اليسار الصهيوني لا يفوّت فرصة لخذلان المواطن الفلسطيني في الداخل، وقبل ذلك لخذلان نفسه

سماح سلايمة|ناشطة سياسية ونسوية، وكاتبة مقالات رأي، من سكان واحة السلام – نيفيه شالوم.

المسار: أودّ أن أستهلّ حديثي بالتعبير عن خالص امتناني على علامة “ناجح” التي منحنا إياها رفيف دروكر في امتحان المواطنة، وعلى وسام التقدير الخاص الذي منحه لقيادات المجتمع العربي في إسرائيل تقديرًا لـ”حسن السلوك” منذ السابع من أكتوبر. لقد أثّرت فيّ كلماته حتى كادت تدمع لها العينان. “العرب نجحوا في استفزاز بن غفير”، قال المعلّق المختص بشؤون اليساريين التائهين. من المؤسف أنه لم يشر إلى أن هذا الانضباط الاستثنائي الذي أبديناه لم يأتِ من فراغ، بل جاء في ظلّ آلة التحريض والتسميم التي سخّرها المجتمع الإسرائيلي بأسره ضد المجتمع العربي.

في ذاكرتنا الجمعية ترقد ثمانية وسبعون عامًا من الحياة بوصفنا “غير يهود”، في ظل دولة قومية للشعب المختار. صدّقني يا دروكر، إنها مهمة شاقة. فقد طوّر المجتمع العربي في إسرائيل مهارات خاصة للبقاء والنجاح في كنف صهيون. وكل طبيب عربي ناشئ يدرك، تمامًا كما كان يدرك الطبيب اليهودي في أوروبا الثلاثينيات، معنى النجاح والخطر الكامن فيه في ظل العنصرية السائدة هنا.

في عام 2020، سار قادة القائمة المشتركة الأربعة إلى بيت الرئيس وأوصوا بتكليف بني غانتس. لكن ذلك الفزّاعة جبن في اللحظة الحاسمة، ودخل تحت النقالة، وقرّر أن يلوّث نفسه في حضن بنيامين نتنياهو بدل أن يكون حامل بشارة الأمل والتغيير. فهل كانت تلك أيضًا غلطة العرب؟

نسيتَ يا دروكر أننا، قبل خمس سنوات، ابتلعنا الحبة المُرّة المتمثلة في رئيس مجلس “ييشع” السابق، نفتالي بينيت. ذلك بينيت نفسه الذي أبدى، خلال العامين والنصف الأخيرين، حماسةً واضحة لدعم الإبادة الجماعية في غزة. أما يائير لبيد، فقد صرّح في مقابلة إذاعية بالعربية بأن الشراكة مع حزب عربي كانت خطأ.

حتى أفيغدور ليبرمان حصل على شهادة “حلال” معتمدة من مجلس الشورى التابع للقائمة العربية الموحدة، في سبيل استبدال حكم نتنياهو. ولعشاق الحقائق بيننا، لا بد من التذكير بأن حكومة “التغيير” أسقطها منشقون يهود “كوشير” من معسكر بينيت، وهم اليوم مهرّجو بلاط نتنياهو. أما الخونة، فلم يكونوا أعضاء الكنيست العرب.

ومع ذلك، وعلى الرغم من استمرار الإبادة الجماعية في غزة، واستمرار احتلال نصف لبنان، واستمرار إسرائيل في التطلع إلى تجديد الحرب على إيران، لا يوجد قائد واحد في الأحزاب العربية الأربعة، أو في لجنة المتابعة، أو في لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، لا يرى نفسه ملتزمًا أخلاقيًا بالعمل على استبدال هذه الحكومة.

إن معسكر التغيير المتخيَّل الذي يتحدث عنه دروكر لا يمكن أن يوجد من دون قائمة مشتركة قوية، وهي ستقوم لا محالة. وبكل ما في الأمر من جرأة، يطلب من الناخبين العرب، في ذروة الغطرسة التي يتسم بها اليساري المتعلم، أن “يتصرفوا بمسؤولية” وأن ينكمشوا؛ أن يكونوا أصغر حجمًا وأضعف سياسيًا في دولة لا تعبد إلا القوة، وتتفاخر بالاغتيالات وبمحو كل من يعارضها.

لم يعد ما يُسمّى بالمعسكر الديمقراطي بحاجة إلى “عربية صالحة ترتدي الحجاب” على قائمته. فمنذ أيام دافيد بن غوريون وحتى اليوم، جُرِّبت حيلة “العربي المناوب” مرارًا. لكنها لا تنجح يا أصدقاء. كفى. وبأي حق، أصلًا، يسمح البعض لأنفسهم بفرزنا وتصنيفنا إلى عربي جيد وعربي سيئ، في وقتٍ يحدّد فيه الحكم القائم من حولنا أن العربي الجيد هو العربي الميت؟ إن الديمقراطيين في إسرائيل بحاجة إلى شركاء عرب أقوياء وشجعان. فالتضامن، والشراكة، والاحترام المتبادل، هي النور الحقيقي.هذا المعسكر يحتاج إلى أن يقيم مقره في شفا عمرو، والناصرة، وأم الفحم.

إن القراءة التي بنى عليها رفيف دروكر استنتاجاته من معطيات يوسف مكلدة قد تُضلّل العقل اليهودي، لكنها لا تُضلّل العقل والوجدان العربي. فمكلدة نفسه يقول إن أكثر من 85% من الناخبين العرب يريدون إعادة تشكيل القائمة المشتركة، وإن خريطة المعسكرات السياسية لا تترك أي سبيل لاستبدال الحكم من دونها.

وقد أقنع مقلدة دروكر بأن قائمة مشتركة قوية قد تمنح المجتمع العربي 16 مقعدًا، وأنها ستسحب أصواتًا من حزب نائب رئيس الأركان السابق يائير غولان. وهكذا يبدأ، منذ الآن، إعداد سيناريو تحميل المسؤولية للعرب.

أما حمامة السلام التي يُفترض أن نضحّي من أجلها بالقائمة المشتركة، فقد قالت: “لا يجوز السماح لنتنياهو بإدارة الحرب المقبلة لإسرائيل”. وبعبارة أخرى: ستكون هناك حروب، لكن القائد سيتغير. لا سلام، ولا تسوية سياسية، ولا إنهاء للاحتلال. مجرد حرب أخرى بنكهة يسارية، مع مسحة ديمقراطية.

إن تفكيك القائمة المشتركة لا يعني بالضرورة أن الناخبين العرب سيلقون بأنفسهم في أحضان الأحزاب الصهيونية. فمعظم الناخبين العرب، الذين يقفون أصلًا على حافة اليأس، لن ينهضوا من الأريكة للتصويت لـ”الديمقراطيين”. أما المقعدان اللذان يحتاجهما معسكر التغيير، ففي رأيي، يوجدان في برلين ونيويورك ولشبونة، لا في طمرة أو رهط.

وفي الختام، يبرز السؤال الآتي: إذا تحققت خطة رئيس الحكومة بإخراج القائمة العربية الموحدة إلى خارج القانون، فهل سيقف نفتالي بينيت موقفًا حازمًا دفاعًا عنها؟ وهل سيحتشد يائير لبيد في أروقة المحكمة العليا؟ أم أن أول من سيصل إلى هناك سيكون سامي أبو شحادة وأحمد الطيبي؟

 

Share This Article