كتب جدعون ليفي : التدمير الشامل لغزة بوابة إلى مشروع التهجير

مخيم للنازحين في خان يونس هذا الشهر. وبما أن إسرائيل عارضت بشكل قاطع إدارة غزة من قبل أي جهة فلسطينية أخرى — لا السلطة الفلسطينية، ولا هيئة دولية، ولا أي طرف آخر — وفي الوقت نفسه لا ترغب في إدارة القطاع بنفسها، فقد انكشف المستور: إنها لا تريد لأي جهة أن تدير الحياة في غزة. ما تريده هو مليونا إنسان يعيشون في الخيام. عندها يصبح التهجير أكثر سهولة

المسار: لدى إسرائيل خطة لغزة. ومن ظنّ أنه ليست لديها خطة لليوم التالي كان مخطئًا خطأً فادحًا. ليت الأمر كان كذلك. فبعيدًا عن أنظار العالم، وبعيدًا أيضًا عن اهتمام الرأي العام الإسرائيلي، يجري بالفعل تنفيذ المرحلة التالية من العقيدة المرحلية الإسرائيلية. فبعد أن استنفدت الإبادة الجماعية أغراضها، وبعد أن أدّى الدمار شبه الكامل دوره، تمضي إسرائيل بثقة نحو تنفيذ المرحلة التالية من خطتها: تحويل سكان غزة جميعًا إلى مجتمع من المعاقين والجرحى والمرضى والجوعى والمشرّدين والمحرومين من مصادر الرزق إلى الأبد.

وعندما يتحول سكان غزة إلى هذا الحشد البشري المفتّت، بلا مجتمع منظم، ولا خدمات أساسية، ولا مؤسسات حيوية، وبالطبع بلا قيادة، فإن التحطيم الكامل للبنية الاجتماعية سيسهّل على إسرائيل الانتقال إلى المرحلة التالية التي لم تتخلَّ عنها يومًا: مرحلة التهجير. عندها فقط، في نظرها، تُحلّ «مشكلة غزة» نهائيًا. هكذا فقط.

وقد سُمعت أصداء واضحة لهذه الخطة الأسبوع الماضي على لسان اثنين من أبرز منظّريها ومنفذيها. فقد قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن “توجيهه” يقضي بالانتقال من السيطرة على 60% من القطاع إلى السيطرة على 70%. أما وزير الدفاع يسرائيل كاتس فكتب على منصة X: “تعهدنا بأن حماس لن تحكم غزة مدنيًا أو عسكريًا، وهكذا سيكون. كما ستُنفذ خطة الهجرة الطوعية، كل شيء في توقيته وبالطريقة الصحيحة”.

وبعبارة أخرى، سيُحوَّل سكان غزة إلى ما يشبه “قطيعًا” يسهل نقله من هنا، في «التوقيت والطريقة المناسبين»، فالنظام، كما يبدو، يجب أن يبقى محفوظًا.

إن “القضاء على حكم حماس” لم يُطرح من أجل هذه الغاية وحدها. فبما أن إسرائيل عارضت بشكل قاطع إدارة غزة من قبل أي جهة فلسطينية أخرى — لا السلطة الفلسطينية، ولا هيئة دولية، ولا أي طرف آخر — وفي الوقت نفسه لا ترغب في إدارة القطاع بنفسها، فقد انكشف المستور: إنها لا تريد لأي جهة أن تدير الحياة في غزة أصلًا. ما تريده هو مليونا إنسان يعيشون في الخيام. عندها يصبح التهجير أكثر سهولة.

وحين يقول يسرائيل كاتس إن حماس لن تدير غزة من الناحية المدنية، فهو يعلم جيدًا أنه لا توجد حاليًا جهة أخرى قادرة على إدارة القطاع، ولن توجد على الأرجح في المستقبل القريب. فالبديل الوحيد المطروح الآن للحكم المدني الذي تديره حماس هو الفوضى. وهذه الفوضى بالذات تخدم إسرائيل، وتخدم تنفيذ هذه الخطة.

يمكن للدعاية الإسرائيلية أن تواصل الصراخ بأن غزة كلها حماس، وأن كل من ينتمي إلى حماس هو “إرهابي”. هذا، بطبيعة الحال، كذب. فليس كل سكان غزة من حماس، وليس كل من يُصنَّفون ضمن حماس إرهابيين.

تعلم إسرائيل جيدًا أن عشرات الآلاف من المعلمين والأطباء والشرطة وموظفي الحكومة الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة حماس ليسوا مقاتلين. لكن تصنيفهم باعتبارهم “عناصر حماس” أتاح لها قتل الآلاف منهم تحت عنوان “الإرهابيين”. فشرطي المرور، والمحاسب، والمعلم، ليسوا إرهابيين ولا يجوز استهدافهم بالقتل. وقتلهم كان ولا يزال، وفق هذا الطرح، جريمة حرب. وكذلك الصحافيون الذين حصلوا على بطاقات صحافية من حكومة حماس؛ فهم صحافيون، وربما دعاة أو مروّجون سياسيون كما هو حال عدد غير قليل من الصحافيين الإسرائيليين، لكنهم ليسوا إرهابيين.

وهكذا، أصابت إسرائيل عصفورين بحجر واحد: منحت نفسها شرعية، وإن كانت زائفة، للقتل غير التمييزي، وفي الوقت نفسه أحرزت تقدمًا إضافيًا في تنفيذ خطتها الكبرى. فبلا معلمين وأطباء وأخصائيين اجتماعيين ومهندسين وموظفين، لا يمكن أن يقوم مجتمع فاعل. وبلا مجتمع فاعل، يصبح تهجير سكان غزة إلى أصقاع الأرض أكثر سهولة.

وفي نهاية الأسبوع، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقابلة استمرت ساعتين أجراها تاكر كارلسون مع الجرّاح البريطاني من جامعة أكسفورد، الدكتور نيك ماينارد، الذي يتطوع في غزة منذ نحو سبعة عشر عامًا، دخولًا وخروجًا. وقد سرد ماينارد شهادات مروعة قال إنه عاينها بنفسه: جثث وصلت مكبّلة، وأطفال قُتلوا بإطلاق النار، ورضّع ماتوا جوعًا، وأطفال خدّج تُركوا في الحاضنات بعد أوامر إخلاء ثم عُثر عليهم موتى بعد أسابيع.

وبحسب الكاتب، فإن على كل إسرائيلي — بل وعلى كل إنسان — أن يستمع إلى هذه المقابلة. غير أن هذه الفظائع، على فداحتها، لم تكن في نظره سوى جزء من هدف أوسع: ما يصفه بـ«الحل» الإسرائيلي للمسألة التي اسمها غزة.

Share This Article