كتبت ريما نزال : غزة التي تعب العالم من موتها

المسار : مرة أخرى، تتراجع غزة إلى الهامش، لا لأن شلال الدم توقف، ولا لأن حرب الإبادة انتهت، بل لأن العالم انتقل إلى شاشة أخرى. وعليه، إيران ولبنان يستحقان تصدر العناوين واستدعاء التحليلات. أما غزة، فقد أصبحت بالنسبة لكثيرين خبراً قديماً، موتاً مكرراً فقد عنصر الإثارة السياسية والإعلامية، رغم أن ما يجري في إيران ولبنان مرتبط بإحكام وغير منعزل عمّا يجري في غزة، البحث عن اليد الإسرائيلية في المشهد.

يتجاهل العالم، بأن الأمر لم يعد مقتصراً في غزة على عمليات عسكرية عابرة، بل بات الهدف الإسرائيلي يدور بوضوح عن توسيع فرض سيطرة أمنية وعسكرية طويلة الأمد على ما يقارب 70٪ من مساحة القطاع، عبر مناطق عازلة وأحزمة أمنية وتفريغ واسع للمناطق السكنية. وهذا لا يعني فقط اقتطاع الأرض، بل يعني عملياً توسيع دائرة التهجير والنزوح، بل إعادة إنتاج المأساة الفلسطينية مرة أخرى داخل القطاع نفسه.

فإن ما يتبقى فعلياً للسكان المقدر عددهم ب 2.1 مليون نسمة على مساحة لا تتجاوز 110 كيلومترات مربعة، مما يضاعف نسبة الكثافة السكانية إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل حرب الإبادة. ليصبح السؤال: كيف يمكن لأكثر من مليوني إنسان أن يعيشوا في هذا الحيز الخانق بعد كل هذا الدمار؟ وكيف يمكن لمدينة مدمرة، بلا بنية تحتية ولا ماء ولا كهرباء ولا مساكن كافية، أن تتحول إلى مكان صالح للحياة البشرية؟

يتجاهل العالم، أن الناس الذين اقتُلعوا من بيوتهم تحت القصف، يجدون أنفسهم اليوم مهددين بألا يعودوا إليها أصلاً، وكأن اسرائيل لا تكتفي بالقتل، بل تسعى أيضاً إلى محو المكان والذاكرة وإعادة رسم الجغرافيا بقوة النار والجوع والخوف.

لقد أصبح الناس في غزة اليوم لا يبحثون عن الحياة بمعناها الكامل، بل عن شروط البقاء الأولية فقط: مكان آمن، ماء صالح للشرب، بعض الحطب لإشعال نار صغيرة لطهي الطعام في حال وجوده، في غزة اليوم تتحول التفاصيل الأكثر بساطة إلى معركة يومية مرهقة، بينما يقف العالم متفرجاً على شعب يُدفع تدريجياً إلى حافة العدم الإنساني.

والمفارقة القاسية أن هذا كله يحدث فيما تواصل المؤسسات الدولية اجتماعاتها ولجانها وخطاباتها عن السلام والاستقرار، كأن السلام بات يُدار للحفاظ على أنقاض غزة؛ وليس من أجل إنقاذها منه.

وهكذا يثبت من جديد: أن الاهتمام العالمي لا يلحق العدالة والبحث عن الجذور، بل يلحق الدم حين يكون طازجاً فقط. في غزة، لا تزال آلة الحرب الإسرائيلية تعمل بكامل طاقتها على استكمال المهام: قتل، قصف، تجويع، تدمير ممنهج للمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، قتل للمدنيين وهم ينتظرون المساعدات، حصار يخنق الحياة، ونزوح لا ينتهي من خيمة إلى خيمة، ومن ركام إلى ركام، ومدينة كاملة منهكة نفسيا وإنسانياً، فيما تتصرف الدول كالتي أصابها الإنهاك من رؤية الضحايا أنفسهم.

لقد تابعت غزة الإحاطة التي قدمها مبعوث الأمم المتحدة السابق نيكولاي ميلادينوف أمام مجلس الأمن، مذكراً بحجم الكارثة الإنسانية والانهيار الشامل الذي تعيشه غزة، لم يتبع الكلمات أي فعل حقيقي. كالعادة، استمع المجلس، أخذ علماً، عبّر عن القلق، ثم مضى إلى ملف آخر، وتبقى غزة بقضها وقضيضها خارج الصورة، خارج الأولويات، خارج المؤتمرات، خارج الاهتمام، بمثابة مهلة أمام الاحتلال لإنجاز مهمته.

 

المشكلة لم تعد فقط في العجز الدولي، بل في اعتياد العالم على الجريمة الإسرائيلية. لقد نجحت إسرائيل، عبر التكرار والإفراط في العنف، في تحويل الإبادة إلى مشهد يومي مألوف، وفي جعل قتل الفلسطينيين حدثاً لا يوقظ الضمير إلا مؤقتاً.

إن المسألة في قطاع غزة ليست ترتيبات أمنية كما تحاول إسرائيل تقديمها، بل دفع جماعي نحو الاختناق الإنساني، وتحويل غزة إلى مساحة مكتظة بالبؤس والجوع واليأس، بما يجعل التهجير يبدو لاحقاً وكأنه الحل الوحيد أمام الناس المنهكين، وهكذا يصبح تقليص الجغرافيا جزءاً من الحرب نفسها، لا مجرد نتيجة لها.

تختفي أسماء الشهداء بسرعة، وتُختزل المأساة في أرقام باردة، بينما يعيش الناس في القطاع أقصى درجات الإهانة البشرية: البحث عن الماء، وعن الخبز، وعن مكان يصلح للبقاء أحياء يوماً إضافياً. كأن المطلوب من غزة ألا تموت فقط، بل أن تموت بصمت أيضاً، كي لا تزعج النظام الدولي المتخم بالحسابات والمصالح.

لكن غزة ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه. هي ليست ملفاً إنسانياً عابراً، ولا أزمة قابلة للتأجيل حتى تهدأ حرائق المنطقة. غزة اليوم هي الامتحان الأخلاقي والسياسي للعالم كله؛ كانت سابقا وستبقى الامتحان الذي يسقط فيه المجتمع الدولي كل يوم، حين يسمح باستمرار الجريمة دون محاسبة، وحين يتعامل مع الفلسطينيين كضحايا فائضين عن الحاجة الإنسانية.

لا بد من العودة إلى غزة. إلى الناس الذين يُقتلون بعيداً عن الكاميرات، وإلى الحقيقة التي يحاول الضجيج الإقليمي دفنها: أن هناك شعباً يُباد ببطء، بينما العالم يبدّل قنوات اهتمامه فقط. بينما غزة التي تنتظر الحق في العدالة، لا تحتاج الشفقة. إنها تحتاج إلى انتباه العالم واستعادة إنسانيته

Share This Article