. بالأمس، أعلن الرئيس ترامب أن الإيرانيين اتصلوا بهم ويريدون التوصل إلى اتفاق. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنه تلقى إحاطة مفصلة عن المحادثات من نائب الرئيس فانس؛ ونُشرت لاحقًا تفاصيلها، بالإضافة إلى المقترحات الأمريكية وردود إيران.
هناك منطق كبير وراء الحصار البحري المفروض على إيران. فالمشكلة الأساسية التي تحاول الولايات المتحدة حلها حاليًا هي إغلاق مضيق هرمز. تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بتحليلات متفاوتة، تُشير إلى أن الاقتصاد العالمي يتجاوز بطريقة ما خسارة كبيرة في تدفقات النفط والغاز. لكن من خلال المحادثات مع شخصيات مؤثرة في المنطقة وخارجها، يتضح أن هذا ليس صحيحًا. فالأمر لا يقتصر على الوقود الأحفوري فحسب، بل يشمل أيضًا كميات هائلة من المعادن القادمة من الخليج.
لقد قدّم الأمريكيون سلسلة من المقترحات للضغط على الإيرانيين. وكان من أبرزها احتلال جزيرة خارك فعليًا، أو القضاء على صناعة النفط الإيرانية. هاتان الخطوتان قادرتان على توريطهم بعمق في الحرب. لكنهم اختاروا خطوة أكثر وضوحًا ودهاءً، تُتيح لهم، إلى جانب وقف إطلاق النار، إعادة إشعال الحرب فعليًا.
صرّح الرئيس مرارًا وتكرارًا بأن المعركة قد حُسمت وأن إيران قد خسرت. هذا ما يراه. ماذا تبقى؟ مضيق هرمز. لذلك، إذا استمر الإيرانيون في تصدير النفط (وحصلوا على ضعف السعر تقريبًا!)، فلن يتمكنوا من منع العالم من المرور عبر المضيق. إنهم بذلك ينتهكون القانون الدولي. بما أن الولايات المتحدة أوقفت قصفها، فإن الموقف الأمريكي القائل “إذا أغلقتم المضيق، سنغلقه أمامكم” يبدو منطقياً. فهو يحمل في طياته إمكانية كبيرة لحشد الدول الأخرى المتضررة من الوضع في مضيق هرمز.
لقد حاول الإيرانيون استخدام مضيق هرمز للضغط على أمريكا، لكن هذا في جوهره مثال كلاسيكي على “الاستغلال ثم الخسارة”. بدأت دول المنطقة بالبحث عن حلول أخرى، وتتمتع الولايات المتحدة بنفوذ أكبر إذا ما تم فرض حصار كامل على إيران. من جهة أخرى، هناك مسألة الأسعار: فالحصار البحري الذي يقطع كل حركة في مضيق هرمز سيرفع الأسعار في جميع أنحاء العالم. يكمن رد الولايات المتحدة فيما قاله ترامب أمس، حول مرور عدد من ناقلات النفط عبر مضيق هرمز قبل يومين أكثر من أي وقت مضى خلال الحرب. بعبارة أخرى، تحاول أمريكا أن تفعل بإيران ما فعلته بالعالم لأكثر من شهر.
في الوقت نفسه، تستمر المفاوضات. في الوقت الراهن، تتضح الصورة التالية: ستوافق إيران مبدئيًا على إزالة اليورانيوم المخصب من أراضيها، أو تخفيف تركيزه في تربتها بحيث لا يصل إلى مستويات التخصيب المطلوبة. كما توافق على وقف تخصيب اليورانيوم لفترة محددة، لكنها ترفض الموافقة على وقف التخصيب كليًا. وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة مستعدة للتنازل بشأن مطلب الوقف التام للتخصيب، وعرضت مهلة عشرين عامًا. وقد أفاد باراك رافيد الليلة الماضية أن إيران ردت، وفقًا لعدة مصادر، بـ”مدة لا تتجاوز عشر سنوات”. بعبارة أخرى، يدور الخلاف حول السعر لا المبدأ، كما في النكتة الشهيرة عن جورج برنارد شو وحواره مع تلك المرأة.
ويُفترض أن اتفاقًا شاملًا سيحل أيضًا قضية هرمز حلًا جذريًا وكاملًا. ظاهريًا، ستحصل إيران في المقابل على تسوية بشأن أصولها وتخفيف كبير للعقوبات.
ماذا تبقى؟ النقطتان الأكثر صعوبة بالنسبة لإسرائيل، حتى أكثر من القضية النووية: دعم إيران لوكلائها الإقليميين، وبرنامج الصواريخ الباليستية. ففي الحالة الأولى، تواصل إيران، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، دعم منظمات إرهابية، من حزب الله إلى حماس مرورًا بالجهاد الإسلامي. أما في الحالة الثانية، فهي ليست طرفًا في أي معاهدة بشأن قضية الصواريخ الباليستية، ويمكنها الاستمرار في الادعاء بأن هذا حق سيادي لها وأن امتلاكها سلاح قانوني تمامًا. لم ترد أي تقارير من مصادر مختلفة حول ما إذا كانت هذه القضايا قد طُرحت في إسلام آباد، وما المقترحات التي قُدّمت، وما إذا تم التوصل إلى أي اتفاقيات.
بالنسبة لإدارة ترامب، ثمة ثلاثة عناصر أساسية قد تُشكّل نصرًا في الحرب: فتح مضيق هرمز بالكامل؛ وإزالة اليورانيوم المخصب؛ ووقف التخصيب لفترة طويلة جدًا – فترة قد يصفها ترامب بأنها “أبدية”. قد يجادل الرئيس بأن هذه نتيجة أفضل بكثير من الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما، والذي سمح بالتخصيب وتضمن بندًا “نهائيًا” يُلغي القيود بعد عشر سنوات. هنا، ووفقًا لموقف الإدارة، لن يكون هناك أي تخصيب على الإطلاق لسنوات عديدة. وحتى ذلك الحين، يأمل الغرب في سقوط النظام أو تغييره جذريًا.
——————————————
معاريف 14/4/2026
مع ترقب إيران: أصبح لبنان مجدداً ساحة القتال الرئيسية
بقلم: افي اشكنازي
بعد أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ، أصبح لبنان مجدداً ساحة القتال الرئيسية للجيش الإسرائيلي، بينما تحولت إيران إلى ساحة استعدادات أساسية. وماذا عن غزة؟ يبدو أنها تتقدم بخطىً حثيثة لتصبح الهدف التالي للقتال.
يخوض الجيش الإسرائيلي معارك ضارية في بنت جبل جنوب لبنان، حيث تعمل الفرقة 98 في المنطقة منذ أكثر من أسبوع. بنت جبيل، وهي بلدة شيعية على الحدود مع إسرائيل، أصبحت رمزاً لحزب الله قبل 26 عاماً. كان حسن نصر الله هو من وصل إلى الملعب البلدي في المدينة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان عام 2000، وألقى خطابه الناري “بيت العنكبوت”.
لقد أصبح نصر الله من الماضي، والآن تحوّل الملعب إلى ساحة خراب، ومن المرجح أن تُدمّر مدينة بنت جبيل بأكملها في غضون أيام قليلة. وحتى يوم أمس (الاثنين)، سيطر الجيش الإسرائيلي على أجزاء من المدينة وقضى على أكثر من مئة إرهابي. وعثر المقاتلون على كميات كبيرة من الأسلحة من مختلف الأنواع في المدينة، من الأسلحة الشخصية إلى قاذفات الصواريخ بعيدة المدى.
في الوقت نفسه، أكمل الجيش الإسرائيلي الوصول إلى نقاطه الأمامية في جميع أنحاء جنوب لبنان. وسينتقل الجيش الإسرائيلي الأسبوع المقبل إلى عمليات التواجد الميداني. ووفقًا للخطط، سيُنشئ الجيش الإسرائيلي عشرة مواقع إضافية إلى جانب المواقع الخمسة الموجودة بالفعل في القطاع منذ نهاية حرب “السهام الشمالية” قبل نحو عام ونصف.
وفي مواجهة إيران، يقف الجيش الإسرائيلي حاليًا في حالة تأهب ويراقب التطورات. يحاولون معرفة تداعيات الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة، وكيف سترد إيران على هذه الخطوة. ولا يستبعد الجيش الإسرائيلي احتمال أن تحاول طهران “كسر النمط المعتاد” وتحدي إسرائيل بإطلاق النار عليها.
ويستعد الجيش الإسرائيلي حاليًا لاستئناف القتال. فعلى الأرض، تعمل فرق الصيانة التابعة لسلاح الجو على مدار الساعة، بينما تنشغل قوات الدفاع الجوي بتجديد مخزونات الذخيرة. وتعمل شعبة الاستخبارات حاليًا على إنشاء بنك أهداف تحسبًا لاستئناف القتال.
في غزة، تواصل حماس تسليح نفسها وإعادة تأهيلها وبناء قوة عسكرية. وتحاول هذه المنظمة الإرهابية تحدي قوات الجيش الإسرائيلي في منطقة الخط الأصفر. وخلال محادثات جرت هذا الأسبوع في مصر، أصرت حماس على عدم نزع سلاحها، وأكدت على حاجتها إلى قوة عسكرية مسلحة للحفاظ على الاستقرار والأمن الداخلي في غزة.
لقد بدأت إسرائيل تدرك أن مقاتلي الجيش الإسرائيلي سيُطلب منهم – عاجلًا أو قريبًا جدًا – التحرك جنوبًا للقيام بمناورة أخرى داخل غزة. وهكذا، وبعد عامين ونصف من الحرب في سبع جبهات، يجد الجيش الإسرائيلي نفسه يتحرك في دورات متكررة. لا تزال المعركة مستمرة، ولا يبدو أن لها نهاية.
——————————————
هآرتس 14/4/2026
أليست النازية تلك المذابح التي يرتكبها اليهود ضد الفلسطينيين بالضفة الغربية؟
بقلم: نمرود الوني
مؤخراً ازداد استخدام مصطلح “النازيين اليهود” لوصف اليهودي الذين ينفذون مذابح دموية ضد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية. هؤلاء يستخدمون في تحديهم الأخلاقي التعبير الذي صاغه البروفيسور يشعياهو لايفوفيتش، الذي يشير إلى الديناميكية الحتمية التي ستنشأ نتيجة استمرار نظام الاحتلال الإسرائيلي: ديناميكية الإرهاب المستمر ضد الفلسطينيين، ونمو النزعة القومية في أوساط اليهود الإسرائيليين، إلى درجة الوحشية الأخلاقية ونشوء عقلية نازية يهودية تقوم على التفوق العرقي والتطهير العرقي الدموي. ومع انتقادات لايفوفيتش المتمردة، والتدهور الأخلاقي وتزايد مذابح اليهود ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة، فقد أصبح ضرورياً تطبيق مبدأ العدالة والمساءلة.
كي نأخذ مصطلح “العقلية النازية” على محمل الجد، لا بد من مراعاة نوع ما من الشر البشري، الذي له خصائص فريدة ومحددة، إضافة إلى قوة هذا الشر وشدة انتشاره والأرقام القياسية التي وصل إليها هذا الشر. على سبيل المثال، هناك حركات نازية جديدة مختلفة في العالم، ولكن لا يتم الحكم عليها بالضرورة بالعقلية النازية أو السلوك النازي.
وثمة من يترددون في إصدار هذا الحكم الصارم ضد حركات عنصرية مثل جماعة الكو كلوكس كلان التي نشطت في الولايات المتحدة في القرن الماضي، أو نظام ميانمار الذي نفذ تطهيراً عرقياً دموياً بحق الروهينغا، أو احتلال “داعش” الدموي في الشرق الأوسط، أو الهوتو الذين نفذوا إبادة جماعية ضد التوتسي في رواندا في تسعينيات القرن الماضي. ولا يخفى على أحد بأن سياسيين وإعلاميين إسرائيليين استخدموا في مناسبات كثيرة مصطلح “النازي” للإشارة إلى مقاومة الفلسطينيين والتنظيمات الإرهابية، وأيضاً قادة النظام الأصولي في إيران.
من جهة، لا يستحق أي عدوان حربي ينطوي على فظائع جماعية، أو أي عمل إرهاب عنصري، أن يوصف بالنازية. ومن جهة أخرى، يستخدم مصطلح “النازي” أيضاً للإشارة إلى فظائع جماعية لا تشمل معسكرات الإبادة أو خطط الحل النهائي. لذلك، سنحاول هنا مع الحذر المطلوب، وضع معايير يمكن من خلالها إصدار حكم معقول ومشروع، وربما صحيح، بشأن استخدام مصطلح “النازي” بشكل عام و”النازي اليهودي” بشكل خاص.
من المعايير الواضحة المتعلقة بنوع الشر المرتبط بالعقلية النازية، وجود نظرية عنصرية منهجية ترسخ نظاماً هرمياً للجودة البشرية بين المجتمعات. وحسب هذا التسلسل الهرمي العنصري، تنسب الجماعة العرقية أو الدينية المعنية لنفسها التفوق الجوهري، الذي وفقاً له تطلب امتيازات خاصة بها، بما في ذلك الحق في استعباد وقمع وإقصاء وسجن، بل وحتى قتل أو إبادة، كل من ينظر إليهم ليس فقط بأنهم أدنى منها، بل أيضاً كأعداء يهددون تحقيق المصير المقدس لها.
تشمل سمات هذا السلوك في الواقع، أولاً وقبل أي شيء، تصنيف سكان العدو، بما في ذلك النساء والشيوخ والأطفال، بأنهم ليسوا أبرياء، وأن المسؤولية الأخلاقية لا تسري عليهم. بسبب ذلك، يسمح بأي ضرر يلحق بهم: الإحراق المتعمد، الإعدام خارج القانون، السرقة، تدمير المباني السكنية ومصدر الرزق، التطهير العرقي، الاستعباد، قتل المعارضين، بل وحتى القتل الجماعي لغير المعارضين، بهدف اجتثاث نسلهم من العالم.
على خلفية هذه المعايير، هل من المشروع أو من المناسب إطلاق اسم “اليهود النازيين” على الذين يصرخون بشعار التفوق اليهودي والذين يطالبون بإبادة الفلسطينيين في غزة على اعتبار أنهم من نسل العماليق، وسكان المستوطنات الذين ينفذون مذابح دموية ضد سكان القرى الفلسطينية في الضفة الغربية؟ هل يرى المنتقدون ظل الجبل كجبل، ويسارعون إلى توجيه أشد الإدانات الممكنة للعنصرية الإرهابية الناتجة عن صراع وطني محلي؟
ربما الأهم في هذه القضية هو تجنب الإجابة الثنائية القاطعة – نعم، عقلية نازية/ لا ليست عقلية نازية، والتركيز بدلاً من ذلك على مظاهر تقترب من العقلية النازية، من حيث أنواع الشر وشدته، التي يجب اعتبارها جرس خطر، وأن نقف في وجهها بشكل حازم بالقانون والأفعال.
في ضوء التجربة الإنسانية في القرون الأخيرة، فإن الرفض الكلي للعقلية النازية وما يشبهها من ظواهر هو مسؤولية كل مواطن في واقعنا العالمي اليوم، فضلاً عن كل يهودي، الذي يشمل تاريخه مذابح دموية لاسامية، وأقبح مظاهر الشر في السلوك النازي.
——————————————
هآرتس 14/4/2026
اقتداء بالنموذج الهنغاري..هل تستعين المعارضة في إسرائيل بالصوت العربي لإزاحة المافيا عن الحكم؟
بقلم: أسرة التحرير
يمكن لنا أن نلخص نتائج الانتخابات في هنغاريا كتحول جذري وسقوط فكتور أوربان أطاح به المواطنون إياهم الذين منحوه أربع ولايات في أثنائها اقتاد دولته إلى شفا الحكم المطلق. من خلال الفعل الديمقراطي الأساسي وحده كان يمكن في النهاية الإطاحة برئيس الوزراء القائم مطلق الصلاحيات. يجدر بنا أن نتعلم من هذا مع حلول الانتخابات التي ينبغي الأمل أن تجري قريباً في إسرائيل أيضاً.
الأغلبية العظيمة التي نالها بيتر مغيار مهمة لمنع أوربان من التشكيك بالنتيجة، وثانياً للسماح لحزبه، “تيسا” بدخول البرلمان مع أغلبية بأكثر من الثلثين مما يتيح له إلغاء التغييرات النظامية لأوربان. هذه ساعة اختبار الحزب الحاكم الجديد الذي وعد بالعودة إلى حضن الاتحاد الأوروبي والناتو، وأن يعيد للدولة بضعاً من المزايا الديمقراطية التي فقدتها. مع ذلك، يدور الحديث عن حزب وسط – يمين، ومغيار نفسه كان حتى قبل سنتين مقرباً هو نفسه من أوربان وعضواً مركزياً في حزبه.
هذا النصر بعث أملاً لدى أوساط إسرائيليين كثيرين في تغيير حكم نتنياهو. لقد فقد رئيس وزراء إسرائيل حليفاً شخصياً في بودابست، وساعد في صد الاقتراحات ضد سياسته في مؤسسات الاتحاد الأوروبي. نتنياهو، الذي خرج عن القواعد وأيد أوربان بفاعلية، تطلع لغرس النموذج الهنغاري في إسرائيل؛ لسحق الديمقراطية – مسيرة أدت بإسرائيل إلى الأزمة الأكثر حدة في تاريخها، إلى جانب مذبحة 7 أكتوبر والحروب المتواصل في غزة وإيران ولبنان.
قبيل الانتخابات المرتقبة هذه السنة، على المعارضة أن تتعلم من الحالة الهنغارية وأن تتبنى، في أحزاب الوسط – اليمين أيضاً، المسار الذي أطاح بأوربان. أمام المعارضة تحديان أساسيان: الأول، كثرة الزعماء الذين لا يقدمون بديلاً فكرياً واضحاً لنتنياهو، بخلاف مغيار الذي وحد معسكراً كاملاً خلفه، حتى حين اختاره ناخبون كثيرون كأهون الشرور. ثانياً، ميل التطرف يميناً في أوساط الشباب في إسرائيل. لقد تبنت المعارضة الهنغارية رسائل قومية لكنها عرفت كيف تدعو أوربان باسمه وتوضح للمواطنين بأن الحديث يدور عن مسألة شخصية ومباشرة: فساد، “مافيا في الحكم” يمس بجيوبهم ويأتي على حساب الخدمات الاجتماعية الأكثر أساسية. كما أنها لم تخش من إيضاح وجهتها، ولم تستسلم للتحريض على التعاون مع أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، بل قالت بالفم المليء بأنها تسعى لتكون جزءاً من أوروبا.
المعارضة في إسرائيل ملزمة بأن تتعلم من الهنغاريين؛ بأنه يمكن الإطاحة بالحكم فقط إذا ما وضعت بديلاً فكرياً وعملياً: في هنغاريا – الارتباط بأوروبا بدلاً من روسيا وحرب إبادة على الفساد. في إسرائيل – شراكة يهودية عربية وسعي إلى حل سياسي بدلاً من حرب أخرى.
—————-انتهت النشرة———

