المسار: لم تمضِ ساعات على الردّ الإيراني على العدوان الإسرائيلي الذي استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان، حتى بدأت بعض تداعياته السياسية تظهر بوضوح. داخلياً، برزت مؤشرات سياسية لافتة عكست إدراكاً متزايداً لاستحالة فرض وقائع أحادية الجانب تحت وطأة الضغط العسكري.
وتجلّى ذلك في مقاربة مستجدة لرئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي تبنّى خطاباً حازماً في ما يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، قبل أن يعود إلى اعتماد مقاربة أكثر حذراً وواقعية، تربط معالجة هذا الملف بسلسلة من الشروط السياسية والأمنية تبدأ بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولا تنتهي بإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار وعودة النازحين إلى مناطقهم.
فقد أشار رئيس الجمهورية خلال استقباله أمس وفداً من النواب في البرلمانين الفرنسي والأوروبي (من المناهضين للسياسات الإسرائيلية) إلى أن انسحاب إسرائيل يفتح الباب أمام بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وإنهاء المظاهر المسلحة، وسحب أي مبرر لبقاء سلاح خارج إطار الشرعية الرسمية، وهو ما عُدّ تراجعاً عن سقوف سياسية كانت مطروحة سابقاً، وانتقالاً من منطق المواجهة المباشرة مع الملف إلى منطق الإدارة التدريجية له ضمن تسوية أوسع. فيما أشارت تسريبات إلى رغبة عون في فتح قنوات اتصال جديدة مع إيران، انطلاقاً من مقاربة مفادها أن لبنان لا يمانع في التعاون مع إيران أو الاستفادة من دورها، على أن تكون هذه الاتصالات مباشرة مع الدولة اللبنانية لا عبر حزب الله.
كما ظهرت تداعيات الرد الإيراني في إدراج ملف عودة النازحين إلى قراهم ضمن ما حمله السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى عين التينة أول من أمس، وهو بند لم يكن مطروحاً في أي من أوراق التفاوض الأميركية السابقة. إلا أن مصادر متابعة أكّدت أن عيسى لم يحمل أجوبة واضحة إلى الرئيس نبيه بري الذي أكد أن لا مجال للبحث في أي ترتيبات قبل حسم الوقف الشامل لإطلاق النار والانسحاب المتزامن.
وهو ما تم التأكيد عليه في لقاء مطول في عين التينة لمناقشة الاقتراح الأميركي، ضم بري ومعاونه السياسي النائب علي حسن خليل، وعن حزب الله الحاج حسين الخليل والوزير السابق محمد فنيش. وأكدت مصادر «الأخبار» أنه جرى الاتفاق بين الطرفين على ثوابت وقف شامل لإطلاق النار من دون أي حرية حركة، وانسحاب إسرائيلي سريع وشامل، وإطلاق الأسرى وانتشار للجيش في منطقة جنوب نهر الليطاني.
وفي ظل هذه المتغيرات، عاد لبنان إلى واجهة الاشتباك السياسي والأمني الإقليمي، لكن ضمن ظروف تختلف عمّا كانت عليه قبل الرد الإيراني، إذ باتت محاولات فرض الشروط الإسرائيلية تصطدم بوقائع ميدانية وسياسية أكثر تعقيداً. غير أن التطورات الأخيرة لم تُفضِ إلى تثبيت وقف إطلاق نار شامل بقدر ما أعادت ترتيب أولويات الصراع، فيما تبدو إسرائيل مصمّمة على احتواء مفاعيل الرد الإيراني على استهداف الضاحية الجنوبية ومنع ترجمته إلى معادلات ردع جديدة في الساحة اللبنانية، ناهيك عن تكريس معادلة ردع جديدة تنقل الضغط من الحدود إلى العمق اللبناني، وتجعل بيروت وضاحيتها الجنوبية في صلب أي مواجهة مقبلة.
رئيس الجمهورية: انسحاب إسرائيل يفتح الباب أمام بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها
وفي هذا السياق، جاء قرار المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر بمنح الجيش صلاحية الردّ المباشر على الضاحية من دون العودة إلى المستوى السياسي، سعياً إلى إرساء آلية رد شبه تلقائية، بما يعني عملياً أن أي صاروخ أو مسيّرة، أو حتى حادث أمني غامض، قد يتحول إلى ذريعة لتثبيت معادلة «الضاحية مقابل المستوطنات».
ومن هذه الزاوية يمكن فهم وتيرة التصعيد العسكري المستمرة في الجنوب والبقاع، والرسائل التي تحاول إسرائيل توجيهها إلى طهران عبر الساحة اللبنانية، ومفادها أن أي تفاهمات إقليمية أو ضغوط دولية لن تدفعها إلى التراجع عن استراتيجيتها القائمة على تفكيك البنية العسكرية لحزب الله.
وسط هذه الأجواء، لا تبدو واشنطن وكأنها تتحرك بمنطق الساعي إلى اتفاق، بقدر ما تعمل على استثمار المسار العسكري القائم لتكريس فصل المسارات وفكّ الارتباط بين الملفين اللبناني والإيراني، ليس فقط في ما يتعلق بوقف إطلاق النار، وإنما في ما خص شكل الجنوب في مرحلة ما بعد الحرب، ودور الجيش اللبناني، وآليات الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل البنية العسكرية للحزب.
لذلك، تبدو المفاوضات الجارية أعمق بكثير من مجرد بحث في هدنة أو ترتيبات أمنية مؤقتة. فهي تدور، في جوهرها، حول الجهة التي ستملك حق رسم معالم المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني، وحول طبيعة التوازن الذي سيحكم العلاقة بين الدولة اللبنانية والمقاومة، والضمانات الدولية والإسرائيلية. وفي هذا الإطار، قالت مصادر مطلعة لـ«الأخبار» إن «لا تباين فعلياً بين الرؤية الأميركية والرؤية الإسرائيلية، إذ يسعى الطرفان إلى فرض مسار متزامن يجمع بين الإجراءات الأمنية والتسوية السياسية، واستثمار التفوق العسكري والضغط الميداني للحصول على أكبر قدر ممكن من الضمانات المسبقة قبل تقديم أي تنازل». وأضافت أن «كل المعطيات المتوافرة لدى المسؤولين اللبنانيين تشير إلى أن واشنطن لا تمارس ضغطاً حقيقياً على إسرائيل، ولا تبدو راغبة أصلاً في القيام بذلك»، ولا سيما بعد عودة العامل الإيراني ليتصدر المشهد بقوة.
عن الأخبار اللبنانية

