عندما وقعت نكبة عام 1948 لم يخسر الفلسطينيون أرضهم فقط، بل ولد في المشرق العربي حدث مؤسس أعاد تعريف السياسة والثقافة والهوية في المنطقة بأسرها.
المسار: ليست القضايا الكبرى مجرد أحداث سياسية تعيش في أرشيف التاريخ، بل هي أفكار تسكن وجدان الشعوب وتشارك في تشكيل صورتها عن نفسها وعن العالم. وعندما تتغير مكانة قضية ما داخل الضمير الجمعي لأمة بأكملها، فإن الأمر لا يكون مجرد تبدل في المواقف السياسية، بل تحوّلاً في بنية الوعي ذاتها.
من هنا تبرز الإشكالية التي تحاول هذه الدراسة مقاربتها: كيف انتقلت فلسطين خلال نصف قرن من موقع القضية المؤسسة للهوية العربية الحديثة إلى القضية المركزية أخلاقياً ووجدانياً، لكنها لم تعد الحاسمة في ترتيب أولويات قطاعات واسعة من المجتمعات العربية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من إسرائيل، ولا من اتفاقيات التطبيع، ولا حتى من الصراعات الإقليمية الراهنة، بل تبدأ من فهم الدور الذي لعبته فلسطين نفسها في تشكيل الوعي العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
فلسطين: من أزمة هوية إلى قضية سياسية
عندما وقعت نكبة عام 1948 لم يخسر الفلسطينيون أرضهم فقط، بل ولد في المشرق العربي حدث مؤسس أعاد تعريف السياسة والثقافة والهوية في المنطقة بأسرها.
كانت المجتمعات العربية الخارجة لتوها من حقبة الاستعمار الأوروبي تبحث عن مشروع جامع يتجاوز الحدود التي رسمتها اتفاقيات التقسيم والنفوذ. ولم تكن الدولة الوطنية العربية قد استقرت بعد بوصفها إطاراً نهائياً للهوية. ولهذا وجدت أجيال كاملة في فلسطين معنى يتجاوز الجغرافيا والسياسة.
تحولت فلسطين إلى مرآة عكست أسئلة العرب الكبرى: من نحن؟ ولماذا تأخرنا؟ وكيف نستعيد مكانتنا في التاريخ؟
لذلك لم تكن فلسطين مجرد بند في الخطابات الرسمية، بل أصبحت جزءاً من الثقافة الشعبية والأدب والشعر والمناهج التعليمية والأغاني الوطنية والخطاب الديني والسياسي على السواء.
كان المواطن العربي يرى في فلسطين قضية تخصه شخصياً، حتى لو لم يزرها يوماً، وحتى لو كانت تفصله عنها آلاف الكيلومترات.
كما اكتسبت فلسطين مكانتها الخاصة من تداخل البعدين القومي والديني في الوعي العربي. فبالنسبة إلى قطاعات واسعة من المسلمين والمسيحيين العرب لم تكن فلسطين مجرد أرض متنازع عليها سياسياً، بل ارتبطت أيضاً برمزية دينية وتاريخية عميقة عززت حضورها الوجداني عبر الأجيال. وقد أسهم هذا التداخل بين الهوية القومية والرمزية الدينية في ترسيخ موقع القضية الفلسطينية داخل الضمير الجمعي العربي طوال عقود.
المقاومة بوصفها وظيفة اجتماعية
في تلك المرحلة لم تكن المقاومة مجرد رد فعل عسكري على الاحتلال. لقد أدت وظيفة اجتماعية وثقافية أعمق.
فالمقاومة منحت الفرد العربي شعوراً بالمشاركة في قضية كبرى تتجاوز حدود حياته اليومية. وكانت تمثل في المخيلة الجماعية صورة الإنسان القادر على رفض الخضوع والتمسك بحقه رغم اختلال موازين القوى. ومن هنا اكتسب المقاوم مكانة رمزية استثنائية.
لم تكن فلسطين مجرد بند في الخطابات الرسمية بل أصبحت جزءاً من الثقافة الشعبية والأدب والشعر والمناهج التعليمية والأغاني الوطنية والخطاب الديني والسياسي على السواء
لم يكن رمز المقاومة يقتصر على الفلسطيني الذي يحمل السلاح، بل كان يمثل فكرة أوسع تتعلق بإمكانية الفعل والتغيير في مواجهة الاحتلال والهيمنة والتبعية. لهذا السبب أصبحت المقاومة جزءاً من تعريف الذات العربية، لا مجرد وسيلة من وسائل الصراع.
كانت المقاومة حاضرة في الأعمال الفنية والمسرحية، في الأناشيد والأغاني، وفي كثير من التفاصيل ذات التأثير في الحياة اليومية لكل مواطن عربي.
سقوط الرواية الرسمية بعد هزيمة 1967.
الهويات الكبرى لا تعيش خارج التاريخ، ففي حزيران عام 1967 تعرض العالم العربي إلى واحدة من أعنف الصدمات في تاريخه الحديث.
لم تكن الهزيمة عسكرية فقط، بل كانت هزيمة للرواية التي بشرت بها الأنظمة العربية طوال سنوات. فشعارات الوحدة والتحرير والتقدم وجدت نفسها أمام اختبار قاسٍ كشف الفجوة بين الخطاب والواقع.
خمسة من الجيوش العربية التي كانت تتولى الدفاع عن القضية المركزية وتشكل صمام أمانها سقطت سقوطا مروعا خلال أقل من خمسة أيام.
المفارقة أن القضية الفلسطينية لم تسقط بعد الهزيمة، لكن جرى اعادة إنتاجها بصورة مختلفة.
ففي الوقت الذي تراجعت فيه الثقة بالمؤسسات الرسمية، بدأت المقاومة الفلسطينية تكتسب شرعية شعبية متزايدة. وتحولت من حركة تحرر فلسطينية إلى رمز عربي واسع يعبر عن رفض الهزيمة والبحث عن بديل للمشروع الرسمي المتعثر.
من هنا يمكن فهم المكانة التي احتلتها المقاومة في الوعي العربي خلال السبعينيات، حين أصبحت معاركها وأخبارها جزءاً من الحياة اليومية لملايين العرب.
تعميم التسوية كخيار بديل للصراع
جاءت حرب تشرين عام 1973 لتمنح العرب مجدداً شعوراً بإمكانية تعديل موازين القوى، لكنها فتحت في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة جديدة قادتها بعض الأنظمة العربية وعنوانها البحث عن التسويات السياسية.
مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد ثم معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية، بدأت للمرة الأولى منذ عام 1948 عملية إعادة تعريف الصراع نفسه.
لم يكن الأمر مجرد اتفاق سياسي بين دولتين، بل تحولاً استراتيجياً عميقاً أخرج أكبر دولة عربية من دائرة المواجهة العسكرية المباشرة.
ثم جاءت اتفاقيات لاحقة لتكرّس تدريجياً منطق التسوية بوصفه أحد الخيارات المطروحة في إدارة الصراع.
جمهورية مصر العربية بثقلها الاقليمي خرجت من دائرة المواجهة العسكرية المباشرة، وانتقلت من منطق الحرب إلى منطق إدارة المصالح.
ولعل أحد أكثر التحولات تأثيراً في تلك المرحلة كان التحول الاقتصادي نفسه. فمع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بدأت العديد من الدول العربية تعيد صياغة أولوياتها على أساس معادلات التنمية والاستقرار وجذب الاستثمارات والاندماج في الاقتصاد العالمي. وبالتدريج لم تعد فلسطين تُقاس فقط بمعايير الحق والعدالة والهوية، بل بدأت تُقاس أيضاً بمعايير الكلفة والعائد والمصلحة الاقتصادية الوطنية. ومن هنا بدأ الاقتصاد السياسي يزاحم الأيديولوجيا في تحديد أولويات القرار العربي، وهو تحول ستكون له آثار بعيدة المدى على الضمير الجمعي للأجيال اللاحقة.
هكذا لم يكن تأثير هذا التحول مقتصراً على السياسة والاقتصاد حصراً، بل امتد إلى الوعي العربي أيضاً.
إذ بدأت فكرة “الصراع العربي الإسرائيلي” تفقد تدريجياً مركزيتها لتحل محلها مقاربات أكثر ارتباطاً بمصالح كل دولة على حدة.
تآكل الوحدة العربية خلال الحرب العراقية – الإيرانية
في الوقت الذي كانت فيه المنطقة تعيد تعريف علاقتها بإسرائيل، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980.
ثماني سنوات من الحرب كانت كافية لإحداث تحولات عميقة في البنية النفسية والسياسية للعالم العربي.
فقد انتقل مركز الاهتمام من فلسطين إلى جبهات أخرى، ومن فكرة العدو الخارجي الواحد إلى شبكة معقدة من الصراعات الإقليمية.
والأهم من ذلك أن الحرب عززت منطق الدولة الوطنية على حساب الفضاء العربي المشترك.
وباتت كل دولة تنظر إلى أمنها واستقرارها ومصالحها باعتبارها الأولوية الأولى، حتى ولو جاء ذلك على حساب القضايا الجامعة التي شكلت الوعي العربي في العقود السابقة. فالأمن الداخلي، الاقتصاد، الاستقرار، وبقاء النظام السياسي باتت أولويات تتقدم على أي مشروع قومي.
ولم يكن المقصود بالمصالح هنا الأمن فقط، بل الاقتصاد أيضاً. فسنوات الحرب والاستنزاف المالي دفعت العديد من الدول العربية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية. وأصبحت الموازنات العامة، ومعدلات النمو، وأسعار النفط، والديون الخارجية، والاستقرار النقدي، عناصر أكثر حضوراً في صناعة القرار من الشعارات القومية التي سادت في العقود السابقة. وهكذا بدأت الدولة العربية تنظر إلى نفسها بوصفها وحدة اقتصادية مستقلة قبل أن تنظر إلى نفسها جزءاً من مشروع عربي أوسع.
عند هذه النقطة تحديداً بدأ التحول السوسيولوجي الأهم. فالأجيال التي عاشت النكبة كانت تنظر إلى نفسها بوصفها جزءاً من أمة عربية تواجه تحدياً تاريخياً مشتركاً.
أما الأجيال التي نشأت في الثمانينيات، فقد بدأت تنظر إلى العالم من خلال حدود الدولة الوطنية وأزماتها الخاصة ومصالحها المباشرة.
لم تختف فلسطين من الوجدان العربي مباشرة، لكنها بدأت تفقد تدريجياً وظيفتها بوصفها العنصر الذي يوحد المجال العربي كله حول سردية مشتركة.
هكذا بدأ الضمير الجمعي العربي يدخل مرحلة جديدة لم يكن كثيرون يدركون ملامحها بعد.
هل تراجعت فلسطين أم تراجعت الهوية الجامعة؟
ربما يكون السؤال الأكثر دقة ليس: لماذا تراجعت فلسطين في الوعي العام العربي؟
بل: لماذا تراجعت الهوية العربية الجامعة التي منحت فلسطين مكانتها المركزية طوال عقود؟
فالقضية الفلسطينية لم تفقد رمزيتها، ولم تتوقف عن إثارة التعاطف الشعبي، لكنها فقدت تدريجياً البيئة الفكرية والثقافية التي كانت تجعلها جزءاً من تعريف الذات العربية.
ومن هنا فإن التحول الذي نشهده اليوم لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة اتفاقيات سياسية فقط، بل باعتباره نتيجة أزمة أعمق أصابت البنية الثقافية التي حملت القضية الفلسطينية طوال النصف الثاني من القرن العشرين.
غير أن هذا الاستنتاج يفتح سؤالاً أكثر تعقيداً:
إذا كانت الهوية العربية المشتركة قد دخلت في مرحلة تراجع طويلة، فمن الذي أعاد تشكيل وعي الأجيال الجديدة؟ وكيف انتقل مفهوم المقاومة من موقع الإجماع النسبي إلى موقع الجدل والانقسام؟
عن الأخبار اللبنانية

