بقلم: جدعون ليفي : الإسرائيليون اكتشفوا فجأة الاحتلال (عفواً، الإرهاب اليهودي)

المسار: تشرفت بلقائكم، اسمي هو الإرهاب اليهودي. أنا جديد على واقعكم وشاشاتكم، لكني موجود منذ سنوات. بعد ثورة 7 أكتوبر قررت رفع رأسي، وقررت أنكم لم تعودوا تستطيعون غض النظر. فجأة اكتشفتموني. فجأة أصبحت موجود بينكم أيضا. لذلك، للمعرفة، من يعرفني جيدا يسميني “الاحتلال”. يمكنكم اطلاق هذا الاسم علي أيضا، رغم صعوبة ذلك عليكم. لماذا اطلق عليه اسم الاحتلال الان؟ اذاً تفضلوا وقولوا “الإرهاب اليهودي”. انتم تعرفون كيف تكذبون على أنفسكم. فقد تعودتم على نفي الواقع.

ببطء وبحذر كبير بدأت وسائل الاعلام الإسرائيلية تظهر اهتمامها بالواقع. صحيح أن برامج التحقيقات الليبرالية في التلفزيون ما زالت غارقة في احداث 7 أكتوبر. وفي الحقيقة، ما الذي يستحق التحقيق فيه بشان الاحتلال؟. في برنامج “عوفده” لايلانا ديان، وبرنامج “حمكوت” لرفيف دروكر، ما زال ينظر الى “الكارثة اليهودية الثانية بعد المحرقة” بانها حجر الزاوية في الصحافة الاستقصائية – حيث يتم ذرف اكبر قدر ممكن من الدموع وإظهار اكبر قدر ممكن من البطولة – لكن في برنامج “الزمن الحقيقي” تم نشر فجأة تحقيق صادق حول المليشيات المتطرفة التي تسمى “هغمار” (وحدات الدفاع القطرية)، وبدأت البادرة الأولى للنزاهة تظهر في النشرات الإخبارية وفي وسائل الاعلام المطبوعة أيضا.

وهنا بعد ان اطلق جندي متعطش للدماء النار على رضيع وقتله وهو في حضن امه، تحرك بعض الأشخاص. وحتى المذابح اليومية بدأ يتردد صداها فيما نسميه اخبارنا وصحفنا، التي هي في الواقع ليست الا برامج اثارة وغسل للادمغة، كما تشاؤون. بعد عقود من النفي والتستر بدأت الحقيقة ترفع رأسها من خلال برامج الواقع في التلفزيون. لم يكن الطفل القادم من الخليل جدير بعد بعنوان صحيفة “إسرائيل اليوم” أو عنوان صحيفة “يديعوت احرونوت”. فهو في نهاية المطاف إرهابي، أو على الأقل ابن إرهابي. لكن في اليوم الأخير في حياته القصيرة تمكن سام أبو هيكل ابن السبعة اشهر من اختراق وعي الإسرائيليين للحظة. لقد نجح فيما فشل فيه ألف طفل قتلوا في غزة قبله. فخلافا لهم، كان يوجد لسام وجه وأم وأب يعملان محاضرين في الجامعة، وحتى جدته كانت مديرة مدرسة مثالية. وبسرعة إسرائيل ستطلق عليهم “عائلة بأكملها”، لكن الطريق ما زالت طويلة. لا يوجد ما يقال عن “ضحايا اعمال عدائية” أو ما يتم الحلم به عن “إرهاب الدولة” أو “جيش الاوغاد”. ولكن سام، مع ذلك، اقتحم حياتنا ومعه عرفنا ان الجنود اليهودي يقتلون أطفال فلسطينيين اثناء ساعات العمل. ويهربون على الفور بعد قتلهم بدون تقديم الإسعاف الاولي لهم. ما زال الجيش والدولة يدعموهم، ولا أحد يفكر في التعبير عن الحزن أو الاعتذار، ويتساءل لماذا، من الذي مات؟.

بدأ موسم الحروب المتتالية، الذي حظره بنيامين نتنياهو قبل سنتين وثمانية اشهر، يهز وعي الإسرائيليين المنغلق، ولو بشكل قليل – وحتى ساعة الرولكس تشالنج الأكثر تطورا ستفقد مقاومتها للمياه عند عمق معين. غزة بعيدة عن الأنظار، وهي تحت سيطرة حماس، والجيش الإسرائيلي هو قدس الاقداس، وجنوده هم الأكثر أخلاقية في العالم، لذلك، ربما يتمكن المستوطنون بالشعر الطويل المستعار والقبعات الكبيرة من اختراق طبقة الحماية بشكل قليل. ربما بفضلهم سيبدأ الاستيقاظ من الغفلة الآن.

كم لطيف كان عمانا! ما لم تتم تغطيته إعلاميا لم يكن موجود، لا إبادة جماعية أو فصل عنصري أو حتى احتلال، فقط شعب عاد الى ارضه القاحلة، وفلسطينيون ولدوا ليقتلوا. ستون سنة من الانكار لن تنتهي بين عشية وضحاها، لكن الأسابيع القليلة الماضية تظهر أن الشرخ الأول قد فتح بالفعل. ومثلما هي الحال مع أي ادمان آخر، فان معرفة المشكلة هي الخطوة الأولى على طريق التعافي. ما زالت المعرفة بعيدة المنال، والتعافي أبعد من ذلك، لكن عار 60 سنة من الخيانة والاختلاس بحق الصحافة الحرة في إسرائيل بدأ في الاقتراب من نهايته. من الجيد معرفة ان اسمي هو الاحتلال.

Share This Article