| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي INSS 27/4/2026
أزمة حادة في مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة
بقلم: أفيشاي بن ساسون – غوردس وتيد ساسون
يتضح تدهور وضع إسرائيل في الرأي العام الأمريكي من خلال استطلاعات الرأي التي تكشف عن رأي عام سلبي بين فئات ناقدة، بما في ذلك الجمهوريون الشباب والإنجيليون، والديمقراطيون من جميع الأعمار. ويصاحب هذا التصور السلبي لإسرائيل خطاب إعلامي نقدي (خاصةً فيما يتعلق بدور إسرائيل في الحرب مع إيران)، وتحركات في الكونغرس لربط المساعدات المقدمة لإسرائيل بشروط، وتعاظم الموقف السلبي من أنشطة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن.
ما لم يطرأ تغيير جذري على التوجهات الحالية، التي تستمد قوتها أيضاً من أفعال إسرائيل وسياساتها (إلى جانب استمرار التوجهات والظواهر المعادية للسامية)، ستجد إسرائيل نفسها قريباً بلا سندٍ من أي حزب. ويشمل ذلك الجماهير المستهدفة الرئيسية للسياسة الإسرائيلية خلال العقد الماضي، وهم الجمهوريون والمسيحيون الإنجيليون. وتتفاقم هذه الصعوبة بفعل توجهات الرأي العام بين اليهود الأمريكيين والنفوذ السياسي للمجتمع اليهودي الراسخ. وقد يؤدي أي سعي إسرائيلي لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية بدعم من الإدارة الحالية، بدوره، إلى تسريع ترسيخ التوجهات السلبية الحالية.
لقد كان أحد أسس العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة على مدى العقود القليلة الماضية هو التعاطف الذي شعر به الكثيرون في الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل، والذي تُرجم إلى دعم شبه مطلق من النظام السياسي الأمريكي. ولزمن طويل، كان هذا الدعم مستقرًا، ويعود الفضل في ذلك جزئيًا إلى ازدياد الدعم الجمهوري الذي عوّض التراجع بين الديمقراطيين. ومنذ بداية الحرب في قطاع غزة، شهدت مؤشرات الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل اتجاهًا تنازليًا. وقد تسارع هذا التراجع خلال حملة “زئير الأسد” ضد إيران. وهكذا، إلى جانب التعاون العملياتي غير المسبوق بين الجيشين الإسرائيلي والأمريكي، يبدو أن الضرر الذي لحق بمكانة إسرائيل قد تفاقم، مما أعطى انطباعًا بأنها جرّت الولايات المتحدة إلى حرب لا تخدم المصالح الأمريكية في نظر الكثيرين، وتُسبب استياءً لدى الرأي العام الأمريكي.
انهيار مكانة إسرائيل في الرأي العام الأمريكي
لقد أظهرت استطلاعات الرأي العام منذ فترة تراجعًا في مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة، لا سيما بين الديمقراطيين والشباب من مختلف الفئات. يُشير قادة الرأي الديمقراطيون إلى معارضة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العلنية للاتفاق النووي مع إيران، الذي وقّعه الرئيس باراك أوباما عام 2015، كنقطة حاسمة في هذه العملية. ومنذ هجوم حماس واندلاع الحرب في قطاع غزة، تسارع هذا التوجه، وهو الآن على أعتاب منعطف حاسم.
وأظهر استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث، في خضم الحملة الحالية في إيران، أن 60 في المئة من الشعب الأمريكي ينظر إلى إسرائيل نظرة سلبية أو سلبية للغاية. ويُقارن هذا بـ 53 في المئة ممن أعربوا عن رأي سلبي مماثل في استطلاع بيو لعام 2025، و42 في المئة في عام 2022 .
قي مقارنة دولية، يظهر الاستطلاع أن إسرائيل يُنظر إليها بشكل مشابه للدول المعادية للولايات المتحدة، بما في ذلك روسيا وإيران والصين، وبشكل سلبي أكثر من المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر.
يُسلط تحليل البيانات حسب الفئة العمرية الضوء على عمق التغير في الرأي العام. تُظهر البيانات المنشورة هنا لأول مرة بالتعاون مع مركز بيو للأبحاث أن 75 في المئة من المشاركين في الاستطلاع ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا يحملون رأيًا سلبيًا أو سلبيًا للغاية تجاه إسرائيل، مقارنةً بـ 67 في المئة ممن تتراوح أعمارهم بين 30 و49 عامًا. أما بين من يُعرّفون أنفسهم كديمقراطيين أو يميلون إلى الحزب الديمقراطي، فإن 85 في المئة من الفئة العمرية 18-29 عامًا يحملون رأيًا سلبيًا، و83 في المئة من الفئة العمرية 30-49 عامًا. في المقابل، بين الجمهوريين ومن يميلون إلى الحزب الجمهوري ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، يحمل 64 في المئة منهم رأيًا سلبيًا تجاه إسرائيل، مقارنةً بـ 52 في المئة من الفئة العمرية 30-49 عامًا. على الرغم من رصد تراجع مكانة إسرائيل بين الجمهوريين دون سن الخمسين في استطلاعات سابقة، إلا أن هذه الاستطلاعات، بما فيها استطلاع بيو لعام 2025، لم تُظهر أغلبية من الجمهوريين الشباب يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل. لكن هذا الوضع قد تغير الآن.
حتى عند تحليل البيانات حسب الانتماء الديني، يظهر تراجعٌ ملحوظٌ في نظرة الشباب تجاه إسرائيل. فـ 50 في المئة من الإنجيليين البيض دون سن الخمسين ينظرون إليها نظرةً سلبية، مقارنةً بـ 47 في المئة ممن ينظرون إليها نظرةً إيجابية في هذه الفئة العمرية. كما أن 74 في المئة من الشباب الكاثوليك ينظرون إلى إسرائيل نظرةً سلبية، مقابل 22 في المئة ممن ينظرون إليها نظرةً إيجابية. أما بين غير المنتسبين لأي دين، فإن 80 في المئة ممن تقل أعمارهم عن 50 عامًا ينظرون إلى إسرائيل نظرةً سلبية، و18 في المئة ينظرون إليها نظرةً إيجابية.
ونظراً للقيود الإحصائية الناجمة عن حجم العينة، لا يمكن تقسيم المجموعات الدينية الفرعية بتفصيل أكبر حسب العمر. في الوقت نفسه، لو فحصنا الإنجيليين دون سن الثلاثين، لوجدنا على الأرجح أنهم يشكلون عبئاً سلبياً على دعم إسرائيل ضمن هذه الفئة. ويتماشى هذا مع بيانات نُشرت مؤخراً تشير إلى تراجع، وإن كان أقل حدة، في موقف هذه الفئة.
تكتسب هذه البيانات أهمية بالغة، إذ اختار قادة صنع القرار الأمريكي بشأن إسرائيل، على مدى عقد على الأقل، تركيز جهودهم الدبلوماسية العامة على الجمهور الجمهوري، ولا سيما الإنجيليين. ويستند هذا إلى الاعتقاد بأن العدد الكبير للإنجيليين، ودعمهم الديني لإسرائيل، وارتباطهم بالحزب الجمهوري – الذي يُنظر إليه على أنه ركيزة أكثر استقراراً للعلاقة مع الحكومة الإسرائيلية – يجعلهم الجمهور المستهدف الرئيسي للاستثمار فيه. مع ذلك، تشير بيانات الرأي العام المعروضة هنا إلى أن هذه الاستراتيجية، التي ساهمت في توطيد العلاقة مع إدارة ترامب (وأضرت، من جهة أخرى، بالعلاقة مع الحزب الديمقراطي وأنصاره)، قد بلغت حدودها القصوى.
في الوقت نفسه، ورغم أن المجتمع الكاثوليكي لا يُعتبر تقليديًا محوريًا في دعم إسرائيل، فإن تزايد أهمية شخصيات كاثوليكية محافظة بارزة، مثل نائب الرئيس جيه. دي. فانس، بين نخب اليمين الأمريكي الجديد، يُعزز من مكانته. ورغم أن البيانات لا تُقدم مؤشرًا واضحًا على نظرة الكاثوليك المحافظين لإسرائيل، إلا أنها تُشير إلى ضرورة تعميق تحليل هذه القضية وفهمها.
من منظور المجتمع اليهودي
يتفاقم تدهور صورة إسرائيل في الرأي العام الأمريكي بفعل التغيرات التي طرأت داخل المجتمع اليهودي. فالمجتمع المنظم، الذي كان يُشكل سابقًا ركيزة أساسية لدعم إسرائيل، يفقد تدريجيًا نفوذه السياسي. علاوة على ذلك، يسود استياء عميق بين اليهود، ولا سيما بين الشباب، من سياسات الحكومة في إسرائيل، مما يُؤدي إلى تبني مواقف أكثر سلبية تجاه إسرائيل وسياساتها.
وأظهر استطلاعان للرأي العام بين اليهود الأمريكيين – وهما الأولان منذ اندلاع الحرب الإيرانية – معارضة واسعة النطاق للحملة المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. فقد أظهر الاستطلاع الأول، الذي أجرته مجموعة ميلمان لصالح معهد الناخبين اليهود غير الحزبي، أن 55 في المئة من الناخبين اليهود يعارضون العمل العسكري. أما الاستطلاع الثاني، الذي أجرته مجموعة GBAO لصالح منظمة J Street الليبرالية، فقد أظهر أن 60 في المئة يعارضون الحرب. وقد أُجري كلا الاستطلاعين بين الناخبين اليهود خلال النصف الثاني من شهر آذار.
وبشكل عام، تتشابه مواقف اليهود الأمريكيين تجاه الحرب إلى حد كبير مع مواقف عامة الشعب الأمريكي، الذي يُعرب في معظم استطلاعات الرأي عن معارضته للحرب بدرجة مماثلة. كما تتشابه الفجوات الحزبية إلى حد كبير. فعلى سبيل المثال، في استطلاع ميلمان، أيد 83 في المئة من الجمهوريين اليهود الحملة، بينما عارضها 74 في المئة من الديمقراطيين اليهود.
وبينما تتأثر المواقف بالولاءات الحزبية، فإنها تعكس أيضاً اعتبارات استراتيجية ومخاوف من ردود فعل معادية للسامية. في استطلاع رأي أجرته منظمة GBAO، أشار 63 في المئة من المشاركين اليهود إلى أن “الدبلوماسية والعقوبات” هما أنجع السبل للتعامل مع التهديد الإيراني، مقارنةً بـ 37 في المئة ممن أيدوا العمل العسكري. وفي استطلاع ميلمان، قال 54 في المئة من المشاركين اليهود إن الحرب من المرجح أن تثير “مخاوف بشأن دور إسرائيل واليهود الأمريكيين في السياسة الخارجية الأمريكية”.
ويشير استطلاع GBAO تحديدًا إلى تراجع مستمر في مواقف اليهود الأمريكيين تجاه إسرائيل، وهي عملية بدأت خلال السنة الثانية من حرب غزة. ورداً على سؤال شائع في استطلاعات الرأي، قال 30 في المئة من المشاركين اليهود إن تعاطفهم في صراع الشرق الأوسط يميل أكثر إلى الفلسطينيين منه إلى الإسرائيليين، وهي نسبة كانت أعلى بين الفئات العمرية الأصغر.
كما انقسم الناخبون اليهود حول مسألة المساعدات المالية والعسكرية الأمريكية لإسرائيل: 31 في المئة أيدوا المساعدات “بدون شروط”، و44 في المئة أيدوا المساعدات “فقط إذا التزمت إسرائيل بالقانون الأمريكي”، و26 في المئة عارضوا أي مساعدات.
مؤشرات مقلقة لا تقتصر على استطلاعات الرأي فقط
في الحزب الديمقراطي، يتصاعد الخطاب النقدي حول المساعدات العسكرية لإسرائيل. ففي 15 نيسان، صوّت 40 من أصل 47 عضوًا ديمقراطيًا في مجلس الشيوخ لصالح تشريع يمنع بيع الجرافات لإسرائيل، بينما أيّد 37 عضوًا منع تصدير قنابل نصف طن (لكن التشريع لم يُقرّ). وقد حظيت تصويتات سابقة مماثلة بتأييد أقل بين الديمقراطيين. هذه المرة، انضمّ أعضاء يهود في مجلس الشيوخ، ومن يُعتبرون من مؤيدي إسرائيل، إلى التصويت، مثل أليسا سلوتكين من ميشيغان، التي أوضحت أنها أيّدت الاقتراح لأنها تُفرّق بين دعم إسرائيل ودعم حكومتها، ولأنها تُعارض “حرب الاختيار” التي أعلنها ترامب ضد إيران، فقد اختارت معارضة نقل هذه المساعدات. كما أوضحت أنها ستؤيد في المستقبل نقل الأسلحة الدفاعية إلى إسرائيل، لكنها ستنظر في عروض المساعدات الأخرى من حيث جوهرها.
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، المقرر إجراؤها في تشرين الثاني، وانتهاء مذكرة التفاهم الحالية بين البلدين في عام 2028، ستتعالى الأصوات المؤيدة لإنهاء المساعدات المباشرة. فعلى سبيل المثال، تعهدت عضو مجلس النواب البارزة، ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز (AOC)، التي سبق لها أن أعربت عن دعمها لتمويل أنظمة أسلحة دفاعية معينة لإسرائيل، بمعارضة تمويل الولايات المتحدة لأي مساعدات أمنية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي، وأعربت عن توقعها بأن تمول إسرائيل عملية شرائها بنفسها. وشددت على أنها ستضمن استخدام إسرائيل للأنظمة التي تشتريها وفقًا للقانون الأمريكي، ردًا على الانتقادات الموجهة لإدارة بايدن في الولايات المتحدة لامتناعها عن تقييد المساعدات لإسرائيل رغم وجود أدلة على انتهاكات للتشريعات المصممة لضمان عدم استخدام الأسلحة الأمريكية في انتهاك حقوق الإنسان. وفي مؤشر على تزايد شرعية هذا الموقف داخل الحزب الديمقراطي، دعت جماعة الضغط الليبرالية المؤيدة لإسرائيل، جيه ستريت، إلى سياسة مساعدات بهذه الروح.
ترافقت الدعوات إلى فرض قيود على المساعدات المقدمة لإسرائيل مع تزايد الانتقادات الموجهة من قبل مسؤولي الحزب الديمقراطي والليبراليين في الرأي العام الأمريكي لتورط جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل، إيباك، في النظام السياسي. وبالتالي، يبدو أن تاريخ الارتباط بهذه الجماعة وتلقي التمويل منها، والذي كان يُعتبر في السابق ميزة، أصبح في العديد من الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، خطوة تستدعي التفسير.
من جهة أخرى، وبعد أشهر من الاضطرابات التي سادت بسبب دعم إسرائيل بين شخصيات بارزة في وسائل الإعلام المحافظة الأمريكية، أدت الحرب في إيران إلى مواجهات علنية حول هذه القضية بين الرئيس ترامب وبعض أشد مؤيديه صراحةً. وأبرز مثال على ذلك هو مقدم البرامج الحوارية تاكر كارلسون، الذي دأب لفترة على التعبير عن مواقف معادية لإسرائيل، بل ومعادية للسامية، ومنح منصة لشخصيات عنصرية ومعادية للسامية. وقد هاجم كارلسون، إلى جانب مقدمي برامج بودكاست آخرين وشخصيات إعلامية بارزة، قرار ترامب بشن الحرب، زاعمين أنها تخدم إسرائيل لا الولايات المتحدة. ودفعت الهجمات المتواصلة من هذا الجناح ترامب إلى مهاجمة كارلسون ومعارضين آخرين للحرب، والذين عبّر كثير منهم عن مواقف معادية لإسرائيل، لكن هؤلاء لم يتراجعوا. وفي حركة سياسية تتسم بمركزية ترامب الشخصية، فإن حقيقة أن تدخله لم يُسكت الانتقادات الموجهة لإسرائيل ومؤيديها في النظام السياسي الأمريكي قد تشير إلى شرعية هذه المواقف، على الأقل بين النخب الجمهورية وجمهور المستمعين والمتابعين لمن يتبنونها.
خلفية التغيير وآثاره المتبادلة
يعود تضرر مكانة إسرائيل جزئيًا إلى اتجاهات طويلة الأمد وتغيرات تكنولوجية ساهمت في تضخيم الأكاذيب، بل ونشرها أحيانًا، حول ما يجري في قطاع غزة ومناطق القتال الإسرائيلية الأخرى. هذا بالإضافة إلى تطور منصات تتيح انتشارًا أوسع للخطاب المعادي للسامية والصهيونية. ومع ذلك، يتغذى هذا الخطاب أيضًا على الطريقة التي اختارتها إسرائيل لخوض الحرب في غزة ولبنان وإيران، وعلى عنف المستوطنين في الضفة الغربية، فضلًا عن النظرة السائدة لتدخل إسرائيل في السياسة الأمريكية الداخلية. في السياق الراهن، ساهمت صورة إسرائيل كطرف جرّ الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، مما أدى إلى زعزعة النظام الدولي واضطراب الحياة الداخلية في الولايات المتحدة نفسها، ويسعى إلى إطالة أمد التدخل الأمريكي في القتال، في التراجع الحاد لمكانة إسرائيل. يبدو أن خلفية هذا الوضع تعود إلى مزيج من الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمدنيين الفلسطينيين جراء القتال الإسرائيلي، وتصريحات مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى أبدوا لامبالاة تجاه هذه الأضرار، فضلاً عن حملات متعمدة وتطورات تكنولوجية.
من المهم التأكيد على أن المنظور الأمريكي الداخلي لا يمثل سوى جزء من الصورة الكاملة للوضع. فخلال الحرب ضد إيران، أظهرت إسرائيل قدرتها على التعاون العسكري مع الولايات المتحدة على نطاق قلّما تستطيعه دول أخرى، كما برهنت على أداء عملياتي استثنائي. وقد يُسهم كسر المحظور المتعلق بالاستخدام العلني للقوة الأمريكية في الشرق الأوسط بالتعاون مع إسرائيل وأراضيها في تعزيز موقف إسرائيل فيما يتعلق بمستقبل العلاقات الأمنية بين البلدين. مع ذلك، فإنه كلما ازدادت النظرة إلى إسرائيل على أنها عرقلت إنهاء الحرب من خلال أعمالها في إيران أو لبنان، ازدادت الانتقادات الموجهة إليها في الساحة الأمريكية الداخلية.
الآثار المترتبة
تُشير التطورات الأخيرة في مكانة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي إلى ظهور تهديد خطير لأحد ركائز الأمن القومي الإسرائيلي. تُضاف هذه البيانات إلى سلسلة من الدراسات الاستقصائية التي أُجريت في السنوات الأخيرة، والتي تُشير إلى أنه لا توجد حاليًا أي فئة من الشباب في الولايات المتحدة تنظر إلى إسرائيل نظرة إيجابية، بل إن صورة سلبية عن إسرائيل تترسخ حتى بين كبار السن.
ورغم أن انتهاء الحرب قد يُحسّن الوضع إلى حد ما، إلا أن استمرار هذا التوجه قد يُؤدي على المدى القريب إلى واقع لا تتمتع فيه إسرائيل بقاعدة سياسية مستقرة لدى أي من الأحزاب. وهناك ما يدعو إلى الخوف من أن إسرائيل تشهد حاليًا ظهور وضع جديد جذريًا، حيث يُنظر إليها بشكل مختلف عما كانت عليه في الماضي. وحتى مع حدوث بعض التحسن في الوضع، فإن أدنى مستوى مُنخفض حاليًا يُؤكد عمليًا أن الدعم لإسرائيل لن يعود إلى مستواه السابق.
وبناءً على ذلك، فبدون تغيير في سياسة الحكومة الإسرائيلية، من المُرجح أن تترسخ الصورة السلبية عن إسرائيل، وأن يستقر مستوى الدعم لها عند مستوى أقل بكثير مما كان عليه في العقود الماضية. ولأن هذا التوجه واضح ليس فقط بين الديمقراطيين بل في كلا الحزبين، فإن الحلول التي اعتمدت عليها إسرائيل في الماضي قد لا تُجدي نفعًا إلا جزئيًا. فعلى سبيل المثال، حتى لو تمكن الحزب الجمهوري من الحفاظ على أغلبيته في مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقرر إجراؤها في تشرين الثاني، فمن المشكوك فيه ما إذا كان سيُضمن لإسرائيل مظلة الحماية التي اعتادت عليها.
ومع ذلك، فإن محاولة استنفاد دعم الإدارة الحالية لإسرائيل – على سبيل المثال، من خلال السعي لتحقيق أهداف قصوى في جميع جبهات الحرب، وتوسيع نطاقها إذا لم تتحقق – قد يُحبط أي فرصة لاستعادة مكانة إسرائيل في المستقبل. وذلك لأنه سيعزز الصورة النمطية السائدة عن إسرائيل باعتبارها تُحرك السياسة الأمريكية، وأحيانًا ضد المصالح الأمريكية، وسيزيد من شعور العديد من الأمريكيين بالنفور من إسرائيل. لذلك، فإن افتراض أن النظام السياسي الأمريكي محكوم عليه بالانقلاب على إسرائيل، بغض النظر عن تصرفات إسرائيل، قد يتحول إلى نبوءة تتحقق ذاتيًا.
——————————————
هآرتس 27/4/2026
العقوبات ستصل الينا جميعا
بقلم: اوري بار يوسف
ان استعارة القطارين اللذين يسيران بسرعة مقابل بعضهما نحو تصادم حتمي، هي استعارة مالوفة، ولا توجد طريقة لوصف دولة اسرائيل اليوم الا بهذه الاستعارة. في مقطورة احد القطارين تقف الحكومة، التي تنفذ بالتعاون مع الجيش والشرطة والشباك، وبمساعدة المشاغبين في التلال، سياسة التجريد من الممتلكات وضم الاراضي في الضفة الغربية، لا سيما في مناطق ج، ولكن ايضا في مناطق ب.
يشمل ذلك الاستيلاء على مئات آلاف الدونمات، اقامة مئات البؤر الاستيطانية، توسيع المستوطنات، الاستيلاء على الاراضي واستثمار اموال كثيرة في البنى التحتية لليهود فقط. كل ذلك مصحوب بخنق اقتصادي للفلسطينيين في الحواجز والجدران وتجميد اموال السلطة الفلسطينية وحظر العمل في اسرائيل. المسافرون في المقطورات الخلفية، وهم مواطنون اسرائيليون، تقريبا يغفلون عما يحدث على ارض الواقع، بعضهم يشعرون بالاشمئزاز من تصرفات المشاغبين، وآخرون يعتبرونهم ابطال. اهتمامهم الرئيسي هو الصمود بعد ثلاث سنوات من الحرب تقريبا.
في المقطورة الثانية القوة المحركة هي الشعور باليأس من قبل المسافرين، وهو جمهور واسع في اوروبا وفي الولايات المتحدة، الذين لم يعودوا مستعدين لقبول وضع تنتهك فيه اسرائيل الاعراف الدولية وترتكب مذابح جماعية ضد المدنيين وتخالف التزاماتها، وتشعل الحرب التي يشعرون بتكلفتها الاقتصادية بشكل جيد. السائق الامريكي الذي يجلس في القطار معروف كبطل عالمي في قيادة القطارات على سكك الحديد المتعرجة وقدرته على اتخاذ قرارات مصيرية بتغريدة واسعة. أما السائقون المساعدون، الاوروبيون، هم اكثر مسؤولية وحذر، ولكنهم يشعرون بالضغط الشعبي ويعتقدون ايضا ان اسرائيل قد تجاوزت الحدود.
دائما تمتعت اسرائيل بسمعة دولية مرموقة لسنوات كثيرة. ويعتمد تفوقها العسكري في المنطقة بدرجة كبيرة على المساعدات العسكرية الامريكية المستمرة، التي بلغت حتى الان حوالي 300 مليار دولار، بعد تعديلها وفقا للتضخم. لم تحصل أي دولة في العالم على مساعدات بهذا الحجم منذ العام 1945. وقد تم تقديم هذه المساعدات لاسرائيل، ضمن امور اخرى، بفضل الدعم الشعبي الامريكي من قبل الحزبين.
اليوم يتلاشى هذا الدعم. الاستطلاعات في الولايات المتحدة تظهر تراجع مستمر للتعاطف مع اسرائيل. وينقسم الراي العام الان بين دعم الصين ودعم تركيا. فقد أيد 40 من بين الـ 47 عضو ديمقراطي في مجلس الشيوخ مؤخرا اقتراح في المجلس لحظر بيع الجرافات لاسرائيل، وذلك قبل مشاهدة ابراهام زرفيف وهو يشعل شعلة التكريم لدولة اسرائيل. وصوت عدد اكبر من أي وقت مضى من اعضاء مجلس الشيوخ لصالح اقتراح حظر بيع انواع من السلاح لاسرائيل.
ما زالت الولايات المتحدة تلتزم بحل الدولتين، وقد اوضح دونالد ترامب ايضا معارضته لضم الاراضي. ولن يمر استخفاف الحكومة الاسرائيلية بالرأي العام الامريكي بشان عملية الضم وما تشجع عليه من تجاوزات، بدون رد. وهذا الرد سيجعلها ضعيفة عسكريا ومعزولة سياسيا.
كانت دول الاتحاد الاوروبي، على رأسها المانيا، تشعر بالالتزام باسرائيل بسبب تاريخها المؤلم وذكرى الكارثة. عرفت اسرائيل كيفية تحويل هذا الشعور بالذنب الى مكاسب ملموسة عززت امنها واقتصادها ومكانتها الدولية. ولكن حتى هنا يوجد تراجع ملحوظ في الدعم، ويتضح ذلك في اسبانيا، هولندا، ايرلندا والمانيا. وهذا امر يثير القلق بشكل خاص، لان الجيل الذي نشأ في اوروبا وهو يؤيد اسرائيل آخذ في التضاؤل. فالشباب هناك يشعرون بالاشمئزاز من سياسة الاحتلال والتمييز ضد العرب.
لم يتجسد هذا التراجع بعد في السياسة. فقد عبر المستشار الالماني فريدريك ميرتس عن ذلك بوضوح عندما حذر في تشرين الاول 2025 من ان بلاده ستنسحب من مسابقة الاوروفزيون اذا لم يتم السماح لاسرائيل بالمشاركة فيها. يتوقع ان يزداد السخط الشعبي عندما سيتبين ان اعمال الشغب في المناطق الفلسطينية ليس نتيجة تصرفات عفوية للمشاغبين على قمم الجبال، بل هي سياسة حكومية منظمة تهدف الى القضاء على أي فرصة لاقامة الدولة الفلسطينية. وستتم ترجمة هذا السخط ايضا الى خطوات ملموسة، لا سيما بعد ازالة العائق الاهم الذي كان يحول دون ذلك، وهو المجر في عهد فيكتور اوربان.
من المرجح ان يبدأ ذلك بتوسيع العقوبات الشخصية مثلما حدث بالفعل مع المشاغبين مثل باروخ مارزيل وبنتز غوفشتاين وموشيه شربيت، وسيركز في البداية على المستوطنين. ولكن في ظل سياسة الظالمة للحكومة فانه يتوقع توسيع العقوبات، وأن يشعر بها في نهاية المطاف كل مواطن اسرائيلي. ولن يقتصر الطلب الاساسي على وقف فرض الظلم على الارض فقط، بل سيتعداه الى اعادة الوضع الى ما كان عليه في السابق.
نحن نأمل ان يتحقق ذلك في ظل بقاء حكومة بنيامين نتنياهو في السلطة، التي ستضطر الى مواجهة هذا الضغط. لانه اذا ما تم استخدام الضغط على الحكومة التي سيتم تشكيلها بعد الانتخابات، ولم تكن برئاسة بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير، فانه يتوقع ان تواجه اسرائيل مشكلة صعبة، حيث لا يمكن التنبؤ حول كيفية تعامل القادة في الميدان – مثال على ذلك العقيد جلعاد شريكي، قائد لواء الغور، الذي على سيارته العسكرية الصق شعار ارض اسرائيل الكاملة ونجمة داود – مع أمر لتدمير موقع معين في المناطق التي يشرفون عليها. ان ازمة الدستور التي تعيش فيها اسرائيل الان ستتقزم امام الازمة التي قد تنشأ حينها.
——————————————
هآرتس 27/4/2026،
عدد الجنود المنتحرين ازداد هذا الشهر، الدعم النفسي في الجيش تقلص
بقلم: توم لفنسون
علمت صحيفة “هآرتس” أن عشرة جنود على الاقل من جنود الخدمة الفعلية انتحروا منذ بداية السنة، ستة منهم في هذا الشهر. ايضا قام ثلاثة جنود آخرين، كانوا يخدمون في الاحتياط خلال الحرب، بالانتحار في هذا الشهر عندما لم يكونوا في الخدمة الفعلية. وانتحر ايضا اثنان من ضباط الشرطة، واحد منهما جندي في حرس الحدود، في هذا الشهر. وتشير المعطيات الى زيادة في عدد حالات الانتحار في المؤسسة الامنية، وهو توجه بدأ عند اندلاع الحرب في 7 اكتوبر. واشارت مصادر في الجيش الى صعوبة اتخاذ خطوات فعالة للحد من هذه الظاهرة، خاصة في الحالات التي لا يتوجه فيها الجنود الذين يعانون من مشكلات نفسية الى تلقي العلاج.
وقال ضابط كبير في ادارة شؤون الافراد مؤخرا: “في بداية الحرب اعتقدنا اننا نسيطر على الوضع، لكن الامور انقلبت ضدنا”. ونسب عدد من الضباط في الادارة ارتفاع عدد حالات الانتحار في هذا الشهر الى احداث يوم الذكرى والقلق الواسع بشان الفقدان والفجيعة. واوضح خبراء الصحة النفسية الذين تحدثوا مع “هآرتس” ان هذه الظاهرة لم تشهد في السنوات الاخيرة زيادة ملحوظة في عدد حالات الانتحار خلال هذه الفترة. واضاف احدهم: “قد يكون لهذه الاحداث تاثير، لكن لا يمكن الجزم بذلك”. وحسب ضباط في ادارة شؤون الافراد فان استمرار القتال الذي يثقل على كاهل عدد قليل نسبيا من العسكريين، يؤثر ايضا على حالتهم النفسية ويزيد من حالات الانتحار.
وقدم نشطاء معنيون بعلاج المصابين بمشكلات نفسية من ذوي الخلفية العسكرية تفسير آخر محتمل لهذه الظاهرة، في حديثهم مع “هآرتس”. فحسب اقوالهم هناك انخفاض في حجم الدعم النفسي الذي يقدمه الجيش الاسرائيلي لجنوده، خلافا لما تنشره منشورات الجيش الرسمية. ففي شهر شباط الماضي قرر الجيش الاسرائيلي الغاء ايام التاهيل النفسي لجنود الاحتياط، التي كانت تعقد قبل عودتهم الى الحياة المدنية. وبعد الحرب في ايران وزيادة ميزانية الدفاع تقرر استئناف التاهيل النفسي، لكن بالتدريج. وعرفت “هآرتس” أن جنود يخدمون على الحدود الشمالية وفي الضفة الغربية تم تسريحهم في الاسابيع الاخيرة بدون حتى مقابلة اخصائي. وقال احدهم: “من غير المسؤول على الاطلاق اعادتنا الى البيت بهذه الطريقة. هم ينفقون مليارات على التسليح والاسلحة الاعتراضية، وبالتحديد على هذا الامر يريدون التوفير؟”.
قال عدد من مسؤولي الصحة النفسية في قوات الاحتياط انهم يعتقدون انه حتى ايام العلاج النفسي لا تقدم حل كاف للجنود، الذين خدم بعضهم مئات الايام في الحرب. واوضح احدهم: “في نهاية المطاف هذا مجرد لقاء لبضع ساعات، وفي معظم الحالات لا يقوم به اخصائي نفسي سريري. هذه بداية ولكنها غير كافية. فهي تشبه بوضع ضمادة على شريان رئيسي ينزف”. وقد قررت بعض وحدات النخبة عقد جلسات علاج نفسي مطولة ممولة من التبرعات.
وافاد جنود ايضا عن انخفاض عدد ضباط الصحة النفسية في الميدان، وشهد كثيرون منهم بانهم لم يلتقوا معهم بعد ان مروا باحداث تسببت باصابات في جنوب لبنان. بل الجيش استمر في تجنيد المصابين بمشكلات نفسية خلال الحرب، بعد قبولهم في وزارة الدفاع بسبب حالتهم النفسية، بدون اجتياز الفحص الطبي من اجل تحديد نسبة الاعاقة. وتم التجنيد بدون أي فحص مستوى لياقتهم للخدمة. وفي حالات كثيرة، كما نشر في “هآرتس”، ضغط القادة على الجنود من اجل الامتثال للخدمة، وحتى انهم هددوهم بالاعتقال. وخلال الحرب شهد عشرات الجنود في الخدمة النظامية بان القادة حرموهم من العلاج النفسي. وحسب الشهادات فعل بعضهم ذلك بسبب النقص المتزايد في القوة العاملة في الالوية القتالية، الامر الذي صعب عليهم اداء المهمات، في حين فعل آخرون ذلك بسبب مفاهيم قديمة حول الصحة النفسية.
في الواقع تظهر المعطيات ان هناك ما يدعو الى القلق. ففي العقد الذي سبق احداث 7 اكتوبر، بلغ متوسط عدد حالات الانتحار في الجيش 12 حالة في السنة، ومنذ ذلك الحين ازداد عدد حالات الانتحار. وتظهر البيانات بانه في الفترة منذ 7 تشرين الاول 2023 وحتى نهاية تلك السنة انتحر سبعة جنود في الخدمة الفعلية، وفي 2024 قام 21 جندي بالانتحار، وفي السنة الماضية وصل عدد حالات الانتحار الى 22 حالة – وهو اعلى رقم في الـ 15 سنة الاخيرة.
مع ذلك، لا تقدم معطيات الجيش الاسرائيلي الا صورة جزئية عن حجم هذه الظاهرة، حيث أنها لا تشمل الجنود الذين انتحروا وهم ليسوا في الخدمة الفعلية. على مدى السنين امتنع الجيش عن علاج هذه الظاهرة بادعاء ان الجنود الذين تم تسريحهم من الخدمة ليسوا تحت مسؤوليته. ولكن سلسلة التقارير الاعلامية حول جنود شاركوا في الحرب وانتحروا بعد خلع الزي العسكري، اجبرت الجيش على تغيير سياسته، ولو بشكل طفيف.
في نهاية العام 2025 اقر الجيش بان تحقيقه اظهر وجود 15 حالة انتحار حتى ذلك الحين. وقد علمت “هآرتس” عن اربع حالات اضافية على الاقل منذ ذلك الحين، 3 حالات منها في الشهر الماضي. اضافة الى ذلك كانت هناك عدة حالات لجنود شاركوا في حروب سابقة وتم تشخيص اصابتهم باضطراب ما بعد الصدمة، وقاموا بالانتحار بعد 7 اكتوبر. وقد شخصت وزارة الدفاع عدة حالات لجنود احتياط شاركوا في الحرب وعانوا من مشكلة نفسية وماتوا بعد تسريحهم بسبب جرعة زائدة من المخدرات أو الكحول.
رسميا يؤكد قسم الصحة النفسية في الجيش على انه لم يتم تحديد أي صفات مشتركة واضحة لحالات الانتحار منذ بداية الحرب، سواء من حيث الحالة العائلية أو الخلفية المالية أو ظروف الخدمة العسكرية. وهم ينسبون ارتفاع عدد حالات الانتحار خلال الحرب الى الزيادة الكبيرة في عدد الجنود، لا سيما في اوساط الاحتياط. ويوضحون بان فحص الحالات يظهر ان بعض حالات الانتحار لم تكن نتيجة التعرض لاحداث قتالية. ففي كانون الثاني الماضي مثلا، انتحر مقدم في الجيش النظامي كان يخدم في موقع دفاعي. وقدم معارفه شهادات تفيد بان حالته النفسية تدهورت نتيجة سوء المعاملة المستمر من قبل المنظومة العسكرية التي رفضت تمويل نفقات علاجه، اضافة الى الديون التي تراكمت عليه. وقال احد اصدقاءه متهما: “دمه في رقبة الجيش الاسرائيلي”.
الى جانب هذه الحالات رصد الجيش حالات انتحار ترتبط بشكل واضح بالمشاركة في الحرب. ومن بين هذه الحالات حالة ايليران مزراحي، وهو جندي احتياط متخصص في تشغيل جرافات “دي9″، والذي انتحر في شهر حزيران الماضي. كان مزراحي قد خدم لبضعة اشهر في قطاع غزة، وتم تشخيص حالته باضطراب ما بعد الصدمة. ايضا كان من بين المنتحرين جندي مدرعات تم تشخيص حالته بنفس الاضطراب، وعاد الى خدمة الاحتياط. اضافة الى رجل اسعاف في الاحتياط كان يعالج المصابين في منطقة حفلة “نوفا” قرب ريعيم. ايضا انتحر اثنان من مشغلي الطائرات المسيرة خلال الحرب. وقال اصدقاء احدهما، وهو برتبة مقدم في الاحتياط، بأنه قال انه لم يعد يتحمل فظائع الحرب. أما الاخر، وهو ضابط شاب في الخدمة النظامية فقد انتحر بعد فترة قصيرة على تحطم طائرته المسيرة بسبب خطأ بشري. واوضح خبراء الصحة النفسية لـ “هآرتس” بان هذه الحالة تسلط الضوء على الاثار الكبيرة للضغوط
من بين حالات الانتحار في هذا الشهر جنود اثرت مشاركتهم في القتال على حالتهم النفسية. احدهم هو جندي احتياط في فرقة مداهمة تابعة لوحدة النخبة شلداغ، وقد انتحر في عيد الاستقلال في الاسبوع الماضي. وقد شارك هذا الجندي في عمليات كثيرة خلال الحرب، بما في ذلك المعارك في الغلاف في 7 اكتوبر. ايضا انتحر جندي آخر في الخدمة النظامية في لواء كفير في هذا الشهر، وجندي نظامي عمره 23 سنة من سلاح المدرعات. وانتحر جندي آخر من الاحتياط في لواء 646، وهو رجل اسعاف في الميدان، في نهاية الاسبوع في مقبرة كريات آتا بعد أن خرج لقضاء اجازة في البيت.
تضم قائمة الجنود الذين انتحروا في هذا الشهر وهم ليسوا في الخدمة الفعلية اسم يونتان الياهو برديج (38 سنة)، الذي يعيش في كريات اربع والذي تم تسريحه من الخدمة في الاحتياط بعد حادثة خطيرة في عملية “الجرف الصامد”. عندما اندلعت الحرب عاد الى الجبهة وخدم في لواء كرميلي. ايضا انتحر جندي آخر في نفس اللواء في الاربعينيات في الاسبوع الماضي بعد خدمة طويلة له في الحرب. وقالت ارملته في جنازته: “أنا آسفة لأنني لم الاحظ معاناته”. وقال صديق له: “قبل بضعة اشهر فقط اتصلت بي لاستشارتي بشان جندي شاب شعرت انه “لا يؤدي عمله على ما يرام” في كتيبتك. سألتك: ماذا عنك؟، فأجبت كالعادة وانت تضحك: أنا بخير”.
في وحدة المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي اكدوا على ان “أي حادثة انتحار يتم فحصها بشكل معمق من قبل الجهات المعنية، بهدف التعلم واستخلاص الدروس”.
——————————————
هآرتس 27/4/2026
ترامب يتردد بين كلفة الحصار وثمن التنازل لإيران
بقلم: تسفي برئيل
في المنتدى الدبلوماسي الذي عقد في انطاليا في تركيا قبل عشرة ايام تقريبا، اثير من جديد سؤال كان قد بدأ يبرز حتى قبل اندلاع الحرب. ناقش وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان مجددا امكانية انشاء “محور” سياسي – عسكري اقليمي لمواجهة التهديد الايراني. في شهر شباط الماضي، قبل اندلاع الحرب، طلبت تركيا الانضمام الى الحلف العسكري الموقع بين السعودية وباكستان في ايلول الماضي. وكان رد السعودية حازم في حينه. اوضح محمد بن سلمان في حينه لرئيس تركيا رجب طيب اردوغان بأن هذا التحالف ثنائي، وأنه لا مجال في الوقت الحالي لانضمام اعضاء جدد.
مع ذلك، عند اندلاع الحرب وبدء الهجمات الايرانية على مواقع عسكرية ومنشآت نفط وغاز في دول الخليج، احتدم النقاش السياسي والشعبي حول ضرورة بناء “جدار دفاعي” اقليمي مستقل، جدار لا يمكنه أو لا يرغب في الانقطاع عن الولايات المتحدة، لكنه قادر ايضا على العمل بدون موافقة امريكية. مع ذلك، رغم الهجمات غير المسبوقة التي تعرضت لها دول الخليج، واطلاق 4 صواريخ في سماء تركيا، لم يتشكل بعد تحالف جديد في الشرق الاوسط. اضافة الى ذلك امتنعت دول الخليج حتى الان عن قطع علاقاتها مع ايران، وتجري محادثات بمشاركة وفد رفيع المستوى بينها وبين تركيا ومصر ومعظم دول الخليج.
قبل عودته الى باكستان التي قام بزيارتها في يوم السبت وصل وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي الى سلطنة عمان حيث التقى هناك مع حاكمها هيثم بن طارق. وقبل اسبوع تحدث الوزير مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، وافيد امس بان وزير خارجية تركيا هاكان فيدان تحدث هاتفيا مع عراقجي ومع وزير خارجية باكستان والوسيطين الامريكيين جارد كوشنر وستيف ويتكوف. وتشير التقارير القليلة التي ظهرت منذ توالي اللقاءات والمحادثات الى ان ايران قد تقدم اقتراح جديد منقح. يأتي هذا بعد ان صرح الرئيس الامريكي دونالد ترامب في يوم الجمعة بان ايران يتوقع ان تقدم اقتراح يلبي الطلبات الامريكية، لكنه اوضح بأنه لم يعرف بعد ماذا سيشمل.
ينسب ترامب تاخير اتخاذ القرار في ايران الى غياب قيادة كفؤة، وينسب استعداده لتمديد وقف اطلاق النار لهذا السبب. وكتب الرئيس: “انهم في حالة فوضى، وهناك الكثير من الصراعات الداخلية والارتباك”. مع ذلك، يبدو ان هذا التفسير ما زال بحاجة الى اثبات. دائما كانت الخلافات الداخلية والخصومات الشخصية جزء لا يتجزأ من عملية صنع القرار في البلاد، وقد طبعت ايضا جولات المحادثات السابقة التي اجراها الايرانيون مع الولايات المتحدة قبل الحرب وخلالها.
وقد أدى رحيل علي خامنئي وتعيين ابنه مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علنا بعد، الى فراغ في ايران. فالقيادة الحالية تفتقر الى شخصية واحدة ذات سلطة قادرة على فرض موقفها. مع ذلك، اعتاد خامنئي الاب اتخاذ قراراته بناء على مشاورات مطولة بين مختلف التوجهات والمواقف داخل القيادة العسكرية والسياسية في البلاد. ويظهر تتبع قراراته انه كان يصدر تصريحات متناقضة. فمرة يسمح باللقاءات مع الامريكيين ومرة يمنعها؛ مرة يقيد صلاحيات وفود التفاوض الايرانية ومرة يطالب منتقديها بالكف عن ذلك. وقد صادق على الاتفاق النووي الاصلي الذي وقع في 2015 بعد سنتين من العمل. ورغم تصريحاته الحازمة لم يوقف جولات المفاوضات التي جرت خلال فترة رئاسة جو بايدن، التي كانت تهدف الى العودة الى اطار الاتفاق الاصلي الذي انسحب منه ترامب في 2018.
ايضا كان المرشد الاعلى السابق بارع في بناء توافق في المواقف بين الخصوم السياسيين. وبفضل سلطته الشخصية، ليس الرسمية فقط، تمكن من تحقيق توازن بين الايديولوجيا، التي تجلت اساسا في السياسة الداخلية، والبراغماتية في السياسة الخارجية. وقد مكن هذا النهج ايران من البقاء اقتصاديا وبناء علاقات مع دول المنطقة. ولكن في الواقع الحالي في ايران حيث يعتبر المرشد الاعلى الرسمي اقرب الى كونه قائد من مجرد عرف، يصبح بناء مثل التوافق اكثر صعوبة، لا سيما مع وجود صراع سياسي على السلطة داخل القيادة العليا، الذي يتاثر ايضا بتصفية الحسابات الشخصية.
مع ذلك فان مجرد وجود محادثات في باكستان واجراء حوارات دبلوماسية قد يشير الى ما هو ابعد من نية التوصل الى اتفاق. قد يكون ذلك تلميحا الى تشكل توافق في المواقف حول مضمون الاقتراح الذي يمكن تقديمه للولايات المتحدة. مصدر تركي مطلع على التحركات الدبلوماسية قال لـ “هآرتس”: “المشكلة لا تكمن في عدم وجود جهة للتفاوض معها في ايران، فدول الوساطة على اتصال وتجري محادثات مع كل الاطراف المعنية في البلاد”. واكد المصدر على ان رئيس الاركان في باكستان عاصم منير، تربطه علاقة شخصية مع قائد الحرس الثوري احمد وحيدي، وان وزير خارجية تركيا هو صديق شخصي لعراقجي ومحمد قاليباف، رئيس البرلمان الذي ترأس حتى الان الوفد الايراني للمحادثات في اسلام اباد.
حسب نفس المصدر هناك عقبتان رئيسيتان تمنعان استئناف المفاوضات في الوقت الحالي. وقد قال: “يجب على ايران تقديم اقتراح منطقي يحرر مضيق هرمز من الحصار الذي فرضته عليه، والموافقة على اخراج اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة من اراضيها والالتزام بعدم التخصيب تحت رقابة دولية صارمة. ويجب على ايران صياغة ضمانات مقنعة لتنفيذ الاتفاق. لا فائدة من الاتفاق اذا تبين في اليوم التالي لتوقيعه بان هناك عناصر في النظام تعمل على تفجيره”. واشار المصدر ايضا الى أن “جهود دول الوساطة تختلف عما كان مقبول في السابق. فهي في هذه المرة لا تهدف فقط الى سد الفجوات الجوهرية بين الموقفين الايراني والامريكي، بل ايضا ضمان وجود اتفاق بين الخصوم داخل النظام”. ويبدو ان ايران وافقت حتى الان على تخفيف مستوى تخصيب اليورانيوم لديها الى المستوى المحدد في الاتفاق النووي الاصلي، متجنبة بذلك اخراج اليورانيوم المخصب من اراضيها. وحسب التقارير فانها مستعدة ايضا للالتزام بعدم التخصيب لمدة خمس سنوات، مقارنة مع الطلب الامريكي بتجميد التخصيب لمدة عشرين سنة، ومن المحتمل ان يتم سد هذه الفجوة.
مع ذلك، اصبح مضيق هرمز، الذي لم يكن مطروح على جدول الاعمال قبل الحرب، محور رئيسي في المحادثات، ولا يمكن الموافقة على طلب ايران العلني، الاعتراف بسيادتها على المضيق وتحديد قواعد الملاحة فيه حصرا، حتى كمقدمة للمفاوضات. ايضا تم رفض اقتراحها المخفف، الذي قدمته قبل عشرة ايام، تقاسم حق الابحار في الخليج بينها وبين سلطنة عمان، وايضا تم رفض اقتراح تحصيل رسوم عبور من كل سفينة وتقاسم العائدات بين الدول المطلة على المضيق.
مع ذلك، مصادر دبلوماسية تشعر ان مجرد طرح هذه الاقتراحات يمكن ان يشير الى ان ايران تنازلت عن المطالبة الاساسية، الاعتراف بسيادتها وحقها في المضيق، والان هي تحاول الحصول على اكبر قدر من الفائدة الاقتصادية من هذا المورد الجديد. هذا الموقف يمكن أن يضع ترامب ودول الخليج امام معضلة صعبة. عندما لا تسارع الولايات المتحدة الى وضع جدول زمني للحسم العسكري، فسيتعين على الامريكيين ان يفحصوا بالاساس التكلفة الباهظة لاستمرار الحصار وموازنتها مع الثمن السياسي الذي يكتنف الاستجابة لطلبات ايران.
——————————————
يديعوت احرونوت 27/4/2026
أدى تحالف بينيت ولبيد إلى إرباك جدول أعمال آيزنكوت
بقلم: ناحوم برنياع
تشبه الحملة الانتخابية رحلة حافلة: رحلة طويلة مليئة بالمحطات. يصعد الركاب فرادى، كلٌّ يحمل حقيبته. هناك دائمًا من يدفع، ومن يصرخ، ومن يُحدث فوضى. من المشكوك فيه أن تكون خطوة لبيد بالأمس قد غيّرت الكثير في الصراع بين كتلة نتنياهو وكتلة خصومه، لكنها حدّدت من سيقود الحافلة. سيكون بينيت هو السائق، وآيزنكوت هو الراكب. أي تطور آخر سيكون مخالفًا لقوانين المرور.
في النهاية، يكمن الاختبار في سؤال واحد: هل ستؤدي الانتخابات، إذا أُجريت في موعدها وبشكل قانوني، إلى تغيير الحكومة الحالية؟ الهدف أهم من مُروّجيه.
أُذهل في كل مرة بالنضج الذي يُظهره لبيد في تحركاته السياسية. فبينما استغلّ سياسيون آخرون، بمن فيهم والده، موجة التعاطف الشعبي لكنهم فشلوا في بناء حزبٍ دائم والحفاظ عليه، أنشأ لبيد حزبًا؛ وعندما سنحت الفرصة لإزاحة حكومة نتنياهو، منح لبيد بينيت الأولوية، وساعده أيضًا، من خلال مفاوضات شاقة، في تشكيل حكومةٍ ذات أغلبية في الكنيست. والآن، في مواجهة تراجعٍ مستمر في استطلاعات الرأي، يُدرك أن مكانته كمُطالبٍ بالسلطة قد سُلبت منه، ولو مؤقتًا. وبدلًا من الانغماس في أزمته – كما رأينا في حالة غانتس، على سبيل المثال – يُعيد ابتكار نفسه، وكأنه يُؤسس حكومة تغييرٍ جديدة. كما أنه يُوفر لبينيت وحدات تمويل – أموالًا لا يملكها حاليًا.
هذا أمرٌ مُثيرٌ للدهشة، لأن لبيد، شأنه شأن غيره من السياسيين، بل وأكثر من ذلك، عانى طوال مسيرته المهنية، ككاتبٍ بارز، ونجمٍ تلفزيوني، وبطلٍ قومي، من غرورٍ مُفرط. وهنا، في منعطفاتٍ حاسمة، يُثبت أنه يعرف كيف يكبح جماح غروره، وكيف يُسيطر عليه. وبهذا المعنى، يُذكّرنا برئيسَي وزراء اختلفا عنه في كل شيءٍ آخر: ليفي إشكول وإسحاق شامير. وهذا مدحٌ كبير.
يقول مُعارضو تحالف الإخوة المُجدد إنهم مُرتبطون بالذعر: بينيت بسبب الصعود المُستمر لأيزنكوت في استطلاعات الرأي؛ ولابيد بسبب تراجع حزبه في استطلاعات الرأي. أعتقد أن في هذا الوصف شيئًا من الحقيقة، لكنه ليس بتلك الأهمية. الكتل هي المهمة؛ والأحزاب أقل أهمية. الخبر المهم الوحيد في استطلاعات الرأي هو أنه لا يوجد فيها أي جديد. إنه لأمرٌ مُذهل حقًا: البلاد ترزح تحت وطأة سيلٍ من الأخبار السيئة، من حربٍ لا تنتهي إلى وباءٍ فتاكٍ لا يُعبّر عن خطورته، لكن الكتل السياسية ثابتةٌ على موقفها. سأندهش إن كان قرار بينيت ولبيد بالترشح معًا سيُغيّر شيئًا في عدد مقاعد كتلة التغيير، بل سأندهش إن كان سينقل ناخبًا واحدًا من كتلةٍ إلى أخرى. في جوهره، الحدث داخليٌّ داخل الكتلة نفسها. هكذا يجب تحليله.
ان الادعاء بأن بينيت بذلك خسر الناخبين الذين كان من المفترض أن يستقطبهم من اليمين بعيدٌ كل البعد عن الواقع. ناخبو اليمين المتشدد الذين سئموا من حكومة نتنياهو لديهم خيارٌ أسهل وأوضح: أفيغدور ليبرمان. أما ناخبو اليمين المعتدل، فلا يُشكّل لبيد أي تهديدٍ لهم: ناخبو اليمين الذين صرّحوا لمؤسسات استطلاعات الرأي بأنهم سيصوتون لبينيت لن يُغيّروا رأيهم الآن لمجرد اتفاقه مع لبيد.
صحيح أن العديد من المتدينين اليمينيين العمليين، الذين كانوا يشعرون بتقارب مع بينيت، يرفضونه رفضًا قاطعًا. فقد أقنعتهم حملة التشهير بأنه خائن، وعميل لجماعة الإخوان المسلمين. ولتشكيل حكومة التغيير، اضطر بينيت إلى نكث وعد انتخابي. إنه أمر غير سار، لكنه كان قرارًا مبررًا في ظل الظروف الراهنة. بالأمس، وبعد نشر خبر توحيد الأحزاب، تم تفعيل حملة التشهير مجددًا، بنفس النص الكاذب والمثير للفتنة والمقزز. كان من المتوقع أن يُظهر جهاز نتنياهو الدعائي قدرًا أكبر من الإبداع.
يعتقد آيزنكوت أنه، على عكس بينيت، لديه فرصة لنقل الأصوات من كتلة إلى أخرى، أو، للأسف، ترك الناخبين الذين صوتوا سابقًا لكتلة نتنياهو في منازلهم يوم الانتخابات. وقد يكون محقًا: فقطاعات واسعة من الشعب الإسرائيلي تنظر إليه بعين الرضا. ينبع حب الناس له من خدمته العسكرية، ومن فقدانه ابنه، ومن أصله العرقي، ومن نزاهته، ومن حقيقة أن آلة التشويه لم تُتح لها الفرصة بعد لاستهدافه بكل قوتها. يحتاج إلى وقت لمحاولة حشد هذه الأصوات. لكن إعلان بينيت ولبيد قد أربك الجدول الزمني: فضغط كتلة الناخبين المعارضين لنتنياهو للتوحد سيجبره على الاستعجال واتخاذ القرار.
يبدو أن الكتلة ستخوض الانتخابات بثلاث قوائم: يسار (يائير غولان)، ووسط (بينيت-لبيد-آيزنكوت)، ويمين (ليبرمان). هذا هو التقسيم الصحيح: فهو يمنع إهدار الطاقة في المنافسة، ويتناسب مع الانقسام الداخلي في قاعدة ناخبي الكتلة.
إذا نجحت الكتلة في تشكيل حكومة، فقد تبدو قيادتها العليا على النحو التالي: بينيت رئيسًا للوزراء، وآيزنكوت وزيرًا للدفاع، ولبيد وزيرًا للخارجية، وليبرمان وزيرًا للمالية، وغولان وزيرًا للأمن القومي. هذه حكومة معقولة، سواء كفريق أو كأفراد: ندعو القارئ إلى مقارنتها بمن يشغلون نفس المناصب اليوم.
——————————————
هآرتس 27/4/2026
لا يحسبون حساب تهديد الارهاب اليهودي
بقلم: افنر برنياع
خلال عقود كثيرة تشكلت الرؤية الامنية لاسرائيل على اساس افتراض ان التهديدات الرئيسية تأتي من الخارج: دول معادية، منظمات ارهابية، واحيانا حتى من ساحات بعيدة. وبناء على ذلك فقد تم بناء آليات الانذار والاستجابة. ولكن في السنوات الاخيرة ظهر تهديد لا يأتي من وراء الحدود، بل هو ينشأ ويتفاقم في الداخل. ينظر احيانا الى ارهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية على أنه مشكلة تتعلق بانفاذ القانون أو فشل موضعي، لكنه في الواقع ظاهرة واسعة النطاق، مع امكانية للتصعيد الاقليمي، وتقوض الاسس المركزية للامن القومي الاسرائيلي. ويبدو ان المستوى السياسي والمستوى الامني يواجهان صعوبة في التعامل مع هذا التهديد الاستراتيجي، أو أنهما يمتنعان عن ذلك.
في السابق كان ينظر الى عنف جماعات اليمين المتطرف في المناطق المحتلة بانه ظاهرة هامشية وعفوية، تفتقر الى هيكل تنظيمي واضح. ولكن منذ 7 اكتوبر شهدت نشاطات “شبيبة التلال” والجماعات المشابهة، تحول جذري. من منظمات محلية غير منظمة الى نظام متسق، يتمتع بحضور رقمي وقدرة على التنظيم السريع، وحتى بخصائص شبه عسكرية.
تشير البيانات المتعلقة بالارهاب اليهودي، حتى لو كانت غير مكتملة، الى توجه واضح نحو التصاعد المطرد في نطاق العنف وشدته. وفي نفس الوقت هناك تراجع ظاهر في الردع وانفاذ القانون. عندما تصبح احداث العنف امر روتيني، وتكاد لا يقابلها ردود افعال، يتشكل امام انظارنا معيار امني جديد. ولاول مرة منذ 1967 تجاوز عدد العمليات الارهابية اليهودية عدد العمليات الارهابية الفلسطينية في المناطق المحتلة. ان ظاهرة التهديدات من الداخل، المدعومة من قبل الحكومة، لا تعتبر حكر على اسرائيل. ففي الولايات المتحدة، عشية 6 كانون الثاني 2021، تراكمت معلومات كثيرة عن نوايا جماعات سياسية متطرفة للقيام باعمال عنف، ومع ذلك واجهت المخابرات الامريكية صعوبة في تقدير احتمالية تحقق هذا التهديد، ولم تحذر جهاز الامن التابع لمجلس النواب. لم يكن سبب الفشل الاستخباري النقص في المعلومات، بل صعوبة في المفاهيم.
كان الافتراض السائد هو ان التهديدات الخطيرة تاتي من الخارج. واعتبرت احتمالية ان يأتي التهديد من داخل النظام السياسي نفسه امر مستبعد. وكانت النتيجة فشل ذريع للرؤية الاستراتيجية، حيث لم يتم تفسير المعلومات المتاحة بشكل صحيح بسبب التحيز السياسي أو بسبب انماط التفكير الجامدة.
في اسرائيل توجد مسؤولية التصدي للتهديدات الداخلية على جهاز الشباك، الذي يعطيه القانون صلاحيات واسعة لحماية الدولة والحكومة الديمقراطية من الارهاب والتخريب والتجسس. ولكن عمليا، هناك فجوة بين الاطار القانوني وطريقة تطبيقه، لا سيما بعد تولي دافيد زيني منصب رئيس الشباك. يعمل الجهاز بنجاح على احباط الارهاب الفلسطيني. ولكن فيما يتعلق بالارهاب اليهودي يكاد يكون انفاذ القانون معدوم. والرسالة الفعلية هي اللامبالاة.
تعود اسباب الوضع الامني في الضفة الغربية في جزء منها الى صعوبات عملياتية وتعريفات غامضة للارهاب اليهودي، وفي جزء آخر منها للاعتبارات السياسية. عندما تدعم عناصر في الجهاز الحكومي علنا افعال وافكار تغذي الارهاب اليهودي فان قدرة الاجهزة الامنية على التحرك تتأثر سلبا، ويزداد الوضع سوء مع وجود مؤشرات على ان رئيس الشباك الجديد لا يعتبر الارهاب اليهودي الا احتكاك عنيف بين الفلسطينيين واليهود.
ان من ينظر الى الارهاب اليهودي على انه قضية اخلاقية أو سياسية بحتة، يغيب عنه جوهر المشكلة: استمرار العنف قد يشعل انتفاضة فلسطينية جديدة، ويضر بالتعاون الامني الاسرائيلي – الفلسطيني، وقد يمتد الى داخل اسرائيل. ايضا هو يعمق عزلة اسرائيل في العالم. تكمن المشكلة في ان النقاشات الامنية والتخطيط الاستراتيجي والتقديرات الاستخبارية ما زالت تركز على الساحة الخارجية، بينما يتطور تهديد حقيقي في داخل النظام ولا يتم اعطاءه الوزن الذي يستحقه في اوساط الاستخبارات ومتخذي القرارات. هذه ليست مشكلة وظيفية، بل هي صراع بين الاحتياجات الامنية وايديولوجيا عناصر السلطة، وهو الامر الذي يمكن أن يكون مدمر.
يتطلب التعامل مع تهديد داخلي للديمقراطية توازن دقيق بين الامن والحقوق المدنية، ويجب أن تتم مراقبة الجماعات السياسية المتطرفة باستخدام وسائل سرية وقوة انفاذ القانون. لا تعفي الصعوبات التي تواجهها الدولة من مسؤوليتها الاساسية في حماية امنها ومؤسساتها.
من اجل تحقيق ذلك يجب اتخاذ عدة خطوات. أولا، اعتراف رسمي وواضح بان العنف اليهودي في الضفة الغربية يشكل تهديد امني، وليس مجرد مشكلة انفاذ قانون. ثانيا، دمج التهديدات الداخلية بشكل كامل في تقديرات الاستخبارات كي يحصل متخذي القرارات على صورة شاملة للتهديدات. ثالثا، تعزيز الاستقلالية المهنية لاجهزة الامن والاستخبارات، كي تتمكن من العمل بدون خوف من الضغوط السياسية. والاهم من كل ذلك هو الحاجة الى قيادة تضع حدود واضحة، حتى لو كان ذلك ينطوي على تكلفة سياسية.
من ابرز صفات العمى الاستراتيجي هو الاعتراف بالخطأ بعد حدوثه. فبعد الفشل عندما يكون الضرر قد حدث بالفعل يشاهد الجميع العلامات التي كانت واضحة من البداية. يمكن التحذير من العمى الامني وعرض احتمالية العواقب الوخيمة للارهاب اليهودي في الوقت الفعلي، لا سيما عندما تدعمه جهات كثيرة في الحكومة. العلامات موجودة، البيانات تتراكم والتحذيرات تسمع. وحتى في الخارج، في الولايات المتحدة، توجد تحذيرات من تدهور الاوضاع. يبقى ان نرى اذا كانت المنظومة الامنية ستتمكن من مراجعة نفسها والتحذير من التهديد بشجاعة. يكمن الخوف في استمرار التجاهل واستمرار الارهاب اليهودي في المناطق المحتلة، الذي تدعمه عناصر في الحكومة، بل وازدياده.
——————————————
معاريف 27/4/2026
ترامب وإيران من سيتراجع أولا
بقلم: آنا برسكي
المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران لم تنهار في نهاية الأسبوع الماضي. لكن بعد الغاء رحلة المبعوثين الأمريكيين، ستيف ويتكوف وجارد كوشنير، الى الباكستان، من الصعب أن نرى فيها مسارا حقيقيا لاختراق قريب. فهي تدل على الانتقال الى مرحلة غامضة وخطيرة اكثر – تآكل متواصل دون حافة الحرب. فحقيقة أن الطرفين يواصلان نقل الرسائل عبر وسطاء هي طريق لتأجيل الحسم دون دفع الثمن.
يشبه الوضع الحالي المفاوضات الكلاسيكية بقدر اقل ويشبه بقدر أكبر استخدام الضغوط في عدة ساحات بالتوازي. فالولايات المتحدة تواصل فرض حصار بحري فاعل، لضرب قدرة التصدير لدى ايران ولابقاء مضيق هرمز تحت تهديد دائم.
ايران هي الأخرى تحرص على الا تعلن عن كسر وقف النار، لكنها تقضم منه عمليا: تحرشات بحرية بلا توقف، غموض عملياتي، استخدام للوكلاء الإقليميين والامتناع المقصود عن المواجهة المباشرة. هكذا ينشأ واقع يبقى فيه وقف النار قائما في الوثائق، لكنه يفقد كل يوم مكانته في الميدان. يمكن أن نصف الوضع كاحتكاك متراكم – رفع الثمن على الولايات المتحدة دون ان توفر لها علة مريحة لحرب شاملة. يدور الحديث عن نمط عمل مدروس: فالايرانيون يحاولون الامتناع عن الإهانة والاستسلام دون التنازل عن روافع القوة.
تحت السطح تجري لعبة أخرى: كل طرف يحاول أن يدفع الطرف الاخر لان يتراجع أولا – في الميدان السياسي والإعلامي اكثر مما هو في ميدان المعركة. ترامب يطلب “مكالمة هاتفية” من ايران؛ في طهران يرفضون منحه هذه الصورة. لا يأتون ولا يهاتفون أيضا. هكذا يتثبت وضع انتقالي – بدون سلام، بدون حرب.
في مركز الاحداث يقف مضيق هرمز. السيطرة او التهديد على الحركة في المضيق يسمحان لإيران بخلق ضغط اقتصادي عالمي فوري، فيما ان الولايات المتحدة تستخدم حضورها البحري في المنطقة كي تخنق مصادر الدخل لطهران. دور متزايد للاعبين آخرين كاوروبا، تركيا ودول آسيوية متعلقة بالنفط تجعل الساحة البحرية دولية. يفهم الطرفان بان المعركة تجري أيضا في الأسواق: أسعار الطاقة، التأمين البحري، الاستقرار المالي والضغوط الداخلية.
في هذه المعادلة توجد إسرائيل في موقف اكثر تعقيدا مما يبدو. في إسرائيل لا يتأثرون بمجرد الوجود الرسمي لوقف النار. في المستوى السياسي يزداد التخوف بالذات من سيناريو اتفاق جزئي، اتفاق يسمح لإيران بمجال تنفس، تسهيلات اقتصادية وربما أيضا اعتراف فعلي بمكانتها الإقليمية، دون التفكيك الحقيقي لقدراتها النووية والصاروخية. قسم من المباحثات من خلف الكواليس تعنى منذ الان بإمكانية تخفيف التركيز، النقل او الرقابة الدولية على اليورانيوم المخصب – حلول أولية كفيلة بان تبدو كتقدم لكنها عمليا ستبقي المشكلة في مكانها تقريبا.
في الإدارة الامريكية سيتمكنون من أن يعرضوا مثل هذه التسوية كنجاح – وقف الحرب وفتح المضيق. اما في إسرائيل فهي تعد كتفويت استراتيجي للفرصة، وربما حتى كتهيئة الترنة للجولة التالية. هنا توجد الفجوة المركزية بين واشنطن والقدس. الولايات المتحدة تبحث عن سبيل لانهاء الازمة بينما تبحث إسرائيل عن سبيل لمنع الازمة التالية. هذه الفجوة تتجاوز الفكر. فهي تنبع أيضا من جداول زمنية مختلفة. واشنطن تعمل تحت ضغوط اقتصادية وسياسية فورية، بينما إسرائيل تفكر بسنوات الى الامام.
——————————————
عن “الإندبندنت” 27/4/2026
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين .. مروّع وعنصري
بقلم: إيريك لويس
تدخل إسرائيل طوراً أكثر خطورة في الأزمة الفلسطينية بإقرار قانون يفرض الإعدام خلال 90 يوماً على فلسطينيين وحدهم، في تكريس واضح لعقوبة تقوم على التمييز، وتستثني الإسرائيليين اليهود والمستوطنين. ويأتي ذلك فوق حصيلة دموية هائلة في غزة، ليجمع بين القتل واسع النطاق للمدنيين وشرعنة عقوبة عنصرية مرشحة لإنتاج مزيد من الشهداء وتقويض أي ادعاء بالاحتكام إلى سيادة القانون.
بأي معيار موضوعي كان، فنحن ندخل مرحلة جديدة في الأزمة الإسرائيلية – الفلسطينية، فقد أثبتت إسرائيل، على رغم صغر مساحتها، أنها تمتلك واحداً من أكثر الأجهزة العسكرية والأمنية فاعلية في العالم. وإلى جانب ذلك، من الواضح أنها تتمتع بنفوذ كبير على القوة المهيمنة عالمياً: الولايات المتحدة.
لكن امتلاك القدرة على إسقاط القوة وإعمال الفتك لا يبرر استخدامها فعلاً، ولا سيما حين يتجاهل، مرة أخرى ومن دون مساءلة، الحظر المفروض على قصف المدنيين.
ولا حاجة إلى القول، إن أحداث السابع من تشرين الأول يجب إدانتها، فـ”حماس” كيان “شرير” “يخون” شعبه من أجل تعزيز سلطته وتحقيق أوهامه الخلاصية، ويهاجم “حزب الله” المدنيين ويرهب شعبه في لبنان. أما إيران، فقد غذت الإرهاب، واستبدت بسكانها على مدى ما يقرب من نصف قرن.
لكن بعد سنوات من الزعم بأن أرقام الضحايا الصادرة عن وزارة الصحة في غزة مبالغ فيها على نحو فادح، أقرت إسرائيل في كانون الثاني بأنها صحيحة في جوهرها. فقد قتل أكثر من 70 ألفاً من سكان غزة، وكان أكثر من نصف هؤلاء من النساء والأطفال. وسواء أكان العدد الفعلي 70 ألفاً أم 75 ألفاً، كما احتسبت مجلة “ذا لانسيت”، فإن عدد القتلى هائل، كما أصيب أكثر من 165 ألفاً.
وهكذا، فإن نحو 10% من سكان غزة سقطوا ضحايا للهجوم، قتلى أو جرحى. ومع هذه الأرقام، لا يمكن الزعم على نحو معقول أن إسرائيل كانت تستهدف “حماس” فحسب. فالقتل العشوائي وغير المتناسب للمدنيين على نطاق واسع، حين ترتكبه دولة، يشكل جريمة حرب جسيمة، لكن ذلك لا يخفف شيئاً من فظاعة السابع من تشرين الأول، حين قتل أكثر من 1300 شخص. فليس أي من الأمرين يبرر الآخر، لا في القانون الدولي ولا في الأخلاق الإنسانية المشتركة.
وإذا كان ذلك كله مقلقاً، فإن الرعب المقبل مضاعف، فقد أقر نظام نتنياهو تشريعاً يجعل عقوبة الإعدام إلزامية على الفلسطينيين الذين يرتكبون هجمات مميتة ضد إسرائيليين. ويجب تنفيذ حكم الإعدام خلال 90 يوماً، شنقاً. وبصرف النظر عن الموقف من عقوبة الإعدام أو من إسرائيل، فإن ثمة شيئاً جديداً ومرعباً في قانون يفرض هذه العقوبة فقط على أفراد من جماعة واحدة، وفقط لقتلهم أفراداً من جماعة أخرى.
ولم تنفذ إسرائيل، في تاريخها الممتد نحو 80 عاماً، سوى عمليتي إعدام: واحدة بتهمة الخيانة، في محاكمة عسكرية لضابط إسرائيلي تبين لاحقاً، بعد وفاته، أنها كانت خاطئة، والأخرى بحق أدولف أيخمان، مجرم الحرب النازي الذي نسق بحماسة معسكرات الموت في الهولوكوست، وذلك بتهمة الإبادة الجماعية.
وحتى وقت قريب، كانت إسرائيل واحدة من سبع دول ألغت عقوبة الإعدام في “الجرائم العادية”، بما فيها جريمة القتل، لكن الأمر لم يعد كذلك. والجدير بالملاحظة أن العكس لا ينطبق: فإذا قتل إسرائيلي يهودي فلسطينياً، أياً تكن الظروف، فلا يمكن الحكم عليه بالإعدام.
ويفرض القانون عقوبة الإعدام على الأشخاص المدانين بهجمات “إرهابية” مميتة ممن يقيمون في مواقع محددة يعرفها القانون باسم “المناطق”، و”المناطق” هي “يهودا” و”السامرة”، وهي التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية. وفي المحاكم العسكرية تكون عقوبة الإعدام هي العقوبة الأصلية، ولا يحاكم أمام هذه المحاكم إلا الفلسطينيون، ولا يشترط القانون حتى أن تطلب النيابة العامة عقوبة الإعدام.
ويتعين على المحكمة أن تقضي بالإعدام إذا حوكم المتهم بـ”الإرهاب” أمام محكمة عسكرية، إذ تنظر غالبية هذه القضايا، مع بقاء احتمال الحكم بالسجن المؤبد قائماً في حال توافرت “ظروف خاصة” غير معرفة. أما في المحاكم المدنية، فيمكن محاكمة الإسرائيليين والفلسطينيين بتهم إرهابية، لكن القانون لا يسري إلا على من “يتعمد التسبب في وفاة شخص بهدف إنكار وجود دولة إسرائيل”، وهي صياغة وضعت لاستبعاد الإرهابيين اليهود، وإن كان ثمة أي لبس، فإن العقوبة لا تنطبق على المواطنين أو المقيمين الإسرائيليين الذين يعيشون في “المناطق”، ما يعني عملياً استبعاد جميع المستوطنين، ووفق ما أوردته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” فإن القانون “يكرس فعلياً عقوبة الإعدام للفلسطينيين وحدهم”.
ومن الصعب معرفة من أين يبدأ المرء في تناول فجاجة هذا التشريع، فضلاً عن غبائه، وما ينطوي عليه من كراهية صريحة للآخر ونزعة عنصرية واضحة. فهل سيردع الهجمات الفلسطينية؟ على الأرجح لا، بل سيصنع شهداء. وهل سيعزز صورة إسرائيل بوصفها دولة يحكمها مظهر من مظاهر سيادة القانون؟ وهل سيعزز التأييد لإسرائيل باعتبارها جزيرة ديمقراطية في صحراء استبدادية؟ وهل سيولد تعاطفاً مع إسرائيل أو مع اليهود عموماً؟
وقد استشهد وزير الأمن القومي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، بالولايات المتحدة بوصفها نموذجاً، زاعماً أن مشروع القانون صيغ على غرار النموذج الأميركي “الصحيح والعادل” لعقوبة الإعدام. وبالطبع، سارعت إدارة ترامب إلى تأييد هذا الموقف، إذ أصدرت وزارة الخارجية بياناً قالت فيه ،إنها “تثق” في أنه ستكون هناك “محاكمات عادلة”، وإن لإسرائيل “حقاً سيادياً” في تحديد القوانين والعقوبات المتعلقة بـ”الإرهاب”.
لكن بن غفير مخطئ تماماً، فإجراءات عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة، مهما شابها من عيوب، تحظر فرض هذه العقوبة تلقائياً، وتلزم بالنظر في الظروف المخففة وفيما إذا كانت العقوبة متناسبة مع الجريمة وظروفها. كما لا يمكن، بحال من الأحوال، تنفيذ حكم بالإعدام خلال 90 يوماً، لأن إجراءات الاستئناف تتيح التحقق مما إذا كانت العقوبة قد فرضت على نحو صحيح.
ومنذ العام 1973، حكم على أكثر من 200 أميركي بالإعدام ممن ثبتت براءتهم لاحقاً، وذلك بمعدل شخص واحد في مقابل كل عملية إعدام نفذت. ولا يتيح الاندفاع نحو المشنقة الذي يفرضه القانون الإسرائيلي أي إمكانية لتصحيح المظالم القضائية، كما أن الولايات المتحدة لن تسمح بقانون يجيز إعدام أفراد من جماعة دينية أو عرقية واحدة فقط، ويستثني الأكثرية من التعرض لهذه العقوبة. ونحن، في المجتمع اليهودي، رأينا هذا من قبل.
وسيكون هذا القانون مخالفاً للدستور في الولايات المتحدة على نحو فاضح، ومناقضاً لمبادئ العمومية والإجراءات القانونية الواجبة التي تميز أي نظام قانوني متحضر. سؤال عادل يوجه إلى حكومة نتنياهو: أما آن لكم أخيراً أن تشعروا بالخجل؟
——————————————
عن مجلة 972 – 27/4/2026
هكذا تتغلغل النزعة العسكرية المفرطة في حياة الإسرائيليين
بقلم: نيسي بيلي
في مرحلة ما من دراستي الإعدادية، تشكلت في مخيلتي فانتازيا غريبة: كنت أتمنى أن أموت ميتة بطولية كمقاتل في الجيش الإسرائيلي، وأن تُعلّق صورتي في أروقة المدرسة باعتباري أول جندي قُتل من خريجيها، وأن يُقام الحداد على روحي في كل عام في يوم الذكرى.
وبحلول الوقت الذي أنهيت فيه دراستي الثانوية بدأ وعيي السياسي يتشكل.
ومع ذلك، ظللت متمسكاً بالعقيدة الصهيونية الليبرالية القائلة بأنني يمكنني أن أكون جندياً صالحاً وأخلاقياً، وأن أغير النظام من الداخل. ولكن عندما جُنّدت في سلاح المدرعات، أدركت سريعاً استحالة هذا الموقف، وبعد عدة أشهر حصلت على إعفاء طبي.
ولكن لعدة سنوات بعد مغادرتي الجيش، كانت تراودني كوابيس متكررة حول إعادة تجنيدي.
وفي أحد الأحلام الجلية بشكل خاص، عندما كنت في العشرين من عمري وأعيش في برلين، نظرت من نافذتي لأجد فصلي الدراسي في المرحلة الابتدائية بأكمله ومعلمتي يقفون في الأسفل، وكانوا يصرخون بأن إعفائي قد أُلغي، وبأن عليّ العودة معهم فوراً للالتحاق بالجيش مجدداً بسبب اندلاع الحرب.
يتميز المجتمع الإسرائيلي المعاصر بـ”العسكرة المفرطة”، وهذا النوع من العسكرة ليس مجرد فلسفة سياسية، بل هو حالة وجودية تعيد هيكلة الذات من الأساس، وتصوغ مخيلتنا وأفكارنا ورغباتنا وعلاقاتنا، بل وإحساسنا بجماعتنا كإسرائيليين.
إن كل شيء تقريباً يتم إدراكه وفهمه من خلال المصطلحات والقيم والصور العسكرية، بينما تصبح حالة الطوارئ والحرب الدائمة هي النظام الطبيعي للأشياء.
وتنتشر هذه الأيديولوجيا عبر الطيف الإسرائيلي بأكمله، بدءا من النزعة العسكرية الروحية واللاهوتية التي يتبناها “فتية التلال” والمستوطنون المتدينون، وصولاً إلى النزعة العسكرية الليبرالية العلمانية البارزة بين الطبقة البرجوازية الإسرائيلية.
وفي كل مرحلة من مراحل حياتهم تقريباً، يرى الإسرائيليون أنفسهم ومن حولهم من منظور عسكري: إما مشاريع جنود مستقبليين (شباب في مرحلة ما قبل الخدمة، ثم لاحقاً كجنود احتياط محتملين)، أو جنوداً في الخدمة الفعلية، أو كجنود سابقين.
حتى أولئك الذين لا يلتحقون بالتجنيد، أو الذين يُعفَون من الخدمة الاحتياطية في مراحل لاحقة من حياتهم، يُنظر إليهم دائماً من منظور علاقتهم بالجيش، ويعاملهم أغلبية المجتمع الإسرائيلي كمنبوذين.
ولا يواجه المعترضون لأسباب أخلاقية عقوبة السجن فحسب، بل يتعرضون أيضاً لعداء وتحريض مستمر، وذلك في حين يهدد السياسيون من مختلف الأطياف أحياناً بتجريد أولئك الذين يرفضون “تقاسم العبء” من حقوقهم المدنية.
لقد قيل الكثير بالفعل عن سوسيولوجيا النزعة العسكرية في إسرائيل، وكيف ينتقل كبار المسؤولين العسكريين بانتظام ليصبحوا سياسيين ناجحين، وكيف يتلقى الصحافيون تدريبهم في وحدات الإعلام العسكري، وكيف تكتظ المقاهي والحانات والقطارات بالجنود المسلحين والمدنيين، وكيف يشارك النظام التعليمي في التلقين العقائدي العسكري وجهود التجنيد التي يبذلها الجيش.
ومع ذلك؛ فإن ما يمر غالباً دون أن يُلاحظ هو الطريقة التي تتغلغل بها النزعة العسكرية في الحياة اليومية في إسرائيل في أشكالها الأكثر ابتذالاً أو اعتيادية، وهو ما يمكن تسميته “ظاهرة الحياة اليومية المعسكرة”.
ويتمثل جانب من هذا المشهد في تسليع النزعة العسكرية داخل مجتمع رأسمالي. وأحياناً، تُباع النزعة العسكرية بشكل مباشر، كما هو الحال في الدورات التي تُعد الشباب لاختبارات القبول في الأدوار العسكرية السيبرانية أو الاستخباراتية، أو تدريبات “اللياقة القتالية” للالتحاق بوحدات النخبة.
ويقول ملصق تجنيد حديث استهدف مؤخراً المراهقين على الشواطئ: “إذا سألوا، فأنا في البحر مع الأصدقاء. هل تعتقد أنك تمتلك ميزة البحر؟ تعال وأثبت جدارتك في أحد “الجبوشيم” التابعة لسلاح البحرية”؛ و”الجبوشيم” هي ندوات تدريبية بدنية وذهنية مكثفة تستمر لعدة أيام مخصصة لوحدات النخبة العسكرية.
غير أنه في أغلب الأحيان تُستخدم النزعة العسكرية كمنصة لبيع منتجات أخرى، فلا يقتصر الأمر على ظهور الجنود في عدد لا يحصى من الإعلانات وهم يستخدمون السلع، بل يمتد ليشمل الاستثمار في الشحنة العاطفية للنزعة العسكرية داخل المجتمع الإسرائيلي: من “بطولة” و”وطنية” الجنود في ساحة المعركة، إلى المشاعر الجياشة المرتبطة بعودة الجنود إلى عائلاتهم في عطلة نهاية الأسبوع، وصولاً حتى إلى استغلال جاذبيتهم الجنسية.
تأمل، على سبيل المثال، إعلاناً حديثاً لشركة إسرائيلية لمنتجات المزلقات؛ فبمناسبة يوم المرأة العالمي، نشرت الشركة سلسلة من الصور التي تصور مجندات (من بينهن طيارة مقاتلة ومجندة بالزي العسكري ترتدي عصبة الرأس الحمراء الشهيرة لشخصية “روزي الميكانيكية”)، وكل واحدة منهن تمسك بعبوة من المزلق، مصحوبة بتعليق: “يا عزيزتي، أنتِ بطلة خارقة”.
أو تأمل آلاف الحسابات الشخصية (غالبيتها لرجال) على تطبيقات المواعدة التي تبرز صوراً بالزي العسكري، وتكون أحياناً على خلفية الدمار في غزة.
وفي أحد هذه الحسابات التي صادفتها مؤخراً، يظهر قناص في قوات الاحتياط وهو يصوب بندقيته من نافذة منزل مدمر في غزة أو لبنان.
وفي عيد الفصح الأخير، كان بإمكان المتسوقين في المتاجر الإسرائيلية العثور على “الأسد الصاعد” (في إشارة إلى الاسم الذي أطلقته إسرائيل على حربها مع إيران في حزيران)، وهي مغلفة بصور لجنود وقاذفات قنابل من طراز “بي – 2” وطائرات “إف – 15” وهي في “طريقها لقصف إيران”.
وفي أحد مقاهي تل أبيب، يجد المرء نوعاً من حلوى بروفيتيرول تحمل اسم جندي قتل، وهو اتجاه واسع الانتشار مؤخراً في إسرائيل يتمثل في تسمية الأطعمة والمشروبات بأسماء القتلى “تكريماً” لذكراهم.
ولا تترك النزعة العسكرية المفرطة مجالاً لأي شيء سوى الحرب الأبدية.
وبالفعل، اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهذا الأمر في أيلول الماضي، عندما جادل بأن على إسرائيل أن تصبح “سوبر إسبرطة”، وذلك عبر تأمين الاعتماد الذاتي اقتصادياً وتوسيع الإنتاج المحلي للأسلحة، لمواجهة “العزلة الدبلوماسية” المتزايدة التي تعاني منها البلاد.
وفقط من خلال تفكيك هذه الأيديولوجيا – ولا سيما الأسطورة القائلة إن النزعة العسكرية الصهيونية تضمن سلامة اليهود بدلاً من تهديدها – يمكننا البدء في التحرك نحو مستقبل مختلف، أكثر عدلاً وازدهاراً، لكل من اليهود والفلسطينيين على حد سواء.
—————-انتهت النشرة—————–

