صناديق الإقتراع تلاحق ترامب في الانتخابات النصفية

كتب إسماعيل الريماوي: لا تُختزل الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة في كونها استحقاقا دوريا لتجديد مقاعد الكونغرس، بل تمثل لحظة سياسية مكثفة تتحول فيها إرادة الناخبين إلى أداة محاسبة مباشرة للرئيس، حتى وإن لم يكن اسمه مدرجا على بطاقات الاقتراع، إنها في جوهرها، استفتاء غير معلن على مجمل السياسات التي انتهجتها الإدارة الحاكمة، وعلى قدرتها في إدارة التوازنات الداخلية والخارجية في آن واحد.

في هذا السياق، يدخل دونالد ترامب هذه الانتخابات محمّلا بإرث سياسي ثقيل، تتداخل فيه قراراته الخارجية المثيرة للجدل مع سياساته الداخلية التي أحدثت انقساما حادا داخل المجتمع الأميركي، فالتصعيد مع إيران، وما رافقه من تهديدات مفتوحة واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية كبيرة ،لا يلقى قبولا واسعا لدى شريحة معتبرة من الأميركيين الذين أنهكتهم حروب طويلة ومكلفة، ولم يعودوا يرون في التدخلات العسكرية الخارجية حلا لمشاكل الأمن القومي، اما إسرائيل والسياسية الأمريكية تجاهها فقد بدات تتغيير والكثير من الأمريكيين اصبح يعتبرها عبئا سياسيا واقتصاديا على الولايات المتحدة، وهنا القلق الشعبي لا يقتصر على النخب السياسية، بل يمتد إلى القاعدة الانتخابية التي باتت أكثر ميلا إلى الانكفاء الداخلي ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وقضايا الهجرة داخليا اكثر .
وفي موازاة ذلك، تبدو صورة الولايات المتحدة على الساحة الدولية أقل تماسكا مما كانت عليه، في ظل توترات متصاعدة مع حلفاء تقليديين في أوروبا، وخطاب سياسي اتسم في كثير من الأحيان بنزعة أحادية واستعلائية، مثل هذه السياسات لا تنعكس فقط على مكانة واشنطن عالميا، بل تجد طريقها إلى الداخل الأميركي، حيث تتحول إلى مادة للجدل والمساءلة، خصوصا عندما ترتبط بتكاليف اقتصادية أو انعكاسات استراتيجية غير واضحة.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن السياسات القائمة على فرض الرسوم والضرائب الحمائية تثير جدلا واسعا بين من يراها حماية للصناعة الوطنية ومن يعتبرها عبئا إضافيا على المستهلك الأميركي، وفي ظل ضغوط التضخم وتذبذب الأسواق، تصبح هذه الخيارات الاقتصادية عاملا مؤثرا في سلوك الناخبين، الذين يميلون في مثل هذه اللحظات إلى معاقبة الحزب الحاكم إذا شعروا بتراجع في قدرتهم المعيشية.
ولا يمكن إغفال تأثير القضايا الجدلية التي تلاحق النخبة السياسية، والتي تعود إلى الواجهة مع اقتراب أي استحقاق انتخابي، فملفات حساسة مثل قضية إبستين، وما أثير حولها من علاقات وتشابكات، تُستخدم في الصراع السياسي والإعلامي، وتُسهم في تعميق فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات، حتى وإن لم تُحسم قانونيا بشكل قاطع.
ورغم كل هذه العوامل، يبقى المشهد الانتخابي الأميركي محكوما أيضا بقواعد بنيوية راسخة، من أبرزها ميل الناخبين إلى إعادة التوازن للسلطة من خلال تقليص نفوذ حزب الرئيس في الكونغرس، فالتاريخ الانتخابي يشير بوضوح إلى أن حزب الرئيس يخسر في المتوسط عددا معتبرا من المقاعد في انتخابات التجديد النصفي، في تعبير عن نزعة أميركية تقليدية لعدم تركيز السلطة بيد طرف واحد.
لكن ما يمنح هذه الانتخابات طابعا أكثر تعقيدا هو معركة الدوائر الانتخابية، التي تحولت إلى ساحة صراع مبكر بين الحزبين، فإعادة ترسيم هذه الدوائر، التي يفترض أن تتم كل عشر سنوات بعد الإحصاء السكاني، أصبحت في بعض الولايات أداة سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية بما يخدم مصالح الحزب المسيطر على المجالس التشريعية المحلية، وقد سعى الجمهوريون، بدعم من ترامب، إلى استغلال هذا الهامش القانوني لإعادة رسم بعض الدوائر في منتصف العقد، في محاولة لتقليص الخسائر المتوقعة أو حتى تحقيق مكاسب غير متوقعة.
غير أن هذا المسار يواجه تحديات قانونية وسياسية، إذ تفرض بعض الولايات قيودا صارمة على إعادة الترسيم خارج الإطار الزمني المحدد، بينما تشترط ولايات أخرى تدخلا قضائيا، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد آثارها إلى ما بعد يوم الاقتراع.
في المحصلة، تبدو الانتخابات النصفية المقبلة وكأنها مواجهة مفتوحة بين اتجاهين داخل المجتمع الأميركي: اتجاه يرى في سياسات ترامب تعبيرا عن الحزم واستعادة الهيبة، وآخر يعتبرها مغامرة غير محسوبة تضع البلاد على حافة أزمات داخلية وخارجية، وبين هذين الاتجاهين، سيحدد الناخب الأميركي ليس فقط شكل الكونغرس القادم، بل أيضا ملامح المرحلة السياسية المقبلة، وربما مصير الرئاسة نفسها في الاستحقاق اللاحق.
في هذه اللحظة، لا يصوت الأميركيون لمرشحين بقدر ما يصوتون على فكرة، وعلى نهج حكم، وعلى سؤال جوهري: هل ما زالت السياسات الحالية قادرة على إقناع الداخل قبل الخارج، أم أن الوقت قد حان لإعادة ضبط البوصلة؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر  المسار الإخباري

Share This Article