غزة والاتفاق: المأمول من إيران «بحجم صمودها»

كتب يوسف فارس

أثار الإعلان عن «مذكرة التفاهم» الإيرانية – الأميركية موجة جدل واسعة في قطاع غزة، بين اتهامات بـ«خذلان» طهران لغزة وقراءات أكثر واقعية تربط غياب غزة عن الاتفاق بالقرار السياسي الموزّع بين قوى فلسطينية متعدّدة، والذي تظلّ القاهرة الطرف المؤثّر في سيرورته.

المسار: غزة – لم يكد يُعلن عن «مذكرة التفاهم» الإيرانية- الأميركية، والتي اشترطت وقف الحرب على الجبهة اللبنانية، حتى انطلقت «الأوركسترا» المعهودة، لتعزف مجدداً على وتر «خذلان إيران لغزة». واستندت هذه الموجة التي اجتاحت منصّات التواصل الاجتماعي عبر مئات المنشورات، إلى افتراضات طائفية، حاولت «تقزيم» الموقف الإيراني، ومقابلة حدود استعداده للتصعيد بين تجربتَي جبهتَي غزة ولبنان، انطلاقاً من تلك الافتراضات.
ورغم أن لكلّ جبهة ومعركة ظروفها الخاصة التي تجعل من الجور إخضاعها لمقياس واحد، إلا أن «منهجية الاستسهال» وخلط الحابل بالنابل بقيت السائدة، وذلك طلباً لاستخلاصات «رغائبية» مريحة. وهي منهجية تغلب دائماً على القراءات الهادئة للظروف، والتي تحكمها، في الحال الراهنة، الفوارق الجوهرية بين ما سمحت به الظروف المحيطة باشتعال «حرب رمضان»، وما لم تسمح به ظروف «حرب الأيام الـ12» السابقة، والتي لم يشارك فيها «حزب الله» أساساً.
مع ذلك، حمل الشارع الغزاوي، الذي تركته حرب الإبادة الصهيونية مكشوفاً ومستنزَفاً – إلى حدّ إنتاج مواقف وتصريحات متناقضة تحت وطأة الضغط المتواصل -، في شقّه المؤطَّر والمحسوب على حاضنة المقاومة، عتباً «ودوداً». إذ يقول محمود أبو مصعب مثلاً إن «غزة تُرِكت وحيدة، وتخطّتها كلّ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، رغم أن الإيرانيين هم أصحاب الموقف الأكثر تقدماً في دعم المقاومة، واحتضان عائلات الشهداء، وبذل الدماء».

ومن جهته، يعبّر الكاتب والباحث السياسي محمد العيلة، في منشور له على «فيسبوك»، عن ما يشعر به بالقول: «أشعر شخصياً بقدر كبير من المرارة لأن الاتفاق الإيراني- الأميركي لا يتضمّن إشارة واضحة وصريحة تلزم العدو الإسرائيلي بالاتفاق الذي وقّعه في غزة، ووقف الانتهاكات والجرائم المستمرة بحق شعبنا. المأمول من إيران كبير بحجم صمودها وإمكانياتها، وقد أثبتت أنها قوة نجحت في كسر أهداف أعظم قوة في العالم في هذه الحرب، لكن قدَر غزة يشبه قدر الإمام الحسين في مواجهة المحنة وحيداً، رغم كثرة المتعاطفين والمتفرجين وقلة الناصرين».

على المقلب الآخر، يرى الكاتب والمحلل السياسي المحسوب على حركة «فتح»، محمد دياب، أن «إيران تجاهلت، طوال عامَين من حرب الإبادة، قطاع غزة»، زاعماً أنها «لم تلوّح بصاروخ واحد لوقف المجازر بحق الأطفال والنساء في غزة». ويذهب دياب أبعد من ذلك بمطالبته «كلّ الفصائل الفلسطينية المتحالفة مع إيران بأن تعتذر لشعبنا عن تلك السنين التي رهنت فيها مستقبلنا بالمشروع الإيراني».
أمّا أصحاب الاتجاه الأكثر تطرفاً، ممّن يغرّدون منذ السابع من أكتوبر في «كوكب المريخ»، والذين لم تثُر عروبتهم إلّا عندما قصفت إيران القواعد الأميركية في الكيانات العربية، فقد توهّموا منذ بدء الحشد الأميركي في المنطقة أن النظام الإيراني بات جزءاً من الماضي. لكن «لا يؤاخَذ هؤلاء على ما يقولون»، بحسب ما يعلّق به الناشط نضال أبو مصطفى عبر «فيسبوك» على كلامهم، مضيفاً: «إن ناقشتَ كائناً يرى أن العداء الإيراني – الأميركي – الإسرائيلي هو مسرحية، وأن إيران أخطر على القضية الفلسطينية من إسرائيل، وأن عملية طوفان الأقصى كانت مؤامرة إيرانية – إسرائيلية تستهدف الكينونة الوطنية التي تمثلها الشرعية الفلسطينية في رام الله»…. فكلّ هذا يمثّل «أعلى مستويات العبث. هؤلاء يتبنّون اليوم أن إيران خذلت غزة، وهم أنفسهم الذين تبنّوا سابقاً أن العداء الأميركي الإيراني مسرحية هدفها النيل من ذكائهم».

في الموازاة، يبرز تيار أكثر تفهماً لتعقيدات المشهد التفاوضي؛ إذ يرى الناشط «أبو أميمة»، مثلاً، أن غزة تعيش اليوم ضمن مسار تفاوضي خاص بها ترعاه أطراف دولية وإقليمية، وتُدار شؤونها عبر قنوات منفصلة تماماً عن بقية ملفات المنطقة الساخنة. ويضيف، في منشور له، أنه «ربما يخطئ الكثيرون حين يفترضون أن الواجب يحتّم على إيران التحدث باسم غزة كما تتحدث بلسان حلفائها الآخرين، ولكن يغيب عن أذهانهم في لحظة عاطفية أن الساحة الفلسطينية هي الأشد تعقيداً في الساحات المفتوحة، ومحكومة بتوازنات داخلية وإقليمية ودولية غاية في الحساسية تجعل من قرارها السياسي مختلفاً عن الساحات الآخرى».
ويوضح أبو أميمة أن غزة «بالوصف الموضوعي والدقيق، لم تكن طرفاً أو سبباً في الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية، ولم تُظهر أيّ رغبة في ربط مصيرها التفاوضي بمصير أحد لعدم وثوقها من البداية بانتصار أو بقاء هذا الأحد». ولذلك، «مرةً أخرىٰ، إن إدراج غزة في أيّ اتفاق إقليمي لا يشارك الفلسطيني في صياغته والمصري في رعايته لن ينجح، إنما يكون وصفةً جاهزة للفشل، فغزة لا تصلح لأن تكون ورقة إقليمية للتفاوض، لأنها قضية بذاتها ولها واقعها المختلف وتعقيداتها التي لا تشبه أحد».

وبين هذا وذاك مِن ما تَقدّم من آراء، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات:
– أولاً: منذ السابع من أكتوبر، يتعامل كيان الاحتلال مع قطاع غزة باعتباره ملفّاً أمنياً وجودياً يمسّ سلامة «أمنه القومي» مباشرة، وليس كملفّ سياسي قابل للمناورات.
– ثانياً: إن أيّ تطور في العلاقة بين طهران وواشنطن وتل أبيب ينعكس، بالضرورة، بصورة أو بأخرى، على غزة إيجاباً أو سلباً، حتى وإن لم تكُن غزة طرفاً في التفاوض.
– ثالثاً: من الخطأ الاستراتيجي إسقاط واقع «حزب الله» السياسي الداخلي والأمني مع إسرائيل على واقع قطاع غزة؛ فالمقاومة في لبنان تمتلك قراراً مركزياً موحّداً ومستقلاً عن بنية الدولة، في حين أن القرار السياسي في غزة يبقى موزعاً بين قوى سياسية متعدّدة – من بينها سلطة رام الله -، وتظلّ القاهرة الطرف الإقليمي الأقوى المؤثّر في سيرورته.

نقلا عن الأخبار اللبنانية

Share This Article