كتب اسماعيل الريماوي:”ترامب صديقكم الأخير”… هل بدأ العد التنازلي للدعم الأميركي لإسرائيل؟

المسار : لم يكن التحذير المنسوب إلى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، بأن “الرئيس ترامب هو صديقكم الأخير”، مجرد عبارة عابرة، بل يعكس تحولًا أعمق في البيئة السياسية الأميركية، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الدعم التقليدي الذي تمتعت به إسرائيل لعقود داخل واشنطن.

فعلى امتداد سنوات طويلة، كانت إسرائيل تُعد قضية تحظى بإجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما كان أي خلاف يقتصر على تفاصيل السياسة لا على جوهر التحالف، غير أن السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد الحرب على غزة، كشفت عن تصدعات غير مسبوقة داخل هذا الإجماع التاريخي.
داخل الحزب الديمقراطي، لم يعد النقد مقتصرًا على أوساط النشطاء أو الجامعات، بل بات جزءًا من خطاب شخصيات وازنة داخل الحزب، مع صعود التيار التقدمي الذي يرى أن الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل يتعارض مع قيم حقوق الإنسان والقانون الدولي، وأصبح كثير من القيادات الديمقراطية يجدون أنفسهم أمام قواعد انتخابية أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، الأمر الذي يفرض عليهم إعادة صياغة خطابهم تجاه تل أبيب.
أما الحزب الجمهوري، الذي لطالما اعتُبر الحليف الأكثر صلابة لإسرائيل، فهو الآخر يشهد تحولات لافتة، فمع صعود حركة “أميركا أولًا” (ميجا)، برز تيار يرفض الانخراط في الصراعات الخارجية، ويرى أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، لا للاستمرار في تقديم دعم مفتوح لحلفاء الخارج مهما كانت طبيعة العلاقة معهم.
صحيح أن دونالد ترامب قدّم لإسرائيل خلال ولايته الأولى مكاسب استراتيجية غير مسبوقة، أبرزها الاعتراف بالقدس عاصمة لها ونقل السفارة الأميركية إليها، إلا أن هذا الدعم ارتبط إلى حد كبير بشخصه وبنهجه السياسي، وليس بتحول دائم في المزاج الأميركي، ولذلك فإن القول إن “ترامب هو صديقكم الأخير” يعكس خشية إسرائيلية من أن يكون الدعم الحالي استثناءً لا قاعدة، وأن مرحلة ما بعد ترامب قد تحمل واقعًا سياسيًا مختلفًا.
وتزداد هذه المخاوف مع تنامي أصوات داخل اليمين الأميركي تتهم إسرائيل بأنها تجر الولايات المتحدة إلى مواجهات لا تخدم المصلحة الأميركية، بينما تتوسع في المقابل الانتقادات القادمة من اليسار بشأن الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
ورغم أن الحديث عن انهيار التحالف الأميركي الإسرائيلي يبقى سابقًا لأوانه، فإن المؤشرات الحالية تدل على أن هذا التحالف لم يعد يتمتع بالحصانة السياسية التي عرفها في العقود الماضية، فالمشهد الأميركي يتغير، والأجيال الجديدة داخل الحزبين تنظر إلى العلاقة مع إسرائيل من زاوية مختلفة، أقل ارتباطًا بالاعتبارات الأيديولوجية وأكثر ارتباطًا بحسابات المصالح والقيم والرأي العام.

إن أخطر ما تواجهه إسرائيل اليوم ليس فقدان دعم إدارة بعينها، بل تآكل الإجماع الأميركي التاريخي حولها، وإذا استمرت سياساتها الحالية، خصوصًا في الأراضي الفلسطينية، فإنها قد تجد نفسها أمام واقع جديد تصبح فيه العلاقة مع واشنطن محل جدل سياسي دائم، لا حقيقة ثابتة كما كانت في الماضي وعندها، قد لا يكون السؤال من هو “الصديق الأخير”، بل كيف وصلت إسرائيل إلى مرحلة أصبح فيها دعمها داخل الولايات المتحدة موضع انقسام بعد أن كان أحد أكثر الملفات رسوخًا في السياسة الأميركية.
لم تعد إسرائيل تواجه فقط تحديات ميدانية أو انتقادات دولية متزايدة، بل بدأت تخسر ما كان يُعد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية: الإجماع الأميركي على دعمها، فعندما يصدر التحذير من داخل الأوساط القريبة من الحزب الجمهوري بأن “ترامب هو صديقكم الأخير”، فإن الرسالة تتجاوز شخص الرئيس لتشير إلى تحول بنيوي في المزاج السياسي الأميركي، فالدعم الذي اعتادت إسرائيل اعتباره حقًا مكتسبًا لم يعد مضمونًا، والأجيال الجديدة في الحزبين أصبحت أكثر استعدادًا لمساءلة سياسات الاحتلال وكلفتها على المصالح الأميركية.
قد تبقى الشراكة بين واشنطن وتل أبيب قائمة لسنوات، لكن زمن الدعم المطلق وغير المشروط يبدو أنه يقترب من نهايته، وكلما أصرت الحكومات الإسرائيلية على المضي في سياسات الحرب والاستيطان وتجاهل الحقوق الفلسطينية، فإنها لا تعمّق عزلتها الدولية فحسب، بل تسرّع أيضًا تآكل رصيدها داخل الدولة التي شكلت لعقود الضامن الأكبر لأمنها وتفوقها السياسي والعسكري، وربما يكون التحذير بأن “ترامب هو صديقكم الأخير” ليس مجرد توصيف لمرحلة سياسية، بل إنذارًا بأن إسرائيل تقف أمام بداية نهاية حقبة من الامتيازات الاستثنائية التي تمتعت بها في الولايات المتحدة، وأن المستقبل قد يفرض عليها واقعًا لم تعتد التعامل معه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار 

Share This Article