غسيل الكلى بين الألم والإهمال… من ينقذهم؟

المسار : تنتظر ديالا في أروقة مجمع فلسطين الطبي في رام الله، حلول الساعة الثالثة، للدخول الى قسم غسيل الكلى، لبدء معركة تمتد لأكثر من 3 ساعات، لسحب السموم من جسدها في عملية غسيل الكلى التي تتكرر 3 مرات أسبوعيا.

لكن هذه المعركة التي تخوضها ديالا طه 37 عاما، منذ عام ونصف لم تعد كما كانت؛ بعد تقليص الممرضين مدة جلسة غسيل الكلى بنصف ساعة، وبعض الحالات المرضية ساعة زمن، وهو ما سيكون له تداعيات صحية على المرضى.

ديالا طه، مريضة كلى منذ نحو عام ونصف، تخضع لجلسات غسيل منتظمة، تعتمد عليها بشكل كامل للبقاء على قيد الحياة، قالت لوطن، إن لديها اليوم الأربعاء موعدًا لجلسة غسيل الكلى. والتي تم تقليص مدتها، بسبب الاضراب في المستشفى على خلفية نتيجة أزمة الرواتب التي انعكست على عمل الممرضين، ما يشكل خطرًا مباشرًا على حياتها وحياة جميع مرضى الكلى.

وقالت ديالا “جلسة غسيل الكلى تستغرق عادة ما بين ثلاث ساعات وثلاث ساعات ونصف، وقد تصل إلى أربع ساعات، تبعًا لنسبة السموم المتراكمة في جسم المريض، لكن تقليص مدة الجلسات، ولو بنصف ساعة أو ساعة، يؤثر سلبًا على كفاءة العلاج ويهدد صحة المرضى بشكل خطير.”

ورغم قسوة الواقع، لا تلوم ديالا الممرضين، بل ترى أنهم أيضًا ضحايا، مشيرة إلى أنهم يطالبون بحقوقهم في ظل عدم تلقيهم رواتبهم كاملة، وهو ما أثر على قدرتهم على الاستمرار في العمل، خاصة في ظل الأعباء المعيشية الصعبة، من قروض وفواتير والتزامات يومية، حيث لا يتبقى من رواتبهم ما يكفي لتأمين احتياجاتهم الأساسية. وتقول إن “الظلم يقع على الطرفين، الممرض والمريض على حد سواء”.

وتضيف أن تقليص ساعات الغسيل بدأ منذ يوم الاثنين الماضي بقرار من نقابة الممرضين، بواقع نصف ساعة لكل جلسة، وهو ما يفاقم معاناة المرضى، خاصة مع تراكم السموم في أجسامهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة قد تصل إلى حد تهديد الحياة.

ولفتت طه إلى أن جودة الغسيل تراجعت بشكل ملحوظ، مؤكدة أن “توقف الغسيل يعني توقف الحياة”، في ظل اعتماد مرضى الكلى الكامل على هذه الجلسات للتخلص من السموم، مشيرة إلى أن المرضى لا يستطيعون الضغط على الممرضين أو تحميلهم المسؤولية في ظل الظروف الصعبة التي يمرون بها.

ولا تقف المعاناة عند تقليص الوقت، إذ توضح ديالا أن وزارة الصحة لا توفر بشكل كافٍ الأدوية اللازمة لهم، مشيرة إلى حاجتها لدواء خاص بالغدة من نوع “ألفا”، إلى جانب معاناة المرضى من تعطل أجهزة الغسيل بشكل متكرر، ما يضطرهم أحيانًا للانتظار لساعات قبل بدء جلساتهم، مؤكدة أن الالتزام بالمواعيد أصبح نادرًا.

ورغم كل ذلك، تشيد طه بتعامل الممرضين الإنساني مع المرضى، مؤكدة أنه “لولاهم لما كان المرضى على قيد الحياة”، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى وجود نقص حاد في أعدادهم، إلى جانب نقص الأدوية وتعطل عدد كبير من الأجهزة التي تحتاج إلى صيانة عاجلة، واصفة الوضع العام بأنه “سيء من جميع النواحي”.

وتبيّن طه أنها تخضع لجلسات غسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعيًا منذ نحو عام ونصف، موضحة أنه في بداية العلاج كانت مدة الجلسة ثلاث ساعات، إلا أن ارتفاع نسبة السموم في الجسم مع مرور الوقت أدى إلى زيادة مدة الجلسة إلى ثلاث ساعات ونصف، بل إن بعض المرضى يحتاجون إلى أربع ساعات كاملة.

وتشير إلى أن عدد مرضى غسيل الكلى في ازدياد مستمر، حيث كان عددهم عند بدء علاجها نحو 300 مريض، بينما يصل اليوم إلى حوالي 400 مريض من مختلف الفئات العمرية، دون أن يقابل ذلك زيادة في عدد الممرضين، ما أدى إلى ضغط كبير على الكوادر الطبية حتى قبل تقليص ساعات العمل.

وأوضحت أن قسم غسيل الكلى يتكون من قسمين، يضم القسم العلوي 28 جهاز غسيل، بينما يحتوي القسم السفلي على 20 جهازًا، ما يعني أن 48 مريضًا يتلقون العلاج في كل “شفت”، وهو ما يعكس حجم الضغط على الإمكانيات المتاحة.
وأكدت طه أن المرضى بدأوا، منذ بدء تقليص مدة الجلسات، بالتحرك والتواصل مع وسائل الإعلام لطرح قضيتهم، لافتة إلى أن معاناتهم لم تبدأ مع قرار التقليص، بل سبقتها مشكلات تتعلق بتعطل الأجهزة، داعية إلى التبرع لصيانة الأجهزة وتوفير قطع الغيار اللازمة.

ديالا، ومعها مئات المرضى، يعيشون في مواجهة يومية مع المرض والوقت والإمكانات المحدودة، وهنا لا يُقاس الزمن بالدقائق، بل بقدرة الجسد على الاحتمال، وبالحق في العلاج وبأملٍ لا يزال ينتظر من يستجيب.

ودخلت الطواقم الطبية في كافة المشافي الحكومية اليوم الأربعاء في إضراب شامل، مع الاكتفاء بالتعامل مع حالات إنقاذ الحياة فقط، وذلك احتجاجاً على عدم انتظام الحكومة في صرف الرواتب، والاكتفاء مؤخراً بصرف دفعة بقيمة 2000 شيكل لجميع الموظفين.
وكانت نقابات ومكونات القطاع الصحي قد أعلنت سابقا عن تنفيذ سلسلة خطوات تصعيدية، احتجاجًا على تدهور الأوضاع المعيشية للعاملين في القطاع، مؤكدة أن الإجراءات تأتي ضمن برنامج متدرّج قابل للتوسع.

وجاء في بيان النقابات أن طيفًا واسعًا من الكوادر الصحية يشارك في هذه الخطوات، من بينهم التمريض والقبالة، والطب المخبري، ومساعدو الصيادلة، وفنيو التخدير، وأخصائيو العلاج بمختلف تخصصاته، إضافة إلى العاملين في خدمات الإسعاف والطوارئ والتثقيف الصحي والخدمة الاجتماعية.
وأشارت النقابات إلى أن أقسام الطوارئ ستواصل العمل للحالات الطارئة فقط، مع وقف استقبال الحالات غير الطارئة، وتعليق العمليات المجدولة، وإغلاق العيادات الخارجية ضمن خطوات الضغط التصعيدية.
وفي المقابل، أكد استمرار عمل أقسام غسيل الكلى وعلاج مرضى السرطان وأمراض الدم، مراعاة للحالات الحرجة والإنسانية، رغم ما يعتريها من تحديات.

Share This Article