المسار : في زقاقٍ ضيق يلفظ أنفاسه الأخيرة شرق مدينة خان يونس، يقف الطفل بلال الناقة (9 أعوام) محشورًا بين ركام الإسمنت المنهار. يمسك بلعبة بلاستيكية تشبه قذيفة، وكأن طفولته قد تشكلت من وحي الحطام لا من ألوان الطيف. يكسر أحمد الصمت بسؤال يوجهه إلى والده بلهجة يسكنها القلق: “هل ستعود الطائرة الليلة؟”.
لا يجد الأب سوى صمت طويل، ونظرة شاردة نحو سماء لا تمنح الضمانات، قبل أن يهمس بجواب يختزل واقع المدينة بأسرها: “ربما.. وربما لا”. في هذه الـ “ربما”، تعيش خان يونس اليوم؛ هدنة معلقة، وحرب معلنة بالإجراءات، وحياة تتأرجح بين كمائن الميدان وحصار الاحتياجات الإنسانية.
مواجهة “الوكلاء” والأصلاء
لم يكن صمت صبيحة يوم 20 نيسان / أبريل 2026 إلا مقدمة لعاصفة ميدانية في شرق خان يونس. هناك، وقعت عملية عسكرية كبرى وصفتها حركة “حماس” أنها رد ميداني واجب على خروقات إسرائيل المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، ومحاولات الالتفاف على بنود الهدنة عبر استراتيجية “النفوذ بالوكالة”، من خلال زج ميليشيات مسلحة محلية مدعومة من الاحتلال لتوسيع السيطرة في عمق الأحياء المنكوبة.
حين كسر ركام خان يونس صمت الهدنة المهشمة
تكشف مصادر ميدانية فلسطينية لـ “القدس العربي” كواليس تلك الصبيحة؛ حيث اندلع اشتباك ضارٍ بين عناصر من “حماس” وميليشيا مسلحة يقودها حسام الأسطل، وهو ضابط سابق في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، تحركت مجموعته بدعم إسرائيلي واضح للسيطرة على مناطق حيوية شرق خان يونس.
تسللت مجموعتان مسلحتان وسط الأنقاض ببطء، تتقدمهما عربتان محملتان بعناصر إسرائيلية مسلحة، قبل أن يطبق عليهما كمين محكم أعدته المقاومة؛ انفجار هز الأركان تلاه سيل من الرصاص الكثيف.
على الجانب الآخر، لم تستطع التقارير العبرية إخفاء وطأة العملية؛ إذ أكدت “القناة 12” الإسرائيلية مقتل جنديين وإصابة ثمانية آخرين بجراح متفاوتة.
الجيش الإسرائيلي، الذي أقر بوقوع القوة تحت إشراف ضابط منطقة خان يونس، وصف ما جرى أنه “صدمة ميدانية”، رغم ادعائه أن التحرك جاء ضمن عملية “ردع العدوان” المخطط لها مسبقًا.
وبالنسبة إلى “حماس”، لم يكن الأمر مجرد اشتباك، بل “عملية وقائية” لحماية بنود الهدنة ومنع تحويل غزة إلى كانتونات أمنية يديرها الاحتلال عبر واجهات محلية.
2400 طعنة في جسد الهدنة
خلف غبار الاشتباكات، تتحدث البيانات الرسمية عن نزيف صامت؛ فوفقًا لتقرير مفصل صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي ومنظمات حقوقية، سجل الاحتلال أكثر من 2400 خرق للهدنة في الفترة ما بين 10 تشرين الأول / أكتوبر 2025 و20 نيسان / أبريل 2026. ولم تكن هذه الخروقات مجرد حبر على ورق، بل تُرجمت إلى قصف مدفعي واقتحامات ميدانية، وحصار خانق طال شريان الحياة من ماء وكهرباء ووقود.
هذه “الحرب المقطعة” أودت بحياة أكثر من 700 شهيد حتى كتابة هذه السطور، أغلبهم من المدنيين والنساء والأطفال والمسعفين، ما يدفع المقاومة إلى عدّ المواجهة الميدانية المحدودة وسيلة ضغط ضرورية لإجبار الاحتلال على احترام استحقاقات الهدنة والانسحاب الشامل.
حصان طروادة الجديد
يبرز في المشهد دور “الميليشيات” التي يمولها الاحتلال، كميليشيا الأسطل، والتي تعمل بوصفها “عيونًا ميدانية” لتحديد مواقع المقاومة وبنيتها التحتية، خاصة في المناطق التي يصعب على الجيش الإسرائيلي التحرك فيها مباشرة التزامًا بـ “الخط الأصفر” الذي يشطر القطاع. وهذه المجموعات باتت منبوذة شعبيًا وعشائريًا، إذ وصفتها العشائر الفلسطينية في غزة أنها “أدوات عميلة”، وأعلنت “إهدار دمائها” لدورها في ترسيخ واقع أمني جديد لصالح إسرائيل.
الخطف والإعدامات الميدانية
ولم يقتصر دور هذه الميليشيات على العمل أدوات رصد ميداني، بل تجاوز ذلك إلى ممارسات أكثر خطورة، تمثلت في عمليات خطف وإعدامات ميدانية طالت مدنيين ومشتبهًا بهم في مناطق شرق خان يونس.
وتكشف شهادات متطابقة لنازحين من المنطقة أن مجموعات مسلحة تابعة لحسام الأسطل نفذت، خلال الفترة التي سبقت كمين 20 نيسان / أبريل، عمليات احتجاز قسري بحق عدد من الشبان، قبل أن يعثر على بعضهم جثثًا في مناطق متفرقة، وعليها آثار إطلاق نار من مسافات قريبة.
يقول أحد الشهود لـ “القدس العربي”، وهو نازح فضل عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية: “كنا نسمع إطلاق نار ليلًا، ثم نعرف في الصباح أن فلانًا أُخذ من خيمته ولم يعد. بعد يومين وجدوه مقتولًا قرب الأطراف الشرقية”.
ويضيف آخر لـ “القدس العربي”: “الناس هنا تعيش بين نارين؛ الخوف من الاحتلال، والخوف من هذه المجموعات التي تتصرف من دون أي رادع”.
وتعزز هذه الشهادات مخاوف متزايدة لدى السكان من تحول هذه الميليشيات إلى أداة لضبط المشهد الأمني بالقوة، وفرض واقع جديد قائم على الترهيب، في سياق ما تصفه فصائل فلسطينية بمحاولات “تفكيك النسيج الداخلي” للمجتمع في غزة.
إعدامات موثقة بالفيديو
وفي تطور هو الأخطر ضمن سلوك هذه المجموعات، تداول ناشطون ووسائل إعلام محلية، في 20 نيسان / أبريل، مقاطع مصورة نسبت إلى مجموعات يقودها حسام الأسطل، تظهر تنفيذ عمليات إعدام ميداني بحق عدد من الأشخاص في مناطق شرق خان يونس.
وحسب المقاطع المتداولة، التي قال ناشروها إنها بثت عبر حسابات مرتبطة بالأسطل على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر مسلحون وهم يطلقون النار على أشخاص بعد احتجازهم، في مشاهد أثارت حالة من الصدمة والغضب في أوساط السكان. ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من ملابسات هذه الحوادث أو هوية الضحايا، إلا أن توقيت نشرها تزامن مع التصعيد الميداني الذي سبق كمين 20 نيسان / أبريل.
ويقول أحد النازحين في المنطقة لـ “القدس العربي”، مفضلًا عدم الكشف عن اسمه: “الفيديوهات كانت مرعبة.. الناس شعرت أن هناك من يريد فرض واقع بالقوة داخل المخيمات، وليس فقط مواجهة الاحتلال”.
ويرى مراقبون أن نشر مثل هذه المقاطع يمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع، من اشتباك عسكري تقليدي إلى استخدام أدوات الترهيب العلني، بما يعمق حالة الفوضى ويهدد السلم الأهلي في المناطق المنكوبة.
إعادة تدوير الحرب
من جهته، يرى المحلل السياسي إياد جودة أن إسرائيل تعيد ترتيب أدواتها العسكرية؛ فبدلًا من المواجهة الشاملة، تعتمد على “الحروب المحدودة” والميليشيات لتثبيت واقع جديد على الأرض.
ويضيف في حديثه لـ “القدس العربي”: “الاحتلال لم ينهِ مشروعه العسكري في غزة، بل هو في مرحلة إعادة تدوير الأدوات وتجريف المسارات السياسية عبر الضغط الميداني”.
ويوضح: “إن استثمار إسرائيل في تشكيلات مسلحة محلية تحت غطاء الهدنة يهدف إلى خلق سلطة موازية تنال من شرعية إدارة القطاع وتستنزف المقاومة من الداخل، وهو ما يجعل أي تحرك ميداني لـ “حماس” اليوم ليس مجرد اشتباك، بل صراعًا على هوية من يدير الأرض ومن يملك قرار السلم والحرب”.
“الحرب لم تنتهِ”
في مخيمات النزوح المتهالكة، تجلس أم إبراهيم العرجا وسط أطفالها الذين يحاولون النوم في خيمة لا تحميهم من البرد أو الخوف. تقول بمرارة لـ “القدس العربي”: “كل ليلة أسمع دوي انفجار، ولا أدري أهو كمين للمقاومة، أم قصف للاحتلال، أم اشتباك مع الميليشيات؟”. وبالنسبة إلى أم إبراهيم، لم تعد مصطلحات “الهدنة” و”الحرب” تعني شيئًا، فالمقياس الوحيد لديها هو جروح أطفالها وخوفهم المكتوم: “يقولون الحرب انتهت.. ونحن نراها بأعيننا لم تنتهِ بعد”.
وفي فصل دراسي مكتظ في أحد مراكز الإيواء، يحاول المدرس سامر الحلو غرس بذور الأمل في نفوس أطفال يحملون أسماء ضحايا سابقين، محذرًا إياهم من أن هذه الهدنة ليست سلامًا، بل “فترة انتقالية محفوفة بالمخاطر”، قائلًا لهم: “أنتم تتعلمون من صوت المدفعية وطلقات الكمين كيف تكتبون أسماء أحيائكم على خارطة النزاع”.
وتطرح خان يونس اليوم سؤالًا مصيريًا: هل نعيش نهاية الحرب أم بداية حصار بأسماء جديدة؟ فبينما تتحدث إسرائيل عن “ردع”، وتتحدث “حماس” عن “حماية الهدنة”، يظل المواطن عالقًا في المنطقة الرمادية.
وفي نهاية اليوم، يعود أحمد بسؤاله المتكرر إلى والده: “هدنة أم حرب؟”. ينظر الأب نحو دوار “أبو حميد” القريب، حيث ما تزال آثار كمين 20 نيسان / أبريل شاهدة على زيف الهدوء، ويمسك يد ابنه بقوة قائلًا: “يا بني، نحن نعيش في واقع صاغوا له اسمًا جديدًا ليبقى الحصار قديمًا كما هو.. طائرة الاحتلال ما تزال فوق رؤوسنا، والميليشيات تحاول سرقة بيوتنا المهدومة. ما تراه ليس سلامًا، بل هو صوت الحرب حين تجبر على خفض نبرتها قليلًا، لتتركنا نعد شهداءنا في صمت”.
وبذلك يظل أحمد وأقرانه في خان يونس يترقبون السماء، لا للتأمل في النجوم، بل هربًا من مباغتة طائرة قد تحول “وقف إطلاق النار” إلى رماد في أي لحظة.

