الأسرى” ونادي الأسير: زيارات لعدد من معتقلي غزة تُظهر حجم الإبادة الحاصلة في السجون

المسار :  بعد مرور نحو ثلاثة أعوام على جريمة الإبادة الجماعية، تبقى إفادات معتقلي غزة في سجون الاحتلال الإسرائيلي ومعسكراته هي الأشدّ والأقسى، والشاهد الأبرز على الإبادة الحاصلة في السجون، حيث تواصل سلطات الاحتلال اعتقال المئات من أبناء غزة، من بينهم (1283) معتقلاً يصنّفهم تحت مسمى “المقاتلين غير الشرعيين”، أي أنهم محتجزون دون تهم واضحة أو ادعاءات قانونية محددة.

وضمن سلسلة زيارات أجرتها مؤخراً مجموعة من المحامين لعدد من معتقلي غزة في سجني “النقب” و”الرملة” – قسم “ركيفت” وعيادة سجن الرملة – عادت الروايات الصادمة من قسم “ركيفت” لتكشف مجدداً عن المستوى الأخطر من سياسات التعذيب والتنكيل التي لا تزال منظومة السجون تفرضها بحق المعتقلين القابعين فيه. وتخصص إدارة السجون هذا القسم للمصنفين “مقاتلين غير شرعيين”، أي المحتجزين إدارياً، إلى جانب قسم آخر للمعتقلين الذين يخضعون للمحاكمات.

وبيّنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير، في تقرير صدر عنهما اليوم الاثنين، أن المعتقلين في قسم “ركيفت” أكدوا تعرضهم لجملة من السياسات والإجراءات القمعية، أبرزها: الضرب والتنكيل اليومي، وتعمد السجانين استخدام سياسة كسر الأصابع كإحدى أدوات “العقاب” والتعذيب الممنهج، لا سيما بحق المعتقلين الخاضعين للمحاكمات. كما يتعمد السجانون استخدام القيود وسيلة تعذيب، عبر شدّها بصورة متعمدة بما يؤدي إلى احتقان الدم في الأطراف والتسبب في آلام شديدة.

وخلال الخروج إلى “الفورة”، يُجبر المعتقلون على البقاء مكبّلي الأيدي، ويُمنعون من رفع رؤوسهم أو التحدث فيما بينهم.

ويُحتجز في كل زنزانة أربعة أسرى؛ ثلاثة منهم ينامون على الأسرّة الحديدية، فيما يضطر الرابع إلى النوم على الأرض. كما يُمنع الأسرى من الحديث داخل الزنازين، وتُسحب الفرشات يومياً منذ الرابعة فجراً حتى الحادية عشرة ليلاً، ما يجبرهم على الجلوس لساعات طويلة على هياكل الأسرّة الحديدية.

ولا تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل تشمل استمرار الشتائم والإهانات والتهديد بالضرب قبل الزيارات، في محاولة لترهيب المعتقلين ومنعهم من الحديث عن أوضاع السجن أو ظروفهم الصحية والمعيشية.

كما يُحرم المعتقلون من أداء الصلاة، وتنعدم مقومات النظافة العامة، إلى جانب الحرمان الممنهج من العلاج. وتتعمد إدارة السجن توزيع معجون الأسنان دون توفير فراشي أسنان، فيما توزع لفة محارم واحدة فقط لأربعة أسرى كل يومين.

وروى عدد من المعتقلين تفاصيل مروعة عن ظروف اعتقالهم وأساليب التعذيب التي تعرضوا لها منذ اللحظة الأولى للاعتقال. وأفاد العديد منهم بخضوعهم لتحقيق “عسكري” تخلله عمليات شبح وضرب مبرح لأيام متواصلة، وأوضح أحد المعتقلين أن المحققين تعمدوا ضربه على المناطق الحساسة من جسده بهدف انتزاع اعترافات منه، إضافة إلى إبقائه معصوب العينين طوال فترة التحقيق وتهديده بآلة حادة. وعقب نقله إلى قسم “ركيفت”، تعرض لكسر في أحد أصابعه.

فيما أفاد معتقل آخر بأن الضرب الشديد والتعذيب تسببا في فقدانه الإحساس في قدميه.

وفي سجن “النقب”، أكد المعتقلون أنه خلال فترة الحرب الأخيرة حُرموا من “الفورة”، كما مُنعوا لفترات طويلة من الاستحمام، إلى جانب تعرضهم المستمر لعمليات القمع والضرب.

وأشاروا إلى أنهم، منذ ثمانية أشهر، يضطرون إلى تجميع وجبات الطعام والصيام لساعات طويلة بسبب شحّ الطعام، إذ إن الوجبة الواحدة لا تكفي طفلاً.

وتستمر الكارثة الصحية الناتجة عن انتشار مرض السكابيوس (الجرب) داخل السجن، إذ يعاني عدد كبير منهم، منذ شهور، المرض بدرجات متفاوتة، وجميعهم يشكون من حكة شديدة، علماً أن العديد ممن تعافوا منه أُصيبوا به مجدداً، في ظل استمرار الحرمان من العلاج اللازم والضروري.

وإلى جانب ذلك، لا تزال منظومة من السياسات اليومية المهينة تُفرض بحق الأسرى، من أبرزها إجبارهم على الركوع أثناء “العدد” أو خلال عمليات التفتيش، فضلاً عن تعمد إطلاق الرصاص المطاطي بصورة عشوائية داخل الأقسام؛ حيث أفاد أحد الأسرى بإصابته بثلاث رصاصات مطاطية في قدمه اليسرى.

وفي زيارة لأحد معتقلي غزة في “عيادة سجن الرملة”، أكد أنه نُقل إلى العيادة بعد تعرضه لتعذيب شديد، وأن الضرب المبرح الذي تعرض له تسبب في إصابته في الكبد، ما استدعى خضوعه لعملية جراحية. ولا يزال عدد من معتقلي غزة يقبعون في “عيادة سجن الرملة”، من بينهم معتقل يعاني الشلل.

وأكدت المؤسستان، أن إفادات معتقلي غزة تكشف في كل مرة عن مستوى غير مسبوق من الجرائم المنظمة التي تمارسها منظومة السجون الإسرائيلية بحقهم، والتي تشمل التعذيب الممنهج، والتجويع، والحرمان من العلاج، والإذلال اليومي، لتكون بمجملها ضمن نظام التعذيب البنيوي القائم في السجون، شكلاً آخر من أشكال جريمة الإبادة الجماعية.

وشددت المؤسستان على أن استمرار احتجاز معتقلي غزة تحت تصنيف “المقاتل غير الشرعي” شكّل غطاءً لتوسيع جرائم الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب، بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة دولية فعلية.

وجددت المؤسستان مطالبتهما للمنظومة الحقوقية الدولية ولكل المناصرين للقضية الفلسطينية، بالتدخل العاجل لوقف الجرائم الممنهجة بحقّ الأسرى والمعتقلين والإبادة المستمرة بحقّهم، والكشف عن مصير معتقلي غزة الذين يواصل الاحتلال إخفاء العديد منهم قسراً

Share This Article