| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 7/6/2026
لم يشهد تاريخ الوسط واليسار مثل نضال الحريديين ضد التجنيد الاجباري
بقلم: جدعون ليفي
امام المبدأ الحريدي، “نموت ولا نتجند”، يقف المبدأ العلماني الصهيوني، “سنتجند ونموت”. ان الاعتقاد بان المبدأ العلماني هو المبدأ الاكثر اخلاقية من بين الاثنين، يشير الى تحريف الاخلاق. المبدأين فيهما عيوب، لكن ليس بنفس القدر. ان قول الحريديين “نموت ولا نتجند” يثير غضب كل علماني. في حين كان ينبغي ان يثير قول “سنتجند ونموت” غضب كل صاحب ضمير.
بالطبع، يمكن تبرير غضب العلمانيين من الحريديين، فهم يستحقونه بجدارة. ان نهج الحريديين يحطم مبدأ المساواة، في حين تعتبر المساواة اهم عنصر في الديمقراطية. ينطلق الحريديون من منطلق متغطرس، مع توهم عالم زائف تعتبر فيه دراسة التوراة أمر مهم جدا للجميع باستثنائهم. وهم على قناعة بانه بفضل ذلك هم ليسوا بحاجة الى المشاركة في أي جهود وطنية. عدم المساواة هذا يصرخ الى عنان السماء.
امامهم يقف الالتزام العلماني بالتجند للجيش، ليس فقط كواجب وطني وضرورة محتمة، بل ايضا كأمر يمكنه أن يعطي ميزات قيمية للمتجند. الخدمة العسكرية تتماهى مع القيم، مع الصهيونية وحتى مع الاخلاق. كل من لا يتجند يعتبر غير اخلاقي. لا يوجد تشويه اكثر من ذلك. يجب على العلمانيين التواضع امام المعسكر الاخر. التزامهم هو امر اشكالي، ولديهم ايضا الكثير ليتعلموه من الحريديين. لم يكن في أي يوم نضال للوسط – يسار، عنيد وموحد، مثلما هي الحال بالنسبة لنضال الحريديين ضد التجنيد الاجباري.
البلاد مدمرة، وتتفشى الفاشية والفصل العنصري والفساد، والعلمانيون ما زالوا يرفعون بتفاخر راية التجنيد الاجباري للجيش كراية وحيدة لهم، تكاد تنفصل عن راية الليبرالية. يبدو ان الحريديين عازمون على الموت وليس التجند، في حين المعسكر الاخر مستعد، ليس فقط للموت من اجل الوطن، بل ايضا من اجل نتنياهو وجنونه الحربي. ان الاستعداد للموت عبثا في حرب خاسرة هو غير اخلاقي. وقد اثبتت السنتين والنصف الاخيرة بان الجنود مستعدين لتنفيذ أي مهمة بدون تفكير. بالنسبة لهم قدسية التجنيد تفوق أي قيمة في العالم، ويسمونها اخلاق.
الجندي الذي اخرج رضيع في الخليل قبل بضعة ايام ليقتله يعتبر اكثر اخلاقية من أي طالب متهرب من المدرسة الدينية. هل هو حقا اكثر اخلاقية؟ عندما سيتم تسريحه سيكون قادر على فعل أي شيء حتى في حياته المدنية. الطيار الذي يقوم بقصف المستشفيات في لبنان بدون هدف، والقائد الذي فرض الحصار على الخليل في هذا الاسبوع، وسائق الجرافة الذي دمر غزة وانتقل الى جنوب لبنان، والمدفعي الذي يستمر بقصف اهداف مدنية بدون هدف، ليسوا اكثر اخلاقية من طالب المدرسة الدينية الذي يتهرب من الخدمة. بأي شكل هم اكثر اخلاقية؟ هل في الطاعة العمياء لتنفيذ اوامر غير قانونية بشكل واضح؟.
واضح ان طلاب المدارس الدينية لا يتهربون من الخدمة بسبب الطبيعة الاجرامية للعمليات العسكرية في السنوات الاخيرة، التي تتمثل في الاساس في الحفاظ على الاحتلال وتعميقه وتوسيعه. ولكن هل من المعقول مدح من يفعل ذلك؟. لا جدال في الحاجة الى جيش، لكن حقيقة ان جرائم الجيش الاسرائيلي لم تجعل الاغلبية الساحقة من الجنود يفكرون في المغزى الاخلاقي لتجنيدهم، يجب ان تثير قلق اكبر بكثير من عدم تجنيد الحريديين. لماذا يتطوع الشباب بالتحديد؟ هل لقتل الاطفال الذين يرشقون الحجارة في الضفة الغربية، أو اقتحام البيوت في الليل واختطاف سكانها من الأسرة، أو قصف المدارس في غزة أو في لبنان؟.
لا يجب على أي ليبرالي ان يرغب في رؤية المشاغبين العنيفين الذين اقتحموا منزل القاضي نوعم سولبرغ وهم يخدمون كجنود في المناطق المحتلة. ان مجتمع الحريديين الذي توحد في السنوات الاخيرة مع القومية والعنصرية والاستيطان ايضا، سيخرج جنود سيئين في صفوفه، من النوع الذي لا نرغب على الاطلاق في رؤيته وهو يخدم في الجيش. واذا لم تكن سيطرة المستوطنين على الجيش وتغيير صورته كافية، فسيأتي الحريديون لتشويهه بشكل اكبر. لا، شكرا، يكفينا جنود وحدة الدفاع القطرية.
——————————————
هآرتس 7/6/2026
الاسبوع الماضي كان الاصعب على اسرائيل منذ شهر آذار الماضي على كل الجبهات
بقلم: عاموس هرئيلِ
لقد قتل اربعة ضباط وجنود في الاسبوع الماضي في مواجهات مع حزب الله في جنوب لبنان. وقد قتل جندي آخر نتيجة انفلات رصاصة واصيب عشرات، بعضهم باصابات خطيرة. هذا هو الاسبوع الاصعب في لبنان منذ شهر آذار الماضي. وهذا هو الثمن الذي تدفعه اسرائيل لاستمرار القتال في لبنان. في حملة لم تتضح اهدافها بعد، واستخدام القوة الاسرائيلية فيها اصبح تحت قيود فرضتها الولايات المتحدة.
لقد تراجع حزب الله في يوم الخميس عن الاتفاق الجديد الذي تم التوصل اليه بوساطة امريكية في واشنطن. وقد اعلن الرئيس الامريكي ترامب من جديد عن وقف اطلاق النار بين اسرائيل ولبنان، الذي كان من المفروض في هذه المرة ان ينفذ. وحتى الان يشبه نجاحه نجاح وقف اطلاق النار السابق. وتقر منظمة حزب الله الشيعية اللبنانية، مثل داعميها الايرانيين، رغبة ترامب في التوصل الى اتفاق ينهي القتال في الجبهتين، لذلك تواصل استخدام الضغط العسكري.
هدف حزب الله واضح وهو تحسين الظروف بما يعيد الوضع على الحدود الى ما كان عليه قبل 6 اكتوبر 2023. بكلمات اخرى، سيمنع على اسرائيل مهاجمة رجاله في جنوب لبنان. وفي خضم ذلك يسود الشعور بالضيق في داخل حزب الله نفسه، حيث يتم فقدان عشرات المقاتلين كل اسبوع. ومثلما كان متوقع، فان السيطرة على قلعة شقيف لا تغير مسار الحملة من ناحية استراتيجية. فهي تتيح للجيش الاسرائيلي ميزة تكتيكية تمكنه من احتلال هضبة النبطية المجاورة. ولكن عمليا، خطواته محدودة. فترامب يستخدم ضبط على اسرائيل.
وكما اشار المعلق داني سترينوفيتش أمس (السبت) فان دعم ايران يرتبط بانهيار محتمل لاستراتيجية الوكلاء. فقد قامت ايران ببناء شبكتها من المنظمات المسلحة والارهابية في كل ارجاء الشرق الاوسط لمساعدتها في الردع والدفاع عند الحاجة. وفي نهاية المطاف حصل حزب الله على ضربة قوية من اسرائيل، ولم يقدم أي مساعدة جوهرية لايران في الدفاع عنها. والان تعمل طهران بجهد لمساعدة الحزب على البقاء، لكنها تفعل ذلك من موقع قوة وليس من موقع ضعف.
ان رغبة ترامب في انهاء الحرب واضحة، فالرئيس الامريكي يعبر عن ذلك في كل مناسبة. وايران تعرف امكانية مواصلة الضغط لتحسين الشروط في الخليج ايضا. لذلك، هي تبادر الى اثارة توتر محدود ودائم في مضيق هرمز. ففي الاسبوع الماضي تجرأت على فعل الاسوأ، الامر الذي أدى الى هجمات عدائية ضد دول الخليج القريبة، وابرزها الهجوم الذي ادى الى اصابة العشرات في مطار الكويت الدولي.
في هذا السياق تبرز رغبة ترامب في ابعاد نفسه عن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وكان من ابرز احداث الاسبوع الماضي “مكالمة الشتائم”، التي وجه فيها ترامب عبارات بذيئة لنتنياهو واجبره على الغاء هجوم جوي اسرائيلي كان مخطط له على بيروت. يلمح الرئيس الى انه، بسعي منه لانهاء الحرب وتقليص الخسائر التي لحقت به نتيجة فشله في اسقاط النظام في طهران، لن يتردد في سحق رئيس الحكومة الذي يقف في طريقه. مع ذلك، كالعادة يجب التنويه الى ضرورة الحذر. فقد شهدت العلاقة بين ترامب ونتنياهو توترات في السابق، ودائما نجح نتنياهو في تجاوز هذه الازمة.
اعمال شغب في يوم السبت المقدس
في حين يعيش لبنان حالة جمود دموية، تستمر اعمال العنف في الضفة الغربية. ففي الخليل قتل طفل فلسطيني عمره سبعة اشهر واصيب والده ووالدته عند اطلاق جندي اسرائيلي النار على سيارتهم. وقال الاب في شهادته بانه توقف عندما طلب الجنود منه ذلك، بعد ذلك اطلق الجندي النار على السيارة في وضح النهار من مسافة قصيرة جدا. واعلن الجيش الاسرائيلي بانه سيتم اجراء تحقيق في هذه الحادثة.
في قرية حوارة في جنوب نابلس اندلعت اعمال شغب من قبل المستوطنين أمس، حيث قاموا برشق الحجارة على الفلسطينيين وضرب اثنين بالعصي. ووثقت الكاميرات انضمام جندي لاعمال العنف. وقد اصدر الجيش بيان وصف فيه “مواجهات عنيفة واستخدام العصي بين المدنيين الاسرائيليين والفلسطينيين. والادعاء باصابة عدد من الفلسطينيين معروف لنا”. واعلن المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي عن ادانة شديدة للعنف “بأي شكل من الاشكال، الذي يضر بالامن في المنطقة ويحرف انتباه القادة والمقاتلين عن الانشغال بمهمات الدفاع واحباط الارهاب”.
نشرت صورة مخيفة اخرى في الانترنت نظرا لما تظهره من دلالات. ارهابيون يهود ملثمون يتجمعون في سيارة بيضاء في الطريق لارتكاب مذبحة. صدرت تصريحات صادمة في وسائل الاعلام. يمكن للقراء الاطمئنان: هذه الحوادث ستنسى في الغد عند حلول يوم السبت القادم (لسبب ما تحدث معظم الاحداث في ايام السبت، ولا يكترث المشاغبون حتى بحقيقة انهم كانوا يسافرون في يوم السبت). مشكوك فيه جدا ان يدفع أي متورط، بدءا بالجندي الذي اطلق النار في الخليل وانتهاء بالمهاجمين العنيفين قرب نابلس، ثمن حقيقي لما فعله.
الجيش الاسرائيل منذ حادثة اليئور ازاريا في 2016، لا سيما على خلفية مذبحة 7 اكتوبر، لا يتجرأ على محاكمة الجنود حتى في حالة واضحة لاطلاق النار على المدنيين (قبل ثلاثة اشهر قتل جنود سرية لشرطة الحدود اربعة ابناء عائلة فلسطينية في طمون في شرق نابلس، وتم اغلاق القضية). أما بالنسبة للهجوم العنيف في حوارة فان جميع من يشغلون مناصب في الضفة الغربية – في الجيش الاسرائيلي والشباك والشرطة – يعرفون بشكل جيد ميزان القوة.
المهاجمون هم اعضاء في الجناح العسكري الجديد لمشروع المزارع والتلال. قادة حركة السيطرة على مناطق ب وج وطرد الفلسطينيين سيطلقون بعض التصريحات، لكنهم لن يحركوا ساكنا لكبح جماح هؤلاء المهاجمين. الاكثر اهمية بالنسبة لهم هو تحقيق الهدف: ردع الفلسطينيين وتخويفهم، وخسارتهم بالتدريج لمزيد من الاراضي. في هذه الحملة كل الوسائل مشروعة، حتى لو لم يعترف بذلك علنا الا عدد قليل فقط. يعرف المشاغبون، الذين على الاغلب يطلقون النار على الفلسطينيين بدم بارد، أنهم يحظون بدعم التحالف.
——————————————
القناة 12 العبرية 7/6/2026
التحقيق في الحرب مع إيران
بقلم: د. يوئيل غوزانسكي
بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب الثانية مع إيران، بدأت تتضح الفجوات بين الأهداف المعلنة للجمهور في بدايتها والواقع الذي تلاها. ففي بداية الحملة، طرح رئيس الوزراء وحاشيته سلسلة من الأهداف الطموحة: إزالة التهديد النووي الإيراني، وتحييد التهديد الصاروخي، بل وزعزعة استقرار النظام في طهران، وصولاً إلى إمكانية الإطاحة به. وبناءً على ذلك، طُلب من الشعب الإسرائيلي تحمّل تكاليف أمنية واقتصادية ومدنية مقابل وعد بتغيير استراتيجي عميق في ميزان القوى تجاه إيران.
إلا أن الصورة التي تتبلور اليوم لا تبعث على التفاؤل. فقد نجا النظام الإيراني، بل زاد من تطرف مواقفه، ويزعم حتى أنه استحوذ على أداة استراتيجية مهمة: السيطرة على مضيق هرمز. ولا تزال المكونات الأساسية للبرنامج النووي سليمة، وعلى رأسها نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب. وقد تضررت منظومة الصواريخ الإيرانية، لكن يبدو أنها تتعافى بسرعة. حتى لو تم توقيع اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فمن المشكوك فيه أن يحقق أهداف الحرب المعلنة. في أحسن الأحوال، قد يحد هذا الاتفاق من بعض القدرات الإيرانية ويؤجل بعض التهديدات، لكن من غير المتوقع أن يزيلها تمامًا. هذا يعني أن إسرائيل قد تجد نفسها عاجلاً أم آجلاً أمام جولات إضافية من الحرب.
إلى جانب ذلك، اندلعت الحرب في لبنان، مما زاد من تورط إسرائيل في المنطقة. ولكن ربما الأهم من كل ذلك هو الضرر الذي لحق بمكانة إسرائيل الدولية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة. فعلى الصعيد العملياتي، كان التعاون بين الجيشين وثيقًا وغير مسبوق. ومع ذلك، في الوقت نفسه، تزايدت الادعاءات بأن إسرائيل جرّت الولايات المتحدة إلى الحرب، وفي الساحة الأمريكية، تعالت الأصوات الانفصالية الساعية إلى تقليص التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط. هذه التوجهات قد تضر بأهم تحالف استراتيجي لإسرائيل.
في ظل هذه الظروف، يستلزم الأمر تحقيقًا شاملًا. شنت إسرائيل حربين خلال عام واحد ضد إيران، التي كانت أكبر تهديد لها منذ ثلاثة عقود، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها، بل وألحقت الضرر بعنصر هام آخر من عناصر الأمن القومي. علاوة على ذلك، فإن مجرد الشروع في مسار عمل تضمن اغتيال زعيم دولة معادية ووضع خطة للإطاحة بالنظام يُعد خروجًا عن عقيدة الأمن الإسرائيلية. لذا، فإن فهم أسباب الإخفاقات أمر بالغ الأهمية، سواء من أجل تعلم النظام السياسي والأمني، أم لأن للجمهور في دولة ديمقراطية الحق في فهم كيفية اتخاذ القرارات وأسباب عدم تحقيق أهداف الحرب.
لا يكمن السؤال المحوري بالضرورة فيما حدث أثناء القتال، بل فيما سبقه. كيف حُددت أهداف الحرب؟ ما هي التقييمات الاستخباراتية التي استندت إليها؟ هل عُرضت بدائل أكثر واقعية على القيادة السياسية؟ هل كان هناك توافق بين الأهداف المعروضة على الجمهور والقدرات الفعلية على تحقيقها؟ هل جرى نقاش كافٍ حول المخاطر المحتملة، ليس فقط على إسرائيل، بل على المنطقة بأسرها والاقتصاد العالمي؟ هل تم أخذ احتمال توسع الصراع إلى ساحات إضافية، وخاصة لبنان، في الاعتبار؟
بالطبع، لا يخلو مثل هذا التحقيق من صعوبات. فقد أصبحت مسألة انتقاد سلوك الدولة في الشؤون الخارجية والأمنية قضية حساسة سياسياً، لا سيما في ظل عدم تشكيل أي لجنة تحقيق حتى الآن للنظر في إخفاقات أحداث 7 أكتوبر. لكن الدولة التي تسعى إلى التعلم من أخطائها لا يمكنها التغاضي عن إجراء تحقيق لمجرد أنه مثير للجدل.
علاوة على ذلك، ليس من الضروري اختيار لجنة تحقيق رسمية. فهناك بدائل عديدة مطروحة، منها لجنة تحقيق حكومية أو تحقيق من قبل ديوان الرقابة. إن مجرد وجود خيارات متعددة يُتيح إيجاد آلية تُخفف من حدة التوتر السياسي المُصاحب لمثل هذه الخطوة. إضافةً إلى ذلك، يُمكن تحديد إطار عمل للتحقيق مُسبقًا بطريقة تُحيد بعض الأبعاد السياسية، كأن يُحدد مُسبقًا أن هدف التحقيق هو الوصول إلى الحقيقة وليس توجيه اللوم الشخصي، كما حدث مع لجنة التحقيق الأمريكية التي فحصت هجمات 11 أيلول 2001.
يكتسب هذا النقاش زخمًا جديدًا في سياق الانتخابات القادمة، حيث سيُطلب من المواطنين الإسرائيليين اختيار من سيقود البلاد في السنوات المقبلة. في الوضع الأمثل، يبدأ هذا التحقيق وينتهي قبل الانتخابات، ليتمكن الناخب من اتخاذ قراره بناءً على معلومات كاملة. أما عمليًا، فمن المشكوك فيه جدًا إمكانية إتمام عملية جادة كهذه في مثل هذه الفترة القصيرة. قد يكون من المنطقي تأجيل بدء المراجعة إلى ما بعد الانتخابات، للحد من إغراء التأثير على مسارها ونتائجها من قبل القيادة السياسية. ومع ذلك، ينبغي أن تكون هذه القضية جزءًا من الخطاب الانتخابي وأن تؤثر على خيارات الناخبين.
ثمة صعوبة أخرى: قد لا تكون القصة قد انتهت بعد. فرغم وقف إطلاق النار، قد تتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق سيؤثر بشكل كبير على كيفية النظر إلى نتائج الحرب. يتمثل أحد الحلول الممكنة في حصر التحقيق بفترة زمنية محددة، كما فعلت لجنة أغرانات سابقًا، وتجنب انتظار لا نهاية له للتطورات المستقبلية.
لن يغير تحقيق معمق وجاد نتيجة الحرب، ولكنه قد يساعد في ضمان أمر لا يقل أهمية: وهو أنه في المرة القادمة التي تواجه فيها إسرائيل قرارًا استراتيجيًا من هذا النوع، ستفعل ذلك بفهم أكثر واقعية لحدود القوة، وعملية صنع القرار، والفجوة المحتملة بين الطموحات السياسية والواقع العسكري والسياسي. في بلد يعيش على حافة الهاوية، هذا ليس امتيازًا، بل هو واجب حقيقي.
——————————————
هآرتس 7/6/2026
إسرائيل تفقد الجمهور حتى في دول صديقة وسيصعب عليها احباط خطوات ضدها
بقلم: ليزا روزوفسكي
سيلتقي وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي في يوم الاثنين القادم لمناقشة امكانية فرض عقوبات اوروبية شاملة على وزير الامن الوطني ايتمار بن غفير. هذه مبادرة اعلنت عنها ايطاليا بعد ان تفاخر بن غفير بالانتهاكات التي تعرض لها نشطاء اسطول غزة بعد ان استولت البحرية على سفنهم واعتقلتهم واقتادتهم الى اسرائيل. قبل بضع ساعات من انتشار الفيديو على نطاق واسع اعلن وزير خارجية التشيك، بيتر ماتشنكا، في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية جدعون ساعر، بان بلاده ستعارض فرض عقوبات على السياسيين الاسرائيليين. وحتى الان لم يغير موقفه. مع ذلك، من غير المستبعد ان يتغير موقف التشيك اذا دعمت دول كبيرة بقيادة المانيا اتخاذ اجراءات ضد بن غفير.
وقد تراجع مؤخرا الاجماع السائد في اليسار الالماني، الذي يعتبر وجود اسرائيل وامنها مصلحة عليا لالمانيا. ولم يعد هذا الاجماع شامل، لكنه ما زال واسع النطاق. ويبدو ان المانيا، على خلفية حادثة اسطول الحرية، مستعدة لاتخاذ خطوة غير مالوفة بالنسبة لها، تتمثل في فرض عقوبات على مسؤول منتخب في دولة ديمقراطية تعتبر حليفة وثيقة لها.
ما زال من غير المؤكد اذا كانت المانيا ستؤيد مثل هذه الخطوة ايضا ضد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. وقد غرد مدير لوبي “مشروع الشرق الاوسط الاوروبي” في حسابه في “اكس” بان المانيا صممت على الاكتفاء بفرض عقوبات على بن غفير وحده في اجتماع سفراء الاتحاد الاوروبي في الاسبوع الماضي. في غضون ذلك اصبحت ايرلندا الدولة التاسعة في الغرب التي تمنع بن غفير وسموتريتش من دخول اراضيها. اضافة الى ذلك منعت فرنسا بن غفير فقط من الدخول اليها. في كل الحالات من غير المتوقع ان يتاح للوزيرين اللذين يمثلان اليمين المتطرف في حكومة اسرائيل فرصة زيارة اوروبا في المستقبل القريب، حيث يواجها طلب من النيابة العامة في محكمة الجنايات الدولية باصدار مذكرات اعتقال ضدهما.
عودة الى معضلات المانيا: تثير المبادرة السويدية – الفرنسية التي تدعو الاتحاد الاوروبي الى رفع الرسوم الجمركية على منتجات المستوطنات، أو مقاطعة عامة لهذه المنتجات، صعوبة كبيرة لالمانيا. وقد تصدر عنوان لصحيفة “بيلد” الالمانية الشعبية، يعبر عن مخاوف المؤسسة الامنية بروحية “المانيا ترفض الشراء من اليهود”. بالنظر الى ميل الصحيفة الى عناوين جذابة اكثر وتاييدها المستمر لبنيامين نتنياهو فانه من المؤكد انه هذا سيكون العنوان الذي سينشر في اليوم التالي لاتخاذ قرار اقتصادي هام ضد المستوطنات بدعم من المانيا. مع ذلك، يظهر احدث استطلاع اجراه مركز “بيو” للابحاث حول المواقف من اسرائيل وبنيامين نتنياهو في ارجاء العالم، الذي نشر في هذا الاسبوع، بان مخاوف المؤسسة الالمانية من هذه الصحيفة المشهورة قد تكون مبالغ فيها.
وحسب هذا الاستطلاع فان النظرة السلبية لاسرائيل قد تعمقت بشكل خاص في السنة الماضية في اكبر دولتين اوروبيتين، اللتان كانتا تعتبران حتى فترة قصيرة من اكبر المؤيدين لاسرائيل، بما في ذلك حرب غزة وازمة الجوع في الصيف الماضي. ورغم ان الوضع كان ما يزال خطير في العام 2025، الا ان عدد الاشخاص الذين لديهم نظرة سلبية تجاه اسرائيل ارتفع في المانيا وايطاليا بنسبة 9 في المئة، من 64 في المئة الى 73 في المئة في المانيا، ومن 66 في المئة الى 75 في المئة في ايطاليا. في هاتين الدولتين لا تعتبر الفجوة بين اليمين واليسار فيما يتعلق بالمواقف من اسرائيل، كبيرة بشكل ملحوظ. ففي ايطاليا ينظر 64 في المئة من اليمين هناك و88 في المئة من مؤيدي اليسار، لاسرائيل نظرة سلبية، وفي المانيا تبلغ هذه النسبة 63 في المئة في اوساط اليمين، و85 في المئة في اوساط مؤيدي اليسار.
ويسجل تقارب مشابه في المواقف بين جملع المعسكرات. ففي فرنسا مثلا (60 في المئة من اليمين و86 في المئة من اليسار ينظرون لاسرائيل نظرة سلبية)، وفي بريطانيا (58 في المئة و83 في المئة على التوالي)، وفي هولندا (67 في المئة و90 في المئة على التوالي)، وفي الولايات المتحدة (37 في المئة مقابل 83 في المئة)، وفي استراليا (55 في المئة مقابل 94 في المئة)، وفي اليونان (52 في المئة مقابل 90 في المئة). وتنقسم المواقف من اسرائيل بشكل اكبر بين اليمين واليسار. ويبدو ان المواقف من اسرائيل اكثر سلبية بين الناخبين الشباب في ارجاء العالم: وقد سجلت اكبر فجوة في المجر، حيث ينظر 72 في المئة من الشباب في اعمار 18 – 34 لاسرائيل نظرة سلبية. في حين لا تتجاوز هذه النسبة 45 في المئة في اوشاط من اعمارهم 50 سنة فما فوق.
في يوم الخميس اعلن ساعر عن نيته افتتاح سفارة لاسرائيل في ليوبليانا عاصمة سلوفانيا في الوقت القريب، وذلك للمرة الاولى منذ اقامة العلاقات بين اسرائيل وسلوفانيا. وجاءت هذه الخطوة ردا على عودة السياسي المخضرم يانيز يانشه الى السلطة في سلوفانيا، حيث تم تعيينه في منصب رئيس الوزراء للمرة الرابعة. ويعرف يانشه باعجابه بالرئيس الامريكي دونالد ترامب، ويعتبر حليف لرئيس وزراء المجر السابق فيكتور اوربان. وخطوته الاولى في منصبه هي ازالة علم فلسطين عن مبنى الحكومة، حيث كان يرفرف في السنتين الاخيرتين، منذ اعتراف سلوفانيا بفلسطين كدولة في حزيران 2024. ولم يتأخر رد اسرائيل. يمكن الافتراض بان اسرائيل تامل الان ان تملأ سلوفانيا والتشيك الفراغ الذي خلفه رحيل اوربان في المجر، وان تشكل درع ضد خطوات الاتحاد الاوروبي، على الاقل التي تتطلب الاجماع.
لا يشمل استطلاع “بيو” بيانات عن التشيك وسلوفانيا، لكن يبدو انه طالما بقيت حكومة اسرائيل الحالية في الحكم واستمرت سياسة استخدام القوة ضد جيرانها وفي المناطق المحتلة، فان قدرة وزارة خارجية اسرائيل المدهشة على الارتجال سيتم اختبارها من خلال التقارير الاخبارية. وايضا سيزداد صعوبة الحفاظ على السيطرة على السد الذي يمنع اسرائيل من ان تصبح رسميا دولة منبوذة.
——————————————
يديعوت احرونوت 7/6/2026
غزة على حافة كارثة
بقلم: رون بن يشاي
من أعلى الساتر الترابي والتحصينات الأخرى المحيطة بالاستحكام، يُمكن رؤية منظر رائع لكامل منطقة المواصي في جنوب قطاع غزة في أيام الربيع هذه. في المنطقة التي كانت تضم بيوت غوش قطيف الزراعية، يعيش نحو 400 ألف فلسطيني الآن في خيام وملاجئ بلاستيكية وصفيحية، ومعظمهم داخل مبانٍ نصف مدمرة. “حماس موجودة هناك أيضاً، تحاول الاندماج بين المشردين ليستخدموهم كدروع بشرية”، هكذا أخبرني ضابط رفيع في القيادة الجنوبية. “يركزون الآن بشكل أساسي على جمع المعلومات الاستخباراتية، ويحاولون أحياناً تنفيذ هجمات مسلحة أو زرع متفجرات”.
لم أزر قطاع غزة في الأشهر الأخيرة، لذا فوجئت بما رأيته في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي. لم يكن الموقع الذي يعج بالنشاط أسفلنا يشبه أي مجمع دفاعي إسرائيلي عرفته سابقاً؛ لا خلال حرب الاستنزاف في القناة والغور في السبعينيات، ولا في المنطقة الأمنية في لبنان في الثمانينيات والتسعينيات. من المستحيل الخوض في التفاصيل نظراً لاعتبارات أمن المعلومات، لكن لم تكن هناك ملاجئ حصينة للحماية من القصف المدفعي الثقيل أو الجوي، بل هياكل خرسانية توفر حماية جيدة من النيران المباشرة والصاروخية. تتوفر هذه المواقع بطريقة تُمكّن المرء من الاحتماء بها في ثوانٍ، كما يُمكن نقلها بسرعة عند الحاجة.
والأهم من ذلك، أن الموقع يُشبه المجمعات المحصنة التي أنشأها الأمريكيون في العراق وأفغانستان لحماية قواتهم من هجمات المقاومة: مجمع يضم قوة كبيرة نسبياً وموارد وفيرة، حيث يُمكن لرجاله الانتقال من العمليات الروتينية إلى القتال في دقائق.
لقد أنشأ الجيش الإسرائيلي 40 موقعاً مماثلاً في قطاع غزة؛ جميعها مُخصصة لإيواء فرق قتالية مشتركة بأحجام مختلفة من القوات المدرعة والمشاة والهندسة. معظم هذه المواقع مُكتملة، لا سيما في شمال قطاع غزة، وبعضها لا يزال قيد الإنشاء. تبلغ تكلفة كل موقع من هذه المواقع حوالي خمسة ملايين شيكل. يوجد تعاون متبادل بين المواقع في مجالي المراقبة وإطلاق النار.
لا يزال 20 ألف إرهابي موجودين. الموقع الذي زرته يُهيمن على الأنقاض وما تبقى من المباني في قرية بني سهيلة. على بُعد حوالي 600 إلى 700 متر جنوبًا وشرقًا قليلًا، على كثيب رملي مرتفع، يمكن رؤية جدار ترابي لموقع متقدم آخر، يقع أيضًا في منطقة تُهيمن على المراقبة وإطلاق النار حتى البحر. لا تقع هذه المواقع المتقدمة مباشرةً على “الخط الأصفر”، بل على بُعد بضع مئات من الأمتار داخل الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. والهدف من ذلك هو منعها من التعرض لهجوم مباشر من الأراضي التي تسيطر عليها حماس، أو من نفق، وتقليل تعرضها لنيران مباشرة من مسافة قريبة.
من نقطة المراقبة في الموقع الأمامي، كان من السهل رؤية أن “الخط الأصفر” يمتد بمحاذاة طريق صلاح الدين (محور “تانشر”) في وسط قطاع غزة. في الماضي، كان هذا الطريق يربط شمال قطاع غزة من أقصاه إلى أقصاه؛ أما اليوم، فلم يتبق منه سوى أجزاء قليلة من الإسفلت وجزر مرورية متهالكة، مع أنه لا يزال واضحًا ليلًا ونهارًا. يدرك المقاتلون في الموقع الأمامي أن أي شخص يعبر هذا الطريق يجب إيقافه أو قتله.
في المنطقة – التي يبلغ عرضها مئات الأمتار بين الموقعين الأماميين وبينهما وبين “الخط الأصفر” – يُنشئ الجيش الإسرائيلي منطقة إنذار وأمن. ويجري حاليًا حفر خندق على طوله لمنع الدراجات النارية والشاحنات الصغيرة وغيرها من المركبات ذات العجلات من اقتحام المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي بسرعة، وربما أيضًا المستوطنات المحيطة بغزة. إضافة إلى ذلك، يقوم الجيش الإسرائيلي في هذه المنطقة بالتنقيب لكشف الأنفاق الموجودة منذ ما قبل 7 أكتوبر، أو التي تحفرها حماس حاليًا. الهدف هو منع أي مفاجآت للقوات المتمركزة في المواقع الأمامية، أو أثناء تحركاتها في المنطقة.
منذ مجزرة 7 أكتوبر، كشف الجيش الإسرائيلي ودمر نحو 450 كيلومترًا من الأنفاق. فجّر بعضها، وملأ البعض الآخر بالخرسانة. ويقول القادة الميدانيون إنها لم تعد صالحة للاستخدام على امتدادها بالكامل.
يُضاف إلى ذلك العائق الرئيسي على طول حدود غزة مع إسرائيل. فقد أُعيد ترميم السياج الحدودي، الذي تم اختراقه في 7 أكتوبر، وتدعيمه على امتداده بالكامل، بما في ذلك بوابات خاصة ومواقع حديثة للمراقبة والرصد عن بُعد، والتي يدّعي الجيش الإسرائيلي أنها محصنة ضد الطائرات المسيّرة المفخخة. ويتمثل الشاغل الرئيسي لقواتنا في العبوات الناسفة والألغام على طرق المرور، ولهذا السبب تم رصف معظم الطرق المؤدية إلى المواقع الأمامية وبينها بالإسفلت.
تمتلك حماس طائرات مسيّرة، وربما طائرات مسيّرة مفخخة أيضًا، لكنها لا تمتلك حاليًا شبكات الألياف الضوئية التي يمتلكها حزب الله في لبنان. يتمتع الجيش الإسرائيلي حاليًا بتفوق شبه كامل في استخدام الطائرات المسيّرة في سماء قطاع غزة. وبذلك، مستفيدًا من المعلومات الاستخباراتية الممتازة التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)، بما في ذلك المعلومات البشرية والتقنية عالية المستوى، يقوم الجيش الإسرائيلي بتصفية القيادات العليا، و”المحترفين” في الجناح العسكري، وقادة وأفراد جهاز الشرطة المسؤولين عن إدارة شؤون القطاع.
ووفقًا لمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، فقد تم القضاء على 13 إرهابيًا في الأسبوع الماضي وحده، من بينهم أربعة مسؤولين أمنيين كبار في حركة حماس في قطاع غزة، وإرهابي عمل على الترويج لأنشطة إرهابية ضد القوات المتمركزة هناك. وكان هذا الإرهابي نفسه قد شن هجومًا على البلاد في 7 أكتوبر، وشارك في اختطاف أربعة إسرائيليين من المحصنة عند مفترق رعيم.
ومع ذلك، تشير المعلومات الحالية إلى أن الجناح العسكري لحماس يضم نحو 20 ألف عنصر في جميع أنحاء قطاع غزة، منهم حوالي 8 آلاف مقاتل متمرس، معظمهم من النخبة. أما الباقون فهم شبان وفتيان جُندوا على عجل وتلقوا تدريباً أساسياً وأسلحة خفيفة، بما في ذلك قاذفات الصواريخ. ويرفض عناصر حماس نزع سلاحهم ويواصلون على الأقل محاولاتهم لشن حرب عصابات. فهم ما زالوا يصنعون المتفجرات، ويجمعون المعلومات الاستخباراتية، ويرسلون شبان يافعين، وغالبيتهم فتيان (يُطلق عليهم في الجيش الإسرائيلي اسم “الهاكرز”) لمراقبة تحركاتهم، وسرعة رد الجيش الإسرائيلي، وكيفية هذا الرد.
فراغ سلطوي
لكن حماس مُنهكة، ولم تُقدم في الأيام الأخيرة على أي مبادرة تُذكر تتجاوز جمع المعلومات الاستخباراتية، تجنباً لاستفزاز رد قوي من الجيش الإسرائيلي. ومن العوامل الأخرى التي تُعيق حماس وتُضعف حكمها، وجود العشائر المسلحة التي يعيش أفرادها وعائلاتهم – الذين يبلغ عددهم عشرات الآلاف – في الأراضي الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ويتحدون حماس باستمرار. يبدو أن تأييد السكان للتنظيم الإرهابي آخذ في التضاؤل، كما يتضح من جنازة عز الدين الحداد، قائد مدينة غزة الذي عُيّن قائداً لحماس في القطاع بعد تصفية القيادة بأكملها. لم يحضر الجنازة سوى بضع عشرات من سكان غزة، بدلاً من عشرات الآلاف الذين حضروا سابقاً جنازات قادة أصغر منه سناً.
وخلف الحداد محمد عودة، الذي تمت تصفيته هو الآخر. وحماس، بحكم خبرتها، لا تُعلن عن اسم القائد الجديد، لكن وسائل إعلام عربية موثوقة تُفيد بأن مهند رجب، قائد لواء غزة والمقرب من الحداد، هو من سيتولى المنصب. ولن يكون أقل تشدداً وعنفاً من معلمه. وخوفاً من اغتيال رجب، وسعياً لضمان استمرارية العمل العسكري، يُقال إن الجناح العسكري لحماس يُفكّر في تشكيل قيادة جماعية تضم أربعة من كبار قادة الألوية الذين ما زالوا في التنظيم.
صحيح أن حماس لم تُدمر بالكامل، لكن جناحها العسكري مُني بهزيمة نكراء، ووفقًا لمعلومات موثوقة، فإنها لا تكتسب قوة بالوتيرة المقلقة التي تُروج لها وسائل الإعلام أحيانًا. كما أن سيطرة حماس المدنية على الأراضي التي لا تزال تحت سيطرتها محدودة. فالتصفية المنهجية لعناصر شرطة حماس – الذين يسعون لفرض سلطة حكومتها المدنية وجمع الضرائب من التجار – تُجبر الشرطة على تقليص وجودها في أماكن أخرى غير التقاطعات المزدحمة أو الأسواق الرئيسية، حيث تعتقد الحركة أن الجيش الإسرائيلي لن يهاجمها.
وعلى عكس الماضي، بات بإمكان المدنيين غير المنتمين لحماس أو عائلاتهم الحصول على الغذاء والماء والدواء في قطاع غزة. ويعود الفضل في ذلك إلى المساعدات الإنسانية السخية التي تُقدمها القيادة الأمريكية في كريات جات – بمساعدة مصر وبتمويل من الإمارات العربية المتحدة ودول أخرى من “مجلس السلام”. إلا أن حماس لا تزال تسيطر على جزء كبير من هذه المساعدات وتبيعها أساسًا لتمويل تجنيد مقاتلين جدد. يحصل المواطنون على مساعدات أقل بكثير مما يدخل إلى القطاع، ويعود ذلك جزئيًا إلى تحوّل الاهتمام الدولي من غزة إلى الخليج العربي، وإلى إغلاق مضيق هرمز الذي جفّف مصادر التمويل الخليجية. ونتيجةً لذلك، تُضطر منظمات الإغاثة الدولية، التي تعاني من شحّ الموارد، إلى إغلاق المطابخ العامة التي تُقدّم الطعام لمئات الآلاف، والعيادات التي تُقدّم الخدمات الصحية.
لكن المشكلة المُقلقة تكمن في أنه في ظل غياب تطبيق فعّال للقانون والنظام، يفتقر نحو 40 في المئة من القطاع إلى أي شكل من أشكال الحكم ويسوده الفلتان. ولا تقتصر هذه الظاهرة على استغلال الجماعات الإجرامية فحسب، بل تشمل أيضًا المواطنين العاديين. وتتواتر التقارير عن الاعتداءات على النساء واستغلال محنتهن، وعن السرقات والمشاحنات بين الجيران في المخيمات المكتظة، والتي قد تنتهي أحيانًا بالقتل. وفي مثل هذه الظروف، تُشكّل الروابط القبلية والعشائرية الحصن المنيع الذي يمنع التفكك التام والفوضى في المجتمع الفلسطيني.
من جهة أخرى، يسيطر الجيش الإسرائيلي على نحو 64 في المئة من قطاع غزة، شبه الخالي من السكان، ويحمي التجمعات السكنية المحاصرة من خلال قيادتين للفرقتين: الفرقة 143 في الجنوب والفرقة 99 في الشمال، واللتان تديران ما مجموعه ستة ألوية و18 كتيبة. ويُقارن هذا بلواءين وأربع كتائب كانت تحمي الحصار المفروض على غزة من خط الحدود في 7 أكتوبر/تشرين الأول.
خيارات الجيش الإسرائيلي
إنّ التنظيم والعمليات الحالية للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة تُحيد بشكل شبه كامل قدرة حماس على تنفيذ عمليات تضم أكثر من فرقة من اثنين إلى ستة عناصر. بعبارة أخرى، لم تعد حماس جيشًا إرهابيًا، بل عادت إلى كونها منظمة حرب عصابات. قد يهاجم عناصرها أحيانًا موقعًا عسكريًا أو يزرعون عبوة ناسفة على طرق الوصول والإمداد من حدود غزة إلى “الخط الأصفر”، لكن التهديد الذي كان يواجه المجتمعات الجنوبية الإسرائيلية قد زال تقريبًا – على الأقل طالما بقي تنظيم الجيش الإسرائيلي على حاله.
علاوة على ذلك، يمتلك الجيش الإسرائيلي قدرات فعّالة لمنع حماس من استعادة قدراتها العسكرية والحكومية في قطاع غزة، حتى لو رفضت الحركة نزع سلاحها طوعًا ورفضت قيادتها العليا الخضوع للأسر أو المنفى. إن اللواء في القيادة الجنوبية والقادة الميدانيين مقتنعون بأن احتلال الأراضي التي تسيطر عليها حماس حاليًا، بما في ذلك مدينة غزة، لن يدوم أكثر من بضعة أسابيع. الخطط موجودة، ولا تحتاج إلا إلى موافقة القيادة السياسية لتنفيذها.
لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ليس في عجلة من أمره، ليس فقط خوفًا من غضب ترامب، وليس فقط لأن الجيش الإسرائيلي يجب أن يكون قادرًا على شن هجوم في لبنان. والسبب هو أنه لشن عملية حاسمة في غزة، سيتطلب الأمر حشد قوة لا تقل عن ضعف حجم القوة الموجودة حاليًا في القطاع. ستتسبب هذه العملية أيضًا في خسائر لقوات الجيش الإسرائيلي، وستستغرق شهورًا، وربما أكثر من عام، حتى يتمكن الجيش من نزع سلاح حماس واعتقال أو قتل قادة ونشطاء النخبة المتبقين في المنطقة. ومن المنطقي أيضًا افتراض أنه إذا عاد الجيش الإسرائيلي إلى المناورات البرية في غزة، فستواجه دولة إسرائيل مرة أخرى معارضة شديدة على الساحة الدولية، وربما حتى من الرئيس الأمريكي.
مع ذلك، فإن عملية نزع سلاح حماس في غزة ليست الخيار الوحيد. هناك أيضًا خيار بديل، دفاعي وهجومي، وهو أكثر اقتصادًا من حيث القوى البشرية والخسائر والموارد. كما أنه أقل عرضة للطعن في شرعية عمليات الجيش الإسرائيلي على الساحة الدولية. تدعو هذه الخطة الاستراتيجية، التي يبدو أن الجيش الإسرائيلي قد عرضها بالفعل على المستوى السياسي، إلى مواصلة تكثيف نمط العمليات الحالي لتحقيق النتيجة المرجوة.
أما على الصعيد الدفاعي، فتتمثل النقاط الرئيسية في الخطة في مواصلة حماية المستوطنات الجنوبية والقوات المتمركزة في المواقع الأمامية، باستخدام العوائق ووسائل جمع المعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر. لكن الجانب الهجومي سيكون هو الأهم: سيستخدم الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) المعلومات الاستخباراتية البشرية والتكنولوجية الواسعة والمفصلة والموثوقة التي يمتلكونها حاليًا، بالإضافة إلى الطائرات المسيّرة المنتشرة بأعداد كبيرة نسبيًا في سماء قطاع غزة، لسحق حماس ومنعها من الحكم وإعادة تأهيل القطاع. كل هذا، إلى أن يحين الوقت لإنهاء حكمها في قطاع غزة بالقوة العسكرية أو السياسية.
الخطر الكامن في غزة
هناك خياران عسكريان متاحان، وكلاهما قابل للتنفيذ، لكن القرار بشأن أيهما يُختار يعتمد على ما يحدث أو لا يحدث في القطاع المدني. ذلك لأنّ القنبلة الموقوتة الحقيقية والتهديد طويل الأمد في غزة، في ظلّ الظروف الراهنة، ليس حماس التي تكافح من أجل البقاء، بل نحو 2.1 مليون غزي تحتجزهم رهائن في ظروف لا إنسانية. فهم محصورون في مساحة تبلغ حوالي 120 كيلومترًا مربعًا (36 في المئة من مساحة قطاع غزة)، في منطقة امتدت لتصبح كمساحة بلدية بئر السبع أو القدس الكبرى، ويقلّ عدد سكانها عن نصف سكان المدينة.
وماذا سيحدث لهم ولنا لو تفشّى وباء هناك، أو انحرفت قنبلة جوية عن مسارها المخطط له؟ ناهيك عن آلاف الأطفال الذين ينشؤون ويتلقّون تعليمًا هناك على كراهية إسرائيل والانتحار، لمجرّد إيذاء اليهود. لذا، يُعدّ من المصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية، بل من المصلحة الوجودية، إيجاد حلّ يمكّن سكان غزة من العيش في ظروف كريمة، ويفضل أن يكون ذلك في أقرب وقت ممكن، قبل وقوع كارثة تُلقي بظلالها على العالم. فضلًا عن ذلك، فإنّ السكان الذين لديهم أفق لإعادة التأهيل والأمل لن يرسلوا أبناءهم للتجنيد من أجل الحصول على بضعة دولارات من حماس.
تكمن المشكلة في أن فرص تنفيذ خطة ترامب المكونة من 21 بندًا، أو حتى مجرد البدء بها، تبدو ضئيلة في الوقت الراهن، وستبقى كذلك حتى بعد انتهاء الصراع مع إيران. فليس حماس وحدها من ترفض نزع سلاحها، بل إن “قوة الاستقرار الدولية” التي من المفترض أن تنتشر في قطاع غزة وتضمن حكم حكومة التكنوقراط في غزة لم تُنشأ بعد. إضافةً إلى ذلك، فشل “مجلس السلام” الذي أنشأه ترامب بضجة إعلامية كبيرة في جمع حتى ثلث التمويل الذي وعد به قادة أعضائه.
ويجدر التذكير بأن دول الخليج العربي قد تكبدت خسائر مالية فادحة جراء إغلاق مضيق هرمز، ولن تسارع إلى تخصيص عشرات المليارات اللازمة لإزالة الأنقاض وإعادة إعمار غزة. في ظل هذه الظروف، ستبقى الخطط التي أعدها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لإعادة إعمار غزة حبرًا على ورق لفترة طويلة، وربما إلى الأبد.
وإذا قررت إسرائيل احتلال قطاع غزة لنزع سلاح حماس، فمن المرجح أن يضطر الجيش الإسرائيلي إلى تشكيل حكومة عسكرية، وأن تتحمل دولة إسرائيل مسؤولية أمن ورفاهية ملايين الغزيين، وأن تلتزم بإعادة إعمار القطاع. لذا، من الأفضل للحكومة الإسرائيلية، في ظل الظروف الراهنة، ألا تتسرع في احتلال القطاع، بل أن تواصل سحق حماس ببطء واستخباراتياً، وأن تمنع إعادة بناء جناحها العسكري. كل هذا إلى أن ينجح ترامب، أو المجتمع الدولي، أو الحكومة الإسرائيلية القادمة – إن كانت أكثر براغماتية من الحالية – في صياغة خطة واقعية مدعومة بالتمويل، توفر حلاً طويل الأمد على مراحل لجماهير الغزيين دون تعريض إسرائيل للخطر. حينها سيأتي يوم حماس.
——————————————
هآرتس 7/6/2026
3600 غزي عالقون في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر وإسرائيل ترفض عودتهم للقطاع
بقلم: نير حسون
زينب الخطيب، وهي معلمة كيمياء ورياضيات (30 سنة) من جباليا، لم تر زوجها وأولادها منذ 7 أكتوبر 2023. في ذلك اليوم، ودعتهم وتركت القطاع من أجل مرافقة شقيقتها للعلاج في الضفة الغربية. في اليوم التالي، شنت حماس هجومها، فعلقت زينب في الضفة الغربية بدون أي سبيل للعودة إلى عائلتها. في هذه الأثناء، تم تهجير الأب والولدين، عمرهما الآن 8 و5 سنوات، على يد الجيش الإسرائيلي وانتقلوا للعيش في خيمة. لقد تم تدمير بيت العائلة. تقول الخطيب لـ “هآرتس” عن محاولة لم الشمل مع عائلتها: “جربتُ كل شيء. ذهبت إلى السلطة الفلسطينية ومكتب الارتباط المدني والصليب الأحمر وجمعية “غيشاه”، ذهبت إلى الجميع، ولكني لم أحصل على أي موافقة من الطرف الإسرائيلي”.
قبل ثلاثة أشهر، اضطر الأب لإجراء عملية جراحية في البطن. ووصفت زينت الوضع: “لقد تم ترك الأولاد وحدهم في الخيمة. لا إخوة ولا أخوات لزوجي، ولا يوجد من يساعدهم. كان أولادي يعيشون بكرامة، كنا نعمل أنا وزوجي، وكان الوضع جيداً. أما الآن فلا طعام لديهم. ابني في الصف الثاني الابتدائي، ولا يعرف كيف يمسك القلم. شاهدت الجوع الذي يعانون منه. يعيشون في مأساة. ابني في حالة نفسية سيئة جداً. توقف عن الاستجابة لي. يقول إنني تركته. هو لا يعرف. وابنتي لا تعرفني أبداً. لا تتعرف علي. كيف ستتعرف على أم تركتها بعمر سنتين؟”.
حسب جمعية “غيشاه” لحقوق الإنسان، هناك ليس أقل من 3600 غزي مثل زينب، عالقون في الضفة الغربية منذ بداية الحرب. وإسرائيل ترفض السماح لهم بالعودة إلى عائلاتهم. ولا تسمح بالطبع بمغادرة أبناء عائلاتهم للقطاع والذهاب إلى الضفة الغربية. وحسب الجمعية، كانوا في معظمهم عمالاً في إسرائيل في يوم اندلاع الحرب، وتم ترحيلهم إلى الضفة الغربية. وهناك مرضى أو أن أبناء عائلاتهم رافقوهم من أجل العلاج في مستشفيات الضفة الغربية. في الوقت نفسه، أنهي الكثير من المرضى العلاج منذ فترة طويلة، ولكنه لا يمكنهم العودة.
إحداهن ميساء (اسم مستعار)، وهي أم لأربعة أولاد من غزة، أجريت لها عملية في مستشفى في شرقي القدس، وبعد ذلك عادت لإجراء فحص قبل بضعة أيام على اندلاع الحرب. ومنذ ذلك الحين، وهي عالقة في الضفة الغربية. وقالت: “لا يوجد عمل هنا. لا نملك ما نأكله. وسألت الجيش لماذا لا يمكنني العودة إلى غزة، ولكنه لم يجبني. صديقتي ذهبت إلى حاجز قلنديا ثلاث مرات، أرادت أن ينقلوها إلى غزة، وفي كل مرة كانوا يقولون لها: جئتِ من رام الله، ارجعي إلى رام الله. آمل أن يحضروا أولادي من غزة، وإذا لم يكن هذا ممكناً فعلى الأقل دعوني أرجع إليهم”.
التسلل إلى إسرائيل من أجل العودة
يتحدث الغزيون العالقون في الضفة الغربية عن حياة صعبة جداً. فهم لا يمكنهم مساعدة عائلاتهم التي تعاني بشدة في غزة: نازحون يتعرضون للقصف ويعانون من الجوع. وهم أنفسهم يكافحون من أجل البقاء. يواجهون صعوبة كبيرة في إيجاد عمل في الضفة الغربية. ويحصلون على مساعدة زهيدة من السلطة الفلسطينية، 700 شيكل كل ثلاثة أشهر. وهذا مبلغ يكفيهم لتجنب عار الجوع.
يتحدث الغزيون العالقون في الضفة الغربية عن حياة صعبة جداً. فهم لا يمكنهم مساعدة عائلاتهم التي تعاني بشدة في غزة: نازحون يتعرضون للقصف ويعانون من الجوع. وهم أنفسهم يكافحون من أجل البقاء
في حالات كثيرة، حاول البعض منهم تسليم أنفسهم للجنود عند الحواجز على أمل نقلهم إلى قطاع غزة. ولكن الجنود كانوا يعيدونهم من حيث جاءوا. في بعض الحالات قال أحد الغزيين بأن صديقاً له تمكن من التسلل إلى داخل إسرائيل في منطقة النقب، وهناك سلم نفسه للشرطة، وهكذا حقق هدفه وتم نقله إلى القطاع.
أحمد (اسم مستعار)، ابن 58 سنة وهو من سكان بيت لاهيا في شمال غزة، شخص معروف جداً في “موشاف” جنوب البلاد. عمل هناك مدة 35 سنة، بل وأقام فيه فترة طويلة بتصريح عمل وإقامة. وإضافة إلى عمله في “الموشاف” أسس مزرعة مزدهرة في بيت لاهيا، حيث كان يزرع الخضراوات والفاكهة الاستوائية. قبل 7 أكتوبر بأسبوع عاد أحمد إلى “الموشاف” للمرة الأخيرة. وبعد بضعة أيام على الهجوم، اقتحمت الشرطة البيت الذي كان يعيش فيه واعتقلته، بعد إلغاء تصاريح عمل الغزيين في إسرائيل بشكل جماعي. سلمته الشرطة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. وبعد بضعة أيام من وجوده في رام الله، تم نقله مع آلاف الغزيين إلى النويعمة في أريحا. وقال: “لقد سمحوا لنا بالعيش هناك وكانوا يحضرون لنا الطعام، لم يكن سجناً، بل كان يمكننا الخروج، ولكن كان علينا التسجيل عند الخروج”.
في البداية، وجد عمل في حقول النخيل بأريحا. ويتذكر ويقول: “كانوا يعطونا 100 شيكل في اليوم. كنا نرسل الأموال إلى عائلاتنا، لكن الوسطاء (الذين كانوا يحولون الأموال إلى غزة) كانوا يأخذون 40 – 50 في المئة من المبلغ”. بعد ذلك، انتقل مع أربعة غزيين آخرين إلى شقة صغيرة في رام الله. ومنذ ذلك الحين وهو يواجه صعوبة كبيرة في إيجاد عمل وإعالة نفسه، وبالتأكيد ليس لمساعدة العائلة التي بقيت في قطاع غزة وتم تهجيرها من بيتها.
لا نسمع عن الفاكهة إلا في الأخبار
نسبة البطالة في الضفة الغربية كانت مرتفعة جداً منذ بداية الحرب بسبب الإغلاق الإسرائيلي. الغزيون يقولون إن أصحاب أماكن العمل الفلسطينيين يخشون من تشغيلهم. وحسب قولهم، يعاملون بعدائية. “هم يلقون اللوم علينا، وكأننا نحن الذين سببنا كل هذه الفوضى”، قال أحمد. وما زال أصدقاؤه الإسرائيليون يساعدونه بتقديم بعض المال لإعالة نفسه. له في غزة زوجة وأربعة أولاد وأربعة أحفاد. “قتل زوج ابنتي، والآن يعيشون على المساعدات، لا يمكننا إطعامهم”، قال.
كان فؤاد (اسم مستعار)، زميله في السكن في رام الله، يعمل في عسقلان يوم اندلاع الحرب. نقل إلى الضفة الغربية. “لي ثمانية أولاد، الأصغر 15 سنة، والوضع هناك صعب جدا. لم يأكلوا البيض من سنتين، ولا يسمعون إلا في الأخبار بأن هناك بيضاً وفاكهة”، قال.
قبل أربعة أشهر، أرسلت جمعية “غيشاه” رسالة حول هذا الأمر إلى يورام هليفي، وهو منسق أعمال الحكومة في “المناطق”، وطلبت فيها منه السماح للغزيين بالعودة إلى عائلاتهم. وجاء في الرسالة: “حق الإنسان في دخول بلاده حق أساسي. فالارتباط بين الإنسان وبلاده هو الأساس الذي تقوم عليه قائمة طويلة من الحقوق الأساسية، وقدرة الإنسان على دخول بلد جنسيته شرط عملي لتحقيق هذه الحقوق”. لم يرد هليفي على هذه الرسالة. وفي أيار، قدمت الجمعية دعوى في المحكمة المركزية في القدس ضد الدولة نيابة عن زينب الخطيب، وطالبت بالسماح لها بالعودة إلى أولادها في غزة. والدولة لم ترد حتى الآن.
وقد جاء من منسق أعمال الحكومة في “المناطق”: “سياسة المؤسسة الأمنية تسمح بعودة سكان قطاع غزة الموجودين في الضفة الغربية إلى القطاع، شريطة التنسيق المسبق والحصول على موافقة الجهات المعنية”. تجدر الإشارة إلى أنه أثناء الحرب جرى تنسيق بعض العمليات لعودة سكان غزيين موجودين في “يهودا والسامرة” إلى قطاع غزة.
——————————————
هآرتس 7/6/2026
بعد قتل الرضيع.. لزامير ودولته وجنوده: تبيدون شعباً بذريعة “حالة منفردة” و”تشخيص خاطئ”؟
بقلم: أسرة التحرير
إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على سيارة عائلة أبو هيكل في الخليل يوم الجمعة، انتهى بقتل الرضيع سام أبو هيكل، ابن السبعة أشهر، وإصابة والديه. وحسب شهادة الأب، أوقف الأب السيارة بناء على طلب الجنود في وضح النهار، فيما كانت يداه على الدفة، وبعد ذلك فتحوا عليه النار. الرضيع سام، الذي كان بين ذراعي أمه في المقعد الخلفي، أصيب في رأسه ومات بعد وقت قصير، وأصيبت الأم بجروح متوسطة. أكد الناطق العسكري بأن الحديث يدور عن “غير متورطين”، لكنه ادعى بأن الجنود شعروا بأن المركبة تسارع باتجاههم، فرد أحدهم بإطلاق بضع رصاصات نحوها. يُحظر الاكتفاء بتلك اللغة العسكرية الإسرائيلية في وصف هذه الأحداث، ويحظر أيضاً التسليم بوصف قتل الرضيع سام كـ “حدث مؤسف” أو “حادثة” منفردة أخرى، تذوب في تحقيق داخلي، على أفضل تقاليد الجيش الإسرائيلي. يدور الحديث عن إخفاق أخلاقي وعملياتي خطير، يعبر عن ميل مقلق وواضح بتزايد حالات إطلاق الرصاص الحي والفتاك من قوات الأمن في الضفة يصاب بها فلسطينيون غير متورطين.
في آذار الماضي، قتل أربعة من أبناء عائلة فلسطينية في بلدة طمّون، حين كانوا في سيارتهم في أثناء نشاط لقوات الجيش الإسرائيلي بمن فيهم مستعربون أيضاً كانوا يعملون إلى جانب الجيش. حيث بقي في الخلف أطفال جرحى وشهادات قاسية بإطلاق نار نحو سيارة مدنية وعائلة انطلقت إلى التسوق للعيد في نهاية رمضان. يضاف إلى هذا إطلاق النار دون تمييز على عمال فلسطينيين يحاولون اجتياز الجدار لنيل الرزق. الخيط الذي يربط بين الحالات ليس نتيجة مأساوية فحسب، بل هو نمط يتكرر ينفذ فيه استخدام القوة الفتاكة بسرعة أكبر مما ينبغي، بلا رقابة، وتحت تأطير تلقائي يتمثل بـ “تشخيص تهديد”. بالتوازي، فإن التداخل الخطير بين مستوطنين عنيفين فقدوا كل لجام وبين الجيش الإسرائيلي هو تدخل يتعزز. أمس، جرى توثيق مشاهد ضرب من مستوطنين وجندي ضد فلسطينيين في بلدة حوارة باستخدام العصي.
إن إطلاق النار على “فلسطينيين غير متورطين” كما تعرفهم أحياناً محافل الجيش نفسها، يطرح سؤالاً عميقاً عن أنظمة فتح النار وعن آليات الرقابة والمسؤولية في الجيش الإسرائيلي. الإحساس، أن كل جندي آلة قتل محتملة، تمس بكل فلسطيني حتى لو كانوا أطفالاً ورضعاً، حين يصبح “إحساس الخطر” تعليلاً ينهي كل بحث. المسؤولية لا تنتهي بالمستوى المقاتل في الميدان، بل تتعلق مباشرة بالقيادة العليا التي تحدد قواعد فتح النار ومجال التفكر. رئيس الأركان إيال زامير لا يمكنه التملص من المسؤولية عما يجري في “المناطق” [الضفة الغربية] وعن الإصبع الرشيق على الزناد. إذا لم يلق بكامل ثقله لتغيير هذا الميل الخطير، فسيذكر بأن الجيش الإسرائيلي تدهور أخلاقياً وقيمياً في عهده، وجعل قتل الفلسطينيين ممارسة مقبولة. للامتناع عن ذلك، عليه أن يتأكد من أنها حالات سيتم التحقيق فيها بعمق، وأنه ستستخلص دروساً شخصية. الدم الفلسطيني ليس سائباً.
——————————————
إسرائيل هيوم 7/6/2026
إيران تبني عقيدة جديدة ضد الولايات المتحدة: رفع كلفة الحرب بـ”الاحتكاك المباشر”
بقلم: داني سترينفيتش
تبادل إطلاق النار في منطقة الخليج خلال الليالي الأخيرة ليس حادثًا عابرًا، بل يعكس رؤية استراتيجية جديدة تعمل طهران على بلورتها منذ اندلاع الحرب.
فانهيار مفهوم الوكلاء الإقليميين الذين اعتمدت عليهم إيران طوال سنوات، دفع القيادة الإيرانية إلى استنتاج مفاده أن الاحتكاك المباشر والمحدود مع الولايات المتحدة يمكن أن يعيد ترسيخ قوة الردع الإيرانية.
وفي إطار النقاشات الاستراتيجية الداخلية في طهران، بدأ يبرز تدريجيًا العامل النووي أيضًا، حيث يتحول النموذج الكوري الشمالي إلى نقطة مرجعية تسترشد بها بعض الأوساط الإيرانية عند التفكير بمستقبل سياسة الردع والأمن القومي.
رغم أن تبادل إطلاق النار بين القوات الإيرانية والأمريكية خلال الليالي الأخيرة لم يتدحرج بعد إلى مواجهة واسعة النطاق، فإنه يعكس توجّهًا أعمق يتمثل في سعي طهران إلى إعادة بناء معادلة الردع في مواجهة الولايات المتحدة، إلى جانب رفضها القبول بأي محاولة للمساس بالوضع القائم الجديد الذي تسعى إلى فرضه في مضيق هرمز.
في الأيام الأخيرة تصاعد الاحتكاك العسكري بين إيران والولايات المتحدة في منطقة الخليج. ويتكرر النمط نفسه في كل مرة تقريبًا؛ إذ ترى طهران أن ناقلات النفط التي تعمل بدعم أمريكي أو القطع البحرية التابعة للبحرية الأمريكية تحاول تحدي الواقع الجديد الذي تسعى إلى ترسيخه في مضيق هرمز. وردًا على ذلك، تتحرك إيران ضد تلك السفن، ما يؤدي إلى رد أمريكي محسوب ومحدود، يكون عادةً باستهداف منشأة أو موقع عسكري في منطقة الخليج.
في إطار النقاشات الاستراتيجية الداخلية في طهران، بدأ يبرز تدريجيًا العامل النووي أيضًا، حيث يتحول النموذج الكوري الشمالي إلى نقطة مرجعية تسترشد بها بعض الأوساط الإيرانية عند التفكير بمستقبل سياسة الردع والأمن القومي
بعد ذلك يأتي رد إيراني محدود ضد القواعد الأمريكية، ولا سيما في الكويت، وخلال الفترة الأخيرة أيضًا في البحرين، ثم تنتهي المواجهة، ولو مؤقتًا، نتيجة رغبة مشتركة لدى الطرفين في تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة النطاق.
من وجهة نظر إيران، يشكل ذلك جزءًا من مسعى للحفاظ على الوضع القائم الذي تسعى إلى ترسيخه في مضيق هرمز، ومنع الولايات المتحدة من المساس بما تعتبره جزءًا من سيادتها وحرية حركتها في المنطقة. لذلك، من المرجح أن أي محاولة مستقبلية لتحدي هذا الواقع ستُواجَه برد مماثل.
وعلاوة على ذلك، يبدو أن طهران ترفع تدريجيًا سقف ردودها، في محاولة لترسيخ معادلة ردع تدفع الإدارة الأمريكية إلى التفكير مليًا قبل الإقدام على أي خطوة تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة أو فرض واقع مغاير في المنطقة.
ولأن هذه الأحداث لم تؤدِّ حتى الآن إلى تصعيد واسع النطاق فذلك يدل على رغبة الطرفين في تجنب حرب شاملة. لكن استمرار الاحتكاك في ظل غياب تسوية سياسية أو تفاهمات واضحة قد يؤدي في نهاية المطاف إلى خروج الأمور عن السيطرة.
ويزداد هذا الخطر كلما أظهرت إيران استعدادًا لتوسيع دائرة الهجمات ورفع مستوى ردودها، ما يزيد احتمالات وقوع خطأ في الحسابات أو تطور ميداني غير محسوب قد يدفع الطرفين إلى مواجهة أوسع لا يرغب أي منهما بها في الوقت الراهن.
لكن من وجهة نظر طهران، فإن القضية أوسع بكثير من مجرد مضيق هرمز. فانهيار مفهوم “الدفاع الأمامي”، الذي كان يقوم على فكرة أن حلفاء إيران ووكلاءها في المنطقة سيردعـون إسرائيل ويمنعون أي هجوم مباشر على الأراضي الإيرانية، يفرض إعادة نظر شاملة في العقيدة الأمنية الإيرانية.
إن إدراك القيادة الإيرانية أن هؤلاء الحلفاء لم يعودوا قادرين على توفير الطبقة نفسها من الحماية الاستراتيجية التي وفرّوها في السابق، يدفعها إلى استنتاج مفاده أن الوسيلة الأكثر فعالية لردع الولايات المتحدة عن أي عمل عسكري مستقبلي، أو عن دعم هجوم إسرائيلي جديد، تتمثل في بناء معادلة ردع مباشرة مع واشنطن نفسها.
وبناءً على ذلك، تسعى إيران إلى إقناع صانعي القرار الأمريكيين بأن أي مواجهة معها لن تبقى محصورة داخل حدودها أو ضمن ساحات نفوذها التقليدية، بل ستترتب عليها كلفة مباشرة على المصالح والقوات الأمريكية في المنطقة، بما يجعل قرار اللجوء إلى القوة أكثر تعقيدًا وأعلى ثمناً.
على خلاف الماضي، حين كان المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يتجنب قدر الإمكان الاحتكاك المباشر والمستمر مع الولايات المتحدة، يبدو أن القيادة الإيرانية اليوم أكثر استعدادًا لقبول هذا الاحتكاك، بل وحتى المبادرة إليه ضمن حدود محسوبة ومدروسة.
ويستند هذا التوجه، من وجهة نظر طهران، إلى منطق بسيط: ففقط من خلال إظهار الثمن الذي قد تضطر الولايات المتحدة إلى دفعه في أي مواجهة مع إيران، يمكن التأثير في عملية صنع القرار الأمريكية مستقبلًا. وبمعنى آخر، تسعى إيران إلى ترسيخ قناعة لدى صناع القرار في واشنطن بأن أي عمل عسكري ضدها لن يكون منخفض الكلفة أو محدود التداعيات، بل سيقابَل بردود قادرة على إلحاق أضرار مباشرة بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة حساباتها قبل الإقدام على خطوات تصعيدية جديدة.
لا يعني ذلك أن إيران ترغب في خوض حرب مفتوحة أو مستمرة مع الولايات المتحدة. بل على العكس، فطهران تسعى إلى استثمار ما تعتبره الإنجاز الأهم في المواجهة الأخيرة، وهو بقاء النظام واستمرار قدراته العسكرية رغم الضغوط والتحديات التي واجهها.
ومن منظورها، فإن القدرة على مواصلة تهديد الوجود الأمريكي في منطقة الخليج تشكل ركيزة أساسية في بناء معادلة الردع الجديدة التي تعمل على ترسيخها. فإيران ترى أن الحفاظ على أدوات الضغط والقدرة على إلحاق كلفة بالمصالح الأمريكية يمنحها أوراق قوة إضافية، ويساعدها على تعزيز موقعها التفاوضي والأمني في أي مواجهة أو ترتيبات مستقبلية في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبقى القدرة على تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أو حتى إغلاقه خلال الأزمات، واحدة من أهم أدوات التأثير في الترسانة الاستراتيجية الإيرانية، ومن المرجح أن تواصل لعب دور محوري في عقيدة الردع الإيرانية تجاه أي إدارة أمريكية في المستقبل.
غير أن السؤال الأهم هو ما إذا كانت طهران ستكتفي بذلك. فمع تقدم النقاشات الداخلية في إيران حول دروس المواجهة الأخيرة ومستقبل عقيدة الأمن القومي، قد يبرز بقوة أكبر أيضًا الجدل المتعلق بالملف النووي. فإذا كان البرنامج النووي يُنظر إليه في السابق أساسًا كأداة تفاوض ووسيلة لترسيخ مكانة إيران كدولة على عتبة القدرة النووية، فقد يُعاد طرحه اليوم ضمن إطار أوسع يتعلق بتحقيق ردع مباشر في مواجهة الولايات المتحدة.
ومن هذا المنطلق، ليس مستبعدًا أن يتحول نموذج كوريا الشمالية إلى مرجع أكثر أهمية في النقاشات الاستراتيجية داخل طهران، باعتباره مثالًا على كيفية استخدام القدرات النووية أو شبه النووية كوسيلة لضمان أمن النظام ومنع الخصوم من التفكير في فرض حرب أو تغيير المعادلات بالقوة.
ومع ذلك، فإن تبني مثل هذا التوجه، إن حدث، قد يحمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة، لأنه قد يدفع إلى سباق تسلح جديد ويزيد من تعقيد العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، فضلًا عن انعكاساته على أمن الشرق الأوسط بأسره.
—————-انتهت النشرة—————–

