| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 2/7/2026
لمنع 7 اكتوبر القادم: الخطة الكبيرة للاستيطان على الحدود الشرقية
بقلم: يوتم ديشه
في منطقة طولها 500 كم يعيش حوالي 40 الف شخص فقط، ومعظمها بقي بدون عائق متواصل. هكذا تبدو حدود اسرائيل الشرقية – الحدود الاطول لها. الحدود مع الاردن – التي اعتبرت خلال سنوات هادئة نسبيا وتم ابعادها الى هامش النقاشات الامنية. بعد 7 اكتوبر، في حين كان الجيش الاسرائيلي يعمل في غزة وفي لبنان وفي سوريا وضد ايران، تبلور في القدس مفهوم جديد: الهدوء على الحدود الشرقية هو الذي جعل الحدود خطيرة.
الحكومة تقوم ببلورة خطة وطنية شاملة تستهدف تغيير هذا الواقع. ففي أيار 2025 صادق الكابنت على مشروع تجريبي اولي بمبلغ 80 مليون شيكل، يرتكز الى ثلاثة ركائز: تعزيز المستوطنات القائمة بواسعة احياء شابة تتعهد بالانضمام الى فرق الطواريء المحلية؛ اقامة 30 بؤرة مهمات وطنية على طول الحدود – مدارس عسكرية تمهيدية، انوية للناحل، قرى طلاب ومنظمات خدمات اخرى؛ اقامة مزارع امنية – مزارع زراعية لاغراض امنية، بعضها قريب من المواقع القديمة التي انسحب منها الجيش لسنوات. عائلة واحدة في المزرعة تسمح بوضع اليد على مساحة كبيرة وخلق تواجد متواصل ومراقبة المنطقة لصالح قوات الامن.
من يقود هذه العملية هي وزيرة الاستيطان اوريت ستروك. بعد اشهر على اندلاع الحرب بدأت بالدفع قدما بهذا المشروع الريادي، بالتعاون مع مكتب رئيس الحكومة ووزارة الدفاع وهيئة الامن القومي. “الجميع ينظرون الى غزة ولبنان وايران”، قالت. “لكن الحدود الشرقية هي الحدود الاطول لاسرائيل. هي هادئة نسبيا، لذلك يسهل تجاهلها. وبالذات بسبب ذلك يجب علينا التفكير للمستقبل”.
لقد تمت المصادقة على هذا المشروع الريادي وبدأ العمل فيه في العام 2025، واعتبر في نظر المهنيين نجاح. الان هو يوجد في مراحل متقدمة، نحو خطة اوسع وممولة اكثر، التي يتوقع ان تصوت عليها الحكومة، حتى لو لم يكن هناك موعد محدد لذلك. من جلسة لجنة المستوطنات على الحدود الشرقية في الكنيست، التي عقدت مؤخرا تبين ان وزارة الاستيطان تدفع قدما بقرار حكومي بتكلفة 3 مليارات شيكل لتعزيز المنطقة.
عيون على المنطقة
الرؤية التي توجد في اساس هذا المشروع بسيطة: مواطنون مسلحون يعيشون على طول الحدود يستطيعون الاحتفاظ بالمنطقة الى حين وصول قوات الجيش. “في نهاية المطاف الجيش الاسرائيلي لا يمكنه وضع جندي في كل مترين”، قال اوري سبير الذي يؤيد هذا المشروع، وهو نائب مدير عام “هشومير هتسعير. “الحل هو مجموعة سكانية قوية تعيش على الحدود وتعمل هناك وتشكل جزء من منظومة الدفاع”.
سبير يذكر بنظرية الدفاع القطرية ليغئال الون من الستينيات، والتي ايضا رسخت حماية الحدود على الدمج بين الجيش والمستوطنين. “هذه بالضبط هي الرؤية التي تعود الآن، هذه المرة في اعقاب الصدمة الكبيرة التي عاشتها اسرائيل منذ اقامتها”. وحسب قوله فانه وراء العبرة العامة هناك ايضا تهديد محدد: ايران تبحث طوال الوقت عن طرق جديدة للعمل ضد اسرائيل. هي تطور امتدادات جديدة لها. واذا قررت العمل من الشرق فهذا سيكون من خلال هذه الحدود”.
افنير غولدشميث، المسؤول عن مشروع محور الشرق في وزارة الاستيطان، يشرح الفكرة: “الجيش ترك لسنوات جزء من المواقع على خط المياه. الآن نحن نعيد اليها الحياة. يوجد هناك اشخاص وحضور وعيون على المنطقة”. هذه الركائز الثلاثة للمشروع – احياء شابة وبؤر المهمات والمزارع – استهدفت خلق معا تواصل في الحضور يمكن قوات الامن من الرد بسرعة اكبر.
الخطوات الامنية
المسؤول عن مشروع الحدود الشرقية في وزارة الدفاع، مردخاي بنيتا، اعلن في جلسة للكنيست بانه بدون صلة بخطة ستروك، فانه في شهر ايلول ستتم اقامة حوالي 40 بؤرة جديدة للناحل، مع 600 – 800 شاب على طول الحدود. في موازاة ذلك تمت اقامة الفرقة 96، وهي الفرقة الخاصة للحدود الشرقية والتي ستكون خبيرة في التحديات في المنطقة، بما في ذلك حماية الحدود. ولكن ممثل الجيش الاسرائيلي في النقاش حذر من انه “من بين الـ 500 كم من الحدود، فقط 80 كم تم تمويلها حتى الان لاقامة عائق امني”.
ولكن في موازاة خطة الاستيطان تقوم وزارة الدفاع بالدفع قدما بعملية منفصلة لاغلاق الحدود نفسها. في كانون الاول 2025 اعلنت وزارة الدفاع عن البدء في اقامة العائق الامني على الحدود الشرقية، مشروع بتكلفة 5.5 مليار شيكل، الذي سيمتد على طول 500 كم، من جنوب هضبة الجولان وحتى شمال ايلات.
الاعمال بدات في المقاطع الاولى بطول 80 كم تقريبا في الاغوار. رئيس ادارة الحدود وخط التماس الجنرال عيران اوفير، اوضح ان هذه ستكون حدود ذكية، تشمل جدار مادي ووسائل لجمع المعلومات ورادارات وكاميرات واجهزة تنصت متقدمة. وزير الدفاع اسرائيل كاتس قال ان العائق الجديد سيعزز الاستيطان على طول الحدود وسيقلص بدرجة كبيرة تهريب السلاح للارهابيين في يهودا والسامرة وسيشكل ضربة شديدة لجهود ايران ووكلائها في اقامة جبهة شرقية ضد دولة اسرائيل.
ارتباطات فجائية
الامر البارز في المشروع هو الدعم الذي يحصل عليه من الذين لا يعتبرون من معسكر اليمين. رئيس مجلس غور الاردن عيدان غرينباوم لا يخفي الفجوة الايديولوجية بينه وبين ستروك. “نحن لم نتربى في نفس المعهد، وكما يبدو نحن نختلف في مواضيع كثيرة”، قال واضاف. “مع ذلك نحن نلتقي هنا على امر واحد وهو حب الشعب والبلاد والرغبة في تطوير دولة اسرائيل”.
غرينباوم يضيف ايضا: “لقد شاهدنا ما يحدث عندما لا نكون مستعدين في الوقت المناسب. لا يمكن الافتراض ان الحدود الهادئة ستبقى هادئة الى الابد. اذا قدمنا للناس سكن باسعار معقولة وتعليم وصحة وبنى تحتية، هم سيأتون. هذا ليس فقط حاجة امنية، بل هو ايضا فرصة كبيرة للتطوير”.
——————————————
هآرتس 2/7/2026
ألف يوم على اكتوبر الاسود: الانجازات، الاخفاقات وخيبة الامل
بقلم: شاحر كلايمان
البعض يقولون ان حرب اكتوبر غيرت وجه الشرق الاوسط بشكل جذري. صحيح ان اغتيال قادة محور الارهاب ادى الى تغييرات كبيرة، ودولة اسرائيل سيطرت على مناطق جديدة، بدءا بجبل الشيخ ومرورا بالمنطقة في جنوب الليطاني وانتهاء بالسيطرة على 60 في المئة من مساحة قطاع غزة. مع ذلك، لم تكن كل التطورات التي نتجت عن ردة فعل اسرائيل في صالحنا في نهاية المطاف.
ساحة واحدة شاهدت انقلاب جذري. فقد ادى اغتيال حسن نصر الله وهزيمة حزب الله الى تراجع نفوذه السياسي في لبنان. وتم اجبار التنظيم الذي كان يعتبر متوج الملوك في لبنان على الموافقة على تعيين اللواء جوزيف في منصب رئيس الدولة، الذي هو شخص ذكي وبراغماتي ويميل للغرب، اكثر مما توقعت قيادة حزب الله الجديدة.
هذا لم يكن ليحدث مع حسن نصر الله. حزب الله احتفظ بحقيبتين وزاريتين في الحكومة، لكنه اضطر في التشكيلة الوزارية الى قبول اشخاص من حزب سمير جعجع، الخصم اللدود له. وهكذا حصلنا على وزير خارجية لبنان يوسف راجي، الذي يتصادم كثيرا مع النظام في ايران، ورئيس الوزراء السني نواف سلام، الذي قاد برنامج نزع السلاح. وفي شهر حزيران تم التوصل الى اتفاق اطار تاريخي بحسبه تعتبر اسرائيل ولبنان بحق كل واحدة منهما بالوجود، وبدأتا عملية السلام.
سوريا معقدة اكثر مما كان متوقع
في سوريا سقط نظام الاسد واستبدله تحالف اسلامي برئاسة احمد الشرع. وتنسب اسرائيل ذلك الى ضعف حزب الله. ولكن الامر اكثر تعقيدا. كان الثوار بقيادة الشرع يستعدون للهجوم منذ سنوات. وقد اضعف فساد الزعيم وضعف شخصيته نظام الاسد. كانت روسيا تنشغل في اوكرانيا، وقدم المحور الايراني الدعم بشكل متأخر جدا. لا شك ان غياب حسن نصر الله وضعف حزب الله زاد من تقويض اركان نظام الاسد، لكن هذا لم يكن الا عامل واحد.
غزة، حماس نجت
الوضع في قطاع غزة اقل تفاؤلا. فرغم القضاء على قيادة حماس الاصلية بقيادة يحيى السنوار ومحمد ضيف، الا ان المنظمة الارهابية نجت ولم تفقد قدرتها العسكرية والحكومية بالكامل. ورغم سيطرة اسرائيل على 60 في المئة من مساحة القطاع الا ان معظم السكان يتركزون في المنطقة التي بقيت والتي تبلغ مساحتها 40 في المئة. وفي حين تفحص اسرائيل الموافقة على الضغط الامريكي للبدء في اعادة اعمار المنطقة الخاضعة لسيطرتها، بدأت قطر وتركيا اعمال اعادة الاعمار والنشاطات الانسانية في المناطق التي تسيطر عليها حماس.
في داخل القطاع تسمع اصوات معارضة لحكومة حماس، الى جانب المليشيات التي تساعد اسرائيل، ولكن مشكوك فيه ان تتمكن هذه العوامل لوحدها من تدمير المنظمة، المتجذرة بقوة في المجتمع، حتى بعد مرور ثلاث سنوات تقريبا من الحرب والتدمير.
اليمن والسعودية، خيبة أمل
في اليمن برز الحوثيون كتهديد حقيقي وعززوا قبضتهم على السلطة. ورغم تصفية اعضاء حكومة الدمى في صنعاء، الى جانب رئيس الاركان، الا انه تم تعيين خلفاء لهم بسرعة. والاهم من ذلك هو ان المواجهات في داخل معسكر معارضي الحوثيين، ساهم بشكل كبير في ترسيخ مكانتهم – حيث عارضت السعودية صعود الانفصاليين في جنوب اليمن ودفعتهم الى الهامش. باختصار، على الاقل عنصر واحد في المحور الايراني تعزز، وبالتأكيد لم تتم هزيمته.
في السعودية تراجع ولي العهد الامير محمد بن سلمان عدة خطوات في مفاوضات التطبيع. فقد تحول الرأي العام في المملكة الى موقف سلبي تجاه اسرائيل في اعقاب الحرب، ويفضل ابن سلمان حاليا تجميد هذه العملية. وهو يربط أي اتفاق بموقف السعودية التقليدي: مسار موثوق لاقامة الدولة الفلسطينية، وهو الامر الذي ترفضه حكومة اسرائيل بشكل قاطع. وقد حقق ذلك على الاقل احد الاهداف الثانوية ليحيى السنوار، الذي اعتبر التقارب بين الرياض والقدس تهديد استراتيجي.
ايران: مجروحة ولكنها صامدة
ما زال النظام في ايران قائم. فرغم الضربات الشديدة التي تعرض لها، فان وقف اطلاق النار مع الولايات المتحدة يسمح له باستعادة قوته العسكرية والاقتصادية والاستعداد للحملة القادمة. ايضا يستمر في دعم المليشيات المسلحة في العراق وفي لبنان وفي مناطق اخرى. بعد اغتيال علي خامنئي وتعيين نجله مجتبى كوريث له تمت ازالة الاقنعة، وأصبح كبار قادة الحرس الثوري هم الذين يسيطرون على زمام الامور ويمارسون التخويف على الدول الجارة.
——————————————
يديعوت احرونوت 2/7/2026
هزيمة معروفة مسبقا
بقلم: بن درور يميني
لقد كشف شهر أكتوبر عن عمى مزدوج. لم نصغِ إلى حماس، ولم تكن هناك حاجة للاستخبارات لمعرفة ما يقوله كبار قادة حماس. قالوا إن هدفهم هو إبادة اليهود. قالوا إنهم سيغزون. راكموا المزيد والمزيد من أدوات الدمار، وليس لتنظيم حركة المرور على الطرق. لم نُرِد الإصغاء. وكان هناك عمى آخر: رفضت إسرائيل أن تفهم أن ذراع حماس الدعائي سيتحرك أيضًا. لسنوات وهم يقولون إن هدفهم هو نزع الشرعية عن إسرائيل. لسنوات وهم يمارسون غسل الأدمغة، وخاصة في الجامعات. لسنوات تستثمر قطر مليارات الدولارات في صناعة الخداع والكراهية. لكن بدا لنا أن الرأي العام في الولايات المتحدة مُسيطر عليه. ففي النهاية، ارتكب الجهاديون مجزرة بحقنا، لذا من الطبيعي أن يكون الجميع في صفنا.
لم ينتظر الدعاة طويلاً. فقد بدأت المظاهرات ضد إسرائيل في السابع من أكتوبر. كانت مبررات مجزرة حماس جاهزة. أولها، وأكثرها صخباً، في الأسابيع الأولى، أن إسرائيل دولة استعمارية تحتجز الفلسطينيين في غزة في أكبر سجن في العالم. وبالتالي، فإن حماس فعلت الصواب – إنهاء الاستعمار. بعد أيام قليلة، نشر البروفيسور إيان لوستيك، المُدافع المُزيّف عن “أكبر سجن في العالم”، مقالاً يُبرر فيه المجزرة: “من المعروف مدى وحشية السجناء الهاربين”. وهذا ما فعلته حماس. وربما كان البروفيسور راز سيغال أول من نشر مقالاً، بعد أيام قليلة من المجزرة، يتهم فيه إسرائيل بالإبادة الجماعية. الأول كان يهودياً، والثاني إسرائيلياً أيضاً. وهكذا كان جهاز الدعاية لحماس يعمل برأسين. أحدهما في الشوارع، مع المظاهرات التي تصاعدت وتزايدت عنفًا وفظاظةً مع مرور الوقت. والآخر مع مثقفين من ذوي التوجهات المعادية للصهيونية، بعضهم يهود وإسرائيليون، لم يغفلوا يومًا عن الحقائق. لقد قدموا الدعم الأكاديمي الظاهري لجرائم حماس وحربها ضد إسرائيل.
لكن هذا كان متوقعًا. اسمحوا لي أن أذكر، في سياق هذا المقال، أنني في المقال الأول الذي نشرته في 8 أكتوبر، والذي كتبته في 7 أكتوبر، كتبت متنبئا: “من الواضح أنها مسألة أيام قليلة حتى يبدأ حتى أولئك الذين يُظهرون الآن تفهمًا لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها – في تغيير لهجتهم. وفي الواقع، لقد بدأوا بالفعل”.
كتبتُ في تلك المقالة: “ستكون الحرب ذات شقين، على أرض الواقع وعلى جبهة الرأي العام، وقد يكون تأثيرها كارثيًا. ففي نهاية المطاف، مررنا بجولات عديدة من هذا الفيلم. ولم تُستكمل العمليات العسكرية بسبب الرأي العام نفسه الذي خلق ضغوطًا لا تستطيع إسرائيل تحمّلها”.
خلعتُ زيّي الصحفي، ثم اتصلتُ بالعديد من أعضاء الحكومة. وقلتُ لهم: “إننا نتجه نحو هزيمة سياسية”. “يمكن منع هذا. لا داعي لمنح النصر لكارهي إسرائيل. اقترحتُ: “من الممكن إعلان وقف إطلاق نار من جانب واحد، مع توجيه إنذار نهائي لحماس: إطلاق سراح الرهائن ونزع السلاح، وإلا ستواصل إسرائيل استخدام كامل قوتها”. كان هذا حلاً مربحاً للجميع. اذا قالوا نعم – نكون كسبنا. واذا قالوا لا – فستزداد شرعية مواصلة استهدافهم.
كان لا بد من تكرار هذا الاقتراح مراراً وتكراراً. ليس الأمر أن هذا الاقتراح كان سيحول كارهي إسرائيل إلى مؤيدين لها، بل كان سيمنع انتقال العديد من مؤيدي إسرائيل إلى معسكر كارهيها. كان سيمنع معظم الأحداث التي بدأت فيها العقوبات ضد إسرائيل. لكن إسرائيل لم تكتفِ بعدم اتخاذ أي خطوة لوقف التصعيد ضدها، بل أدلى سياسيون بارزون بتصريحات زادت الوضع سوءاً. “كسر”، “تدمير”، “محو”، “ابادة”. أصروا على الاستمرار في هذه التصريحات حتى عندما كان من الواضح أنهم كانت هذه السياسات تُلحق ضرراً بالغاً بالمصالح الوطنية. لقد كانت الهزيمة السياسية مسألة وقت لا أكثر. فصانعو القرار، وعلى رأسهم نتنياهو، اختاروا العمى مرة أخرى.
نحن مغرمون قليلاً بالمقولة المبتذلة “العالم كله ضدنا”. هذه المقولة غير دقيقة. صحيح أن الكثيرين ضدنا، لكن ليس الجميع ضدنا. المشكلة تكمن في أننا ضد أنفسنا. الحماقة مسجلة باسمنا. الهزيمة السياسية من صنع أيدينا. وعندما قال دونالد ترامب، أعظم وأهم وأقوى حليف لإسرائيل في العالم، على الأقل حتى قبل أسبوعين، لنتنياهو “الجميع سئم منك”، فقد جسّد الهزيمة. صحيح أنها هزيمة سياسية، لكنها ليست سياسيةً فقط. إنها أيضاً أكاديمية، وقد تكون اقتصادية، لا قدر الله، مع العقوبات، وتأخير شحنات الأسلحة، وحتى الضرر العسكري. الهزيمة هي سياق. يمكن إيقافه. يمكن تغيير مساره. من الضروري تغيير المسار. لكن ليس مع الائتلاف الذي قد يقودنا من هزيمة إلى آخرى.
——————————————
هآرتس 2/7/2026
“النصر المطلق” سيتحقق لنتنياهو في تشرين الأول 2026 ومعه هزيمة الدولة
بقلم: بن كسبيت
بعد مرور الف يوم على افظع كارثة نزلت على دولة اسرائيل منذ اقامتها، ما زالت لجنة التحقيق غير موجودة، ولكن هناك بعض المؤشرات. تعالوا نحاول ترتيب الامور ولنبدأ بالشخص الذي جلب علينا افظع كارثة، والذي قاد دولة بالكامل بعمى استراتيجي وغرور نرجسي نحو الجحيم، والذي وعد بان النهاية ستكون “نصر مطلق”.
صحيح انه المسؤول عن الكارثة في نهاية المطاف. ولكن لا يمكن القول بانه لم يقم بالوفاء بوعده. لقد تحقق “النصر المطلق” بالفعل وبكل القوة. رغم كل الصعويات: اجراء الانتخابات في موعدها المحدد، أي في تشرين الاول 2026، هو اعظم انتصار لنتنياهو، انتصاره الوحيد.
من بين الـ 200 دولة تقريبا في العالم، فقط في دولة واحدة هذا محتمل. في دولة واحدة فقط يبقى الشخص المسؤول بشكل اساسي عن هذا النوع من الكوارث في منصبه لفترة اطول من الوقت المطلوب لحزم الامتعة، هذه الدولة هي اسرائيل.
في اليابان كان سينتحر في 7 اكتوبر، وفي المانيا كان سيقدم استقالته في اليوم التالي، وفي بريطانيا كان سيستغرقه الامر لحظة اضافية لانه كان سيتعين عليه الذهاب الى القصر وابلاغ الملك. والامر نفسه ينطبق على أي دولة تحترم نفسها، حيث يوجد شعب ويوجد احترام ويوجد ضمير وتوجد مسؤولية. حتى في الانظمة الديكتاتورية هناك كان الجنرالات سيلمحون للحاكم بان وقته انتهى.
لكن نحن كما نعرف، لسنا ديكتاتورية. لذلك، لا تحاولوا سرقة هذا الفضل من نتنياهو. ما يملكه هو له، وحده الذي كان قادر على حشد الكمية المطلوبة من الكراهية والاكاذيب والتحايل والتسميم والافتراء والتشاؤم والشعبوية وازدراء حياة البشر، الامر الذي مكنه من البقاء والوصول الى هذه المرحلة. يجب رفع القبعة له.
أما بخصوص “النصر المطلق” الذي وعد به ايضا في الجبهات الاخرى المواقف مختلفة. لنبدأ بالجانب المشرق. انا لست ممن يقولون ان الوضع العام لدينا تدهور. لا شك ان الجيش الاسرائيلي بكل فروعه، بالتعاون مع الموساد والشباك، قد قدم عرض غير مسبوق. الضربات التي وجهت لحماس وحزب الله وايران لم يتم توجيهها اليهم في السابق أبدا.
في هذه الاثناء، اذا قمنا باحصاء وتقييم القدرة التراكمية لهذه الجماعة فسنجد انها اقل بكثير مما كانت عليه قبل 7 اكتوبر. لقد ازيل التهديد المباشر على دولة اسرائيل. في هذه الاثناء يمكن تنفس الصعداء والاسترخاء. ولكن هذا صحيح فقط في هذه اللحظة وليس في اللحظة القادمة أو التي تاتي بعدها.
يجب أن لا تتشوشوا. فعندما وعد نتنياهو بـ “النصر المطلق” في خطاباته وتصريحاته واعلاناته التي لا تحصى، كان يقصد انتصاره الشخصي المطلق. بقاؤه السياسي والتمسك بمنصب رئيس الحكومة. نتنياهو شخص حكيم وعاقل، كان يعرف انه من المستحيل تحقيق “النصر المطلق” على حماس، وانه من المستحيل تدميرها أو القضاء عليها، وأنه من المستحيل نزع سلاح حزب الله.
نتنياهو قام باستغلال “النصر المطلق” من اجل اطالة الحرب، حتى عندما لم تعد تساهم في أمن الدولة، بل في أمنه الشخصي فقط. هو كان بحاجة شديدة الى هذه الحرب مثلما يحتاج الهواء للتنفس، من اجل تاجيل موعد الانتخابات وتعويق لجنة التحقيق الرسمية، نفس اللجنة التي طلب تشكيلها قبل سنتين فقط بسبب “قضية انظمة التجسس”. وها هو انتصر، لكن الدولة خسرت.
السؤال الحقيقي هو كيف وصلت اسرائيل، القوة العظمى عسكريا وتكنولوجيا واقتصاديا، الى حالة التدهور؟. الاجابة واضحة: نظرية امنية وسياسة امنية تم فرضها هنا من قبل أكبر متحايل تولى الحكم وسمح لكل اعدائنا ببناء نظامنا على اساس تعريف الوحوش الارهابية التي تحولت الى جيوش، وبعدها الى حبل مشنقة، وبعد ذلك الى “خطة تدمير”.
لقد كذب نتنياهو ايضا في هذا الاسبوع عندما اوضح مرة اخرى بان “لديهم بالفعل قنابل نووية”. وفي نفس السياق قال ان “ايران لن تمتلك سلاح نووي طالما أنني رئيس الحكومة”. هذا جيد، اذا كانوا يملكون قنابل نووية فكيف يتوافق ذلك مع حقيقة انهم “لن يمتلكونها؟”.
في كل الحالات، من اجل متابعة اكاذيب هذا الشخص المرء يحتاج الى قدرات خارقة. فبعد زوال التهديد الوجودي المباشر اصبح من الواضح ان وضعنا تدهور، واننا نتراجع استراتيجيا، ناهيك عن الانهيار. نحن فشلنا في استئصال حماس، التي جندت بالفعل 35 الف ارهابي جديد وتزداد غنى كل يوم على حسابنا. نحن فشلنا في نزع سلاح حزب الله، الذي حصل الان على دفعة قوية من الطاقة والاموال والوقت لاعادة تاهيل نفسه.
نحن ايضا حولنا ايران الى قوة اقليمية اكثر عزما مما كانت عشية 7 اكتوبر. اتفاق الاستسلام مع الامريكيين، والمليارات التي تم تحريرها، وخوف دول الخليج منها، كل ذلك، اضافة الى المحور السني الذي يتبلور الان بين الرياض وقطر وانقرة على حسابنا، يدفع اسرائيل الى موقف ضعف غير مسبوق.
هذه المرة اعظم اصولنا (الورقة الرابحة) في جعبتنا – العامل الحاسم الذي حسم كل حروبنا السابقة – لم يعد في متناول يدنا. في عهد نتنياهو خسرنا ايضا امريكا.
لم يتأخر الوقت بعد، ما زال يمكننا تغيير هذا القدر المشؤوم واستعادة زمام الامور، الامر في يدنا. من تشرين الاول 2023 وحتى تشرين الاول 2026، من كارثة مدمرة وهزيمة ساحقة الى التعافي والأمل. الحرب الفظيعة التي فرضت عليها والكوارث التي نزلت علينا كشفت لنا انفسنا. اذا كنا استطعنا التغلب على كل ما حدث لنا، فنحن نستطيع الان انجاز هذه المهمة ايضا، وهي انقاذ اسرائيل واحياء الصهيونية واعادة الامل.
——————————————
معاريف 2/7/2026
هجمات أكتوبر غيرت مفهوم الامن القومي لإسرائيل والمجتمع الإسرائيلي
بقلم: د. موشي العاد
عقيد احتياط، محاضر كبير في كلية الجليل الغربي الاكاديمية
هذا اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل 1000 يوم على الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر 2023 هو اكثر بكثير من علامة طريق تأريخية. هذه الـ 1000 يوم تشكل نهاية فترة ما وبداية أخرى. في اثنائها لم تتغير فقط خريطة التهديدات على إسرائيل بل تغير أيضا معنى مفاهيم أساس مثل جبهة، حدود، عمق استراتيجي، جبهة داخلية، احتياط وحسم. بدأت الحرب كما هو معروف في صباح السبت الذي اقتحم فيه الاف مخربي حماس جدار الحدود من قطاع غزة. تسللوا الى عشرات البلدات والاستحكامات، قتلوا اكثر من 1200 شخص، خطفوا مئات الإسرائيليين الى القطاع وكشفوا اخفاقا استخباريا وعملياتيا غير مسبوق. على مدى ساعات طويلة اضطرت بلدات للقتال في سبيل حياتها وحدها تقريبا، فيما كانت الدولة تجند قواتها.
ذاك اليوم، الذي وقعت فيه هجمة الإرهاب الأشد في تاريخ إسرائيل كان أيضا هزة أرضية استراتيجية شككت بالفرضيات الأساس التي قام على أساسها مفهوم الامن الإسرائيلي على مدى عشرات السنين. منذ ذاك الصباح تطورت الحرب بالتدريج من حرب في قطاع غزة الى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات. في نظرة تاريخية، لا تشبه هذه الحرب أيا من حروب إسرائيل. فحرب الاستقلال كانت حرب الوجود، حرب الأيام الستة اعادت تصميم حدود الدولة وحرب يوم الغفران هزت مفهوم الردع. الحرب التي استمرت منذ 7 أكتوبر 2023 غيرت مجرد مفهوم الامن القومي. فإسرائيل لم تعد تتصدى لتهديد موضعي، بل لمنظومة إقليمية كاملة كل ساعة فيها تؤثر على الأخرى.
نهاية عصر
لأول مرة في تاريخ الدولة عمل الجيش الإسرائيلي بالتوازي في قطاع غزة، في لبنان، في يهودا والسامرة، في سوريا، في ايران، تجاه الميليشيات المؤيدة لإيران في العراق وتجاه الحوثيين في اليمن. المسافة بين الشجاعية والحديدية وبين البوفور ومضيق هرمز تجسد كم اتسع مجال القتال الإسرائيلي. عمليا، خريطة عمليات إسرائيل تشبه بقدر اكبر خريطة المسؤولية القيادة الامريكية الإقليمية منها خريطة حروبها الكلاسيكية.
الدرس الأول هو انهيار مفهوم “الحرب القصيرة”. على مدى عشرات السنين استند مفهوم الامن الى الردع، الحسم السريع ونقل القتال الى ارض العدو. اما الواقع الجديد فأجبر إسرائيل على أن تخوض حرب استنزاف متعددة الساحات تتواصل سنوات، توسيع حجم القوات، إقامة اطر جديدة، تجديد مخزونات الذخيرة والاستعداد للتآكل المتواصل للقوى البشرية، الاقتصاد والصناعة الأمنية.
الى جانب ذلك تغير معنى الحدود. ففي الماضي رسمت الحدود مصدر التهديد أيضا. اما اليوم فصواريخ تأتي من ايران، مُسيرات من اليمن، مقذوفات صاروخية من لبنان، إرهاب من يهودا والسامرة ومن سوريا، وتهديدات سايبر من كل ارجاء العالم. فقدت الحدود معناها الجغرافي وبدلا منها احتل “مجال التهديدات” – منظومة واحدة من بؤر النار، الإرهاب، الاستخبارات وتأثير النشطاء للتنسيق.
ميزة أخرى للحرب كانت ان إسرائيل تعرضت عمليا لهجوم من عدة اتجاهات. منظومات صاروخية وصواريخ مضادة للدروع من الشمال. إرهاب ونار من الجنوب. صواريخ باليستية من الشرق ومُسيرات وصلت أيضا عبر البحر الأحمر. لأول مرة منذ إقامة الدولة اضطر جهاز الامن لان يفكر بتعابير مغلف تهديدات واسع وليس تعابير حدود جبهات منفصلة. كما أن منظومة الدفاع الجوي كانت مطالبة بان تعمل في وقت لاحق حيال أنواع مختلفة من التهديد تأتي من مديات واتجاهات مختلفة.
سبع جبهات ليست حقا سبع. من ناحية استراتيجية، يدور الحديث عن حرب واحدة تجاه المحور الإيراني. حماس، حزب الله، الحوثيين، الميليشيات الشيعية والحرس الثوري عملوا كجزء من منظومة إقليمية واحدة تستهدف تفعيل طوق نار على إسرائيل. ووفقا لذلك، فان إسرائيل هي الأخرى اضطرت لان تنتقل من تفكير محلي الى تفكير شامل.
تطور آخر هو فقدان معنى المسافة. في عصر المُسيرات، الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة، فانه الاف الكيومترات لم تعد عائقا حقيقيا. تهديد من اليمن او من ايران يؤثر تقريبا مثل نار من قطاع غزة. من هنا فان العمق الاستراتيجي لإسرائيل لم يعد يقاس بالكيلومترات بل بقدرة الكشف، التحذير، الاعتراض والهجوم لمديات بعيدة.
كما جسدت الحرب أيضا صعود السلاح الدقيق والرخيص. مُسيرة ثمنها الفي دولار فقط قادرة على ان توجب تفعيل منظومات اعتراف ثمنها أعلى بعشرات الاضعاف بل وربما بمئات الاضعاف ثمن الإدارة المهاجمة. هذه حرب استنزاف اقتصادية بقدر لا يقل عنها عسكرية، تستوجب تنمية وسائل دفاع اكثر نجاعة ورخصا بما فيها منظومات الليزر.
لقد تشوش التمييز بين الجبهة والجبهة الداخلية. هجمات السايبر والنار بعيدة المدى جعلت الجبهة الداخلية جزء لا يتجزأ من المعركة. وكشفت الحرب المعنى الجديد للمناعة المدنية. الجبهة الداخلية الإسرائيلية لم تكتفي بامتصاص النار، بل باتت عنصرا فاعلا في الجهد القومي. ملايين المواطنين عاشوا على مدى اشهر اخلاء، صافرات انذار، تعطيل مؤسسات تعليم وضرر اقتصادي، وبالتوازي واصل المواطنون تفعيل منظومات المرافق المختلفة. الاف المعارضين، منظمات المجتمع المدني والسلطات المحلية ادوا أحيانا أدوارا وجدت الدولة صعوبة في أدائها. وهكذا تبين انه في الحروب الطويلة تعتمد المناعة القومية بقدر كبير أيضا على قدرة المجتمع المدني على الحفاظ على تواصل في أداء المهام، التضامن وقدرة الانتعاش. بمفاهيم عديدة، أصبحت الجبهة الإسرائيلية الداخلية “ذراع قتالي” إضافي.
لقد دارت المعركة في ساحة الوعي أيضا. كل هجوم، كل تصفية وكل شريط مسجل نشرت في غضون دقائق في الشبكات الاجتماعية واثرت على الرأي العام العالمي بقدر لا يقل عن الإنجازات في ميدان المعركة. في هذا الحرب أصبحت التلغرام، شبكة إكس وتك توك هي أيضا ساحات قتال.
احد الدروس الاعمق لـ 1000 يوم يتعلق بمسألة المخطوفين. لأول مرة في تاريخ إسرائيل أصبحت إعادة مئات المدنيين والجنود الذين اختطفوا الى ارض العدو هدفا مركزيا للحرب، رافق تقريبا كل قرار سياسي وعملياتي. مفهوم الامن الإسرائيلي تحدث دوما عن الردع، الإنذار والحسم. اما هذه الحرب فقد اضافت بعدا رابعا: واجب إعادة المخطوفين.
لقد خلقت المهمة توترا دائما بين الحاجة لتفعيل قوة عسكرية وبين الرغبة في عدم تعرض حياة المخطوفين للخطر، واثرت على وتيرة القتال، وعلى طابع العمليات وعلى حري عمل المستويين السياسي والعسكري. بالتوازي، أصبح المخطوفون عنصرا مركزيا في الحرب النفسية لحماس، التي حاولت بواسطتهم تعميق خلافات داخلية وتفعيل ضغط على أصحاب القرار في إسرائيل.
وهكذا تبين انه في حروب المستقبل لم يعد الرهائن ورقة مساومة تكتيكية أخرى فقط بل وسيلة استراتيجية تستهدف إعادة تصميم سياق الحرب. من هنا يستخلص درس آخر لعقيدة الامن ا لاسرائيلية: منع الاختطاف لم يعد مهمة تكتيكية للقوات في الجبهة بل هدف استراتيجي من الدرجة الأولى. والمنع يستوجب خلط الدفاع عن الحدود، الاستخبارات، قوات الإنقاذ، الجاهزية المدنية وتصميم قواعد اللعب التي تقلص الحافز لاعداء إسرائيل لاستخدام المخطوفين كسلاح.
ثمن بشري باهظ
لكن يبدو أن التغيير الاعمق وقع في المجتمع الإسرائيلي. مئات الاف رجال الاحتياط خدموا المرة تلو الأخرى، على مدى اشهر طويلة. وبعضهم احصى مئات أيام خدمة. محامون اداروا ملفات وهم في الاستحكامات، رجال تكنولوجيا عليا شاركوا في الجلسات من داخل المجنزرات وطلاب انهوا فصولا دراسية وامتحنوا عند بعدم في الزوم في زمن الخدمة العملياتية. خدمة الاحتياط كفت عن أن تكون حدثا قصيرا وأصبحت عنصرا دائما في حياة المجتمع والاقتصاد.
وفوق كل ذلك جبت الـ 1000 يوم من الحرب من إسرائيل ثمنا بشريا باهظا. الفا شهيد وعشرات الاف الجرحى غيروا وجه المجتمع الإسرائيلي وجعلوا عائلات وتجمعات أهلية كثيرة جدا جزءا من المعركة. عدد الجرحى صعب ومقطوعوا الأطراف – من اعلى ما شهدت إسرائيل – مما يذكر بحجوم ظواهر ارتبطت في الماضي بحروب طويلة مثل حرب فيتنام. الى جانب التحدي الأمني يقف الان تحد وطني طويل المدى: إعادة تأهيل جدي ونفسي لجيل المقاتلين، مرافقة العائلات الثكلى وإعادة دمج الاف الجرحى في المجتمع، في العمل وفي الحياة الاهلية.
ميزة خاصة أخرى هي غياب “يوم النصر” في الحرب. بخلاف الوضع في حروب الماضي هنا لم يكن استسلام واحد او صورة حسم واضحة. فقد اديرت الحرب على موجات، فيما رافقت إنجازات عملياتية في ساحة ما اشتعالا في ساحة أخرى. هذا الواقع الزم المستويين السياسي والعسكري على الانتقال من التفكير في انهاء الحرب الى التفكير في إدارة معركة متواصلة.
الساحة البحرية هي الأخرى وفرت درسا هاما. الحوثيون، منظمة محلية من اليمن، نجحوا في تشويش مسارات التجارة في البحر الأحمر والزام الولايات المتحدة وقوى عظمى أخرى على الدفاع عن حرية الملاحة. وهكذا تبين ان حتى لاعب غير دولة قادر على أن يؤثر على الاقتصاد العالمي من خلال تهديد على عنق الزجاجة الاستراتيجية.
احد الدروس المركزية لـ 1000 يوم هو أنه لم يعد ممكنا الاعتماد على طبقة دفاع واحدة، مهما كانت متطورة. مفهوم الامن الجديد يستوجب الدمج بين الاستخبارات، الهجوم، الدفاع متعدد الطبقات، المناورة البرية، السيطرة الجوية والبحرية، التواصل اللوجستي والقدرة على الإنتاج الذاتي للذخيرة. بالتوازي فان التعاون بين اذرع الجو، البحر، البر، الاستخبارات والسايبر اصبح الشرط الضروري لادارة حرب متعددة الساحات. إضافة الى ذلك، تأكدت أهمية الاستقلالية الصناعية. فالحرب الطويلة كشفت التعلق بتوريد الذخيرة، الصواريخ وقطع الغيار من الخارج وجسدت بان حتى الأصدقاء القريبين لا يمكنهم دوما ان يستجيبوا بسرعة لاحتياجات القتال. من هنا الفهم بان المناعة الأمنية تعتمد أيضا على قدرة الإنتاج الذاتي، سلاسل توريد مستقرة وصناعة امنية قادرة على العمل على مدى سنين.
الـ 1000 يوم الأولى ليست نهاية القصة بل بداية عقيدة امن جديدة. الجبهة الإسرائيلية لم تعد خط حدود بل مجال إقليمي. في هذا العصر، الامن القومي لا يقاس فقط بقوة النار، بل أيضا بالقدرة على الخلط بين الجيش، الاقتصادـ، الصناعة، التكنولوجيا، الدبلوماسية والمناعة الاجتماعية في منظومة واحدة، مرنة ومتواصلة. عقيدة الامن الجديدة لإسرائيل تفحص ليس في قاعات المداولات فقط بل وأيضا في ميادين المعركة، في قواعد الاحتياط، في المصانع، في مختبرات التطوير وفي الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
——————————————
هآرتس 2/7/2026
الانتخابات تقترب، ونتنياهو يرفع السرعة في حربه ضد الحقيقة
بقلم: عاموس هرئيلِ
رغم عدم الاعلان الرسمي عن الموعد النهائي لانتخابات الكنيست القادمة، الا انه من الواضح أن الحملة الانتخابية قد بدأت بالفعل. وتشهد على ذلك الظهورات العلنية المتكررة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بما في ذلك زيارته النادرة نسبيا في استوديوهات القناة 14 في مساء يوم الثلاثاء. أيضا القى نتنياهو كلمة في هذا الاسبوع اثناء زيارة لجنود الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان، وامام جنرالات هيئة الاركان العامة في نقاش امني تم بث جزء صغير منه، وفي مراسم احياء ذكرى شهداء عملية “الجرف الصامد” السنوية.
القاسم المشترك بين كل هذه التصريحات والخطابات والمقابلات متشابه، ويتضح ذلك ايضا في تصريحات اخرى لاعضاء الائتلاف. في الفترة التي تسبق الانتخابات ينخرط تكتل نتنياهو حاليا في عملية مكثفة لاعادة صياغة التاريخ. ولان هذا التاريخ حديث نسبيا، حيث لم يمر على مذبحة 7 اكتوبر الا اقل من ثلاث سنوات، فانه يتم بذل جهود حثيثة لطمس الذاكرة الحديثة للرأي العام في اسرائيل. من الواضح ان نتنياهو يعتقد ان ذلك سيحدد مصيره في الانتخابات. لذلك، هو يحاول في نفس الوقت التنصل من أي مسؤولية عن الاخفاقات التي ادت الى المذبحة في بلدات غلاف غزة، وتضخيم انجازات الحرب متعددة الجبهات منذ ذلك الحين (مع المطالبة بالفضل الكامل عليها)، وتشويه سمعة من يهدده سياسيا أو يشكك في مصداقية روايته.
وقد اثار رئيس الحكومة غضب شديد في الفترة الاخيرة بسبب تصريحاته حول الآثار الشخصية للحرب عليه ومعاناة عائلته وانجازاته في المفاوضات حول الرهائن. وقد مزح نتنياهو في برنامج “الوطنيون” في القناة 14 وقال انه فقد وزنه بسبب الحرب، واشتكى من ان زوجته عانت “الجحيم” بسبب الاحتجاجات ضده (ما الذي عاناه الرهائن في غزة اذا؟)، وتفاخر مجددا بانه اعاد الجميع الى البيت. ودائما تعمد نتنياهو عدم التمييز بين الرهائن الاحياء والاموات، رغم ان الصفقة الاخيرة التي فرضتها عليه الولايات المتحدة في تشرين الاول السنة الماضية، اعادت 20 مخطوف على قيد الحياة و30 قتيل.
واضيفت تصريحاته الى ادعاءات الوزير بتسلئيل سموتريتش الوقح، وكان اعادة الرهائن كانت بفضله. وعندما تجرأ الجنرال المتقاعد نيتسان الون، الذي شغل منصب رئيس قيادة الاسرى والمفقودين، على قول الحقائق امس في مؤتمر هرتسليا، استقبل على الفور ببيان عدائي ومتهور من كتلة الليكود. كان الون يشير الى سموتريتش وليس الى نتنياهو، ولكن من الواضح ان حزب الليكود يعرف نقطة ضعف روايته حول الاحداث ويشن هجوم مضاد بكل القوة كلما تجرأ أي أحد على قول الحقيقة. وهذا، مثلما يعرف كل من شارك في المفاوضات أو قام بتغطيتها، أمر بسيط جدا: نتنياهو، تحت ضغط سموتريتش وشريكه ايتمار بن غفير، عرقل دائما أي تقدم في المحادثات خوفا على مصير حكومته. كما اثارت حماس صعوبات خاصة بها، لكن لم يتم اجبار أي احد على التوصل الى الاتفاق الا بعد خيبة امل الرئيس الامريكي دونالد ترامب وغضبه من نتنياهو في اعقاب الهجوم الاسرائيلي في قطر. وبين انهيار المحادثات السابقة والاتفاق الثالث والاخير تم فقد ارواح حوالي 40 مخطوف.
كل الوسائل مشروعة. فلا تنتهي التشويهات التي تجري في سياق الانتخابات عند قضية الرهائن. فقبل يومين، في البرنامج التلفزيوني الذي يلقى تعاطف واعجاب، زل لسان نتنياهو عند تحدثه عن الحرب في ايران. فقد قال رئيس الحكومة بانه شن حربين من اجل “انقاذنا من الدمار الذي يتمثل بالقنابل الذرية التي كانت توجد بحوزتهم”. وبعد ذلك، في تناقض ما في عرض الامور السابقة، تعهد بـ “طالما أنني رئيس الحكومة لن يكون لدى ايران أي سلاح نووي”. ان وصف نتنياهو غير دقيق على اقل تقدير. لا يوجد أي مصدر امني اسرائيلي أو امريكي يقول بان ايران كانت تمتلك قنبلة نووية جاهزة، سواء في الحملة الاولى ضدها في حزيران السنة الماضية أو في الحملة الثانية التي توقفت مؤخرا باتفاق وقف اطلاق النار، التي بدأت في شباط الماضي. ما حدث بالفعل هو ان الايرانيين جمعوا، بعد قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي في أيار 2018، بضغط من نتنياهو، 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة. ولو ان هذه الكمية ارتفعت الى تخصيب عسكري بمستوى 90 في المئة لكانت ستكفي لانتاج 11 قنبلة. ولكن حتى هذه المرحلة يحتاج الامر خطوة اضافية يتمثل في تحويل القنبلة الى رأس حربي قتالي يركب على صاروخ بالستي.
لم يحدث أي شيء من ذلك حتى الآن، سواء في العام 2025 أو 2026. في الواقع جاءت معلومات عن بعض التقدم المحتمل في مجموعة السلاح المعنية بمسالة الرأس الحربي. فقد قال ديفيد اولبرايت، الخبير النووي الامريكي المعروف، بعد اطلاعه على مواد استخبارية اسرائيلية بانه خلال الاشهر الفاصلة بين الحربين حدث تقدم مهم وخطير في المشروع النووي. وكان الخبراء في اسرائيل من خريجي جهاز الامن اكثر تشككا، لكن هنا، في حين كان نتنياهو يتحدث في الاستوديو، تحدث بالفعل عن امر واقع لم يكون موجود اصلا، قنابل جاهزة انقذنا منها ظاهريا (لو ان الامر كان هكذا ألم يكن من المحتمل ان تؤدي مهاجمة المنشآت النووية، مثلما حدث في المرتين، الى تفاعل اشعاعي؟).
قبل اقل من اربعة اشهر على موعد الانتخابات لا يبدو وضع احزاب الائتلاف مبشرا. ولكن بما ان الفوز في هذه المرة، أو على الاقل التعادل الحاسم الذي يضمن استمرار الحكومة الانتقالية لبضعة اشهر أخرى، قد اصبح اكثر اهمية من أي وقت مضى، فانه يتوقع ان يستخدم نتنياهو كل الوسائل، مثل سياسة الهوية، الهجمات الشديدة على خصومه، السيطرة على جدول الاعمال بتصعيد الازمات الامنية، اتهام منافسيه بالتعمد في المس بنزاهة الانتخابات. ويقع على عاتق وسائل الاعلام عبء كبير في دحض التضليل الاعلامي، الى درجة نشر اخبار لا تمت للواقع بأي صلة.
——————————————
يديعوت احرونوت 2/7/2026
من نصرٍ مطلق إلى هزيمة سياسية
بقلم: افي يسخاروف
في اللحظة التي اتضحت فيها أبعاد كارثة 7 أكتوبر، بات من الواضح أن إسرائيل مضطرة لشن حربٍ شاملة ضد حماس. ليس جولةً أخرى من الضربات على غرار عملية الجرف الصامد، وحارس الأسوار، وعمود السحاب، وما شابه، بل خطوة عسكرية حاسمة مصحوبة بخطوة سياسية هامة من شأنها أن تضع حداً لحكم حماس في قطاع غزة.
تأخرت إسرائيل لبضعة أسابيع قبل بدء العملية البرية، ويعود ذلك جزئياً إلى خوف نتنياهو من هزيمة عسكرية، ولكن لم يكن هناك أي شك على الإطلاق في ضرورة إنهاء سيطرة حماس على غزة، وسكانها، واقتصادها، وتعليمها. وذلك لأنه كان من الواضح أن كل شيكل تمكن نظام حماس من جمعه من الضرائب المفروضة على سكان قطاع غزة أو من المساعدات الإنسانية بمختلف أنواعها، كان يُوجه إلى الجناح العسكري للحركة، ومن ثم يُستخدم في بناء الأنفاق وتصنيع الأسلحة وتجنيد المزيد من المقاتلين.
لكن بعد ألف يوم من حرب ضارية مدمرة، حصدت خلالها مئات القتلى في الجانب الإسرائيلي وعشرات الآلاف في الجانب الفلسطيني، حدث ما لا يُصدق. لم ينجُ الجناح العسكري لحماس من الحرب فحسب، بل تمكنت حماس من البقاء الجهة الحاكمة الوحيدة في قطاع غزة. صحيح أن البنية التحتية للأنفاق قد تضررت، وخسر الجناح العسكري عشرات الآلاف من الجنود، وأن الأسلحة التي بحوزة حماس لم تعد أفضل حالًا مما كانت عليه، وأن قيادة حماس بأكملها تقريبًا قد قُضي عليها. مع ذلك، ووفقًا للعديد من التقارير الواردة من غزة، فإن حماس تعيد تسليح نفسها، وتُرمم البنية التحتية للأنفاق في الأراضي التي تسيطر عليها، وتُعيد إنتاج الأسلحة وحتى الصواريخ، وتحاول تهريب طائرات مُسيرة من سيناء، وبعبارة أخرى، تُجهز لجولة أخرى من القتال ضد إسرائيل.
في الوقت نفسه، تتمكن المنظمة الإرهابية في غزة من دفع رواتب عناصرها، بل وتجنيد عناصر جديدة. في الأسبوع الماضي فقط، خُطط لمظاهرات ضد حماس في غزة، لكن المشاركة كانت ضعيفة، والتزم الناس منازلهم. بعضهم بسبب بقاء أنصار المنظمة، ومعظمهم خوفًا من يد حماس الطولى إذا خرجوا إلى الشوارع. تم تصفية محمد ضيف، ويحيى السنوار، وعز الدين الحداد، وغيرهم كثيرون، وحل محلهم شخصيات بارزة أخرى في حماس، مجهولة الهوية لدى الرأي العام الإسرائيلي، ونادرًا ما يعرفها سكان غزة، لكنهم يحافظون على سيطرة المنظمة على القطاع.
فشل حكومة نتنياهو السياسي الذريع
ينبع فشل إسرائيل السياسي في إيجاد بديل حاكم لحماس، بديل يُهدد جناحها العسكري أيضًا، بشكل رئيسي من فشل حكومة نتنياهو السياسي الذريع. فمنذ بداية الحرب، قال كل عاقل قال وحذر بضرورة اتخاذ إجراءات لإقامة بديل حاكم في غزة لتحقيق نصر حقيقي. كان الخيار الأرجح هو إنشاء هيئة عربية فلسطينية تشارك فيها السلطة الفلسطينية، لكن إسرائيل رفضت مرارًا وتكرارًا أي نقاش حول موضوع هذه السلطة، وفرضت فعليًا وضعًا يسمح لحماس بالبقاء في السلطة، بسبب خوف نتنياهو من شريكيه سموتريتش وبن غفير. بعبارة أخرى، إسرائيل بقيادة نتنياهو هي التي سمحت لحماس بالبقاء الكيان السيادي في غزة.
يتباهى أنصار نتنياهو بأن حماس لا تسيطر إلا على 47 في المئة من قطاع غزة، لكن المنظمة لا تهتم بهذا الأمر إطلاقًا: فهي تريد السيطرة على السكان أولًا، أولئك الذين سيدفعون لها الضرائب، والذين سيتم تجنيد الجيل القادم من قوات النخبة منهم. وهي تفعل ذلك بالفعل.
إن الفشل السياسي الإسرائيلي في هذه الحالة لا يتوقف عند حدود غزة. بحسب تقرير جيلي كوهين في قناة “كان”، التقى زعيم حماس الجديد، خليل الحية، المقيم في قطر، مؤخرًا مع مستشار إدارة ترامب، أرييه لايتستون، وعضو في “مجلس السلام”. لا يسع المرء إلا أن يتأمل كيف تحوّل النصر المطلق الذي وعد به نتنياهو إلى هزيمة سياسية يتمتع فيها الحية بحصانة في قطر. فبعد محاولة الاغتيال الفاشلة، يجتمع ممثلو الحكومة الأمريكية علنًا مع زعيم حماس لمناقشة مستقبل قطاع غزة، بينما يُسلّح الجناح العسكري في غزة نفسه، وتستمر حماس في السلطة.
والأسوأ من ذلك، على الصعيد السياسي، نجحت حماس في جعل إسرائيل هدفًا للاشمئزاز في كل أنحاء العالم تقريبًا، بما في ذلك السياسة الأمريكية. فلا يقتصر الأمر على نجاح المرشحين المعادين لإسرائيل في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي كمرشحين للكونغرس، بل حتى في الحزب الجمهوري، تُهاجم إسرائيل وتُحمّل مسؤولية جميع الحروب الأخيرة في الشرق الأوسط.
لقد نجحت حماس في إعادة توجيه الرأي العام العالمي نحو ما يحدث في الأراضي المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة، وجعلت من إسرائيل المتهمة عالميًا بارتكاب الإبادة الجماعية. بل إن أعدادًا متزايدة من الشباب الأمريكيين والأوروبيين يعربون علنًا عن دعمهم لحماس، زاعمين أن أحداث 7 أكتوبر لم تحدث وأن إسرائيل لا تملك الحق في الوجود كدولة يهودية. ولا يقتصر هذا على هامش حزب منبوذ في السويد أو كوراساو، بل يمتد ليشمل مؤيدي نجم الحزب الديمقراطي البارز، عمدة مدينة نيويورك، المدينة الأكثر يهودية في العالم خارج إسرائيل.
——————————————
معاريف 2/7/2026
الصباح الذي فتحت فيه أبواب الجحيم
بقلم: افي اشكنازي
يوم السبت، 7 اكتوبر 2023. في الساعة 6:29 فتحت أبواب الجحيم. آلاف مخربي النخبة – الوحدة المميزة لحماس، مخربو الجهاد الإسلامي وجموع غزيين متحمسين تسللوا عبر نحو مئة مكان مختلف على طول جدار الحدود بين إسرائيل وغزة. في غضون دقائق هزموا فرقة غزة من الجيش الاسرائيلي. نحو 5 الاف مخرب تسللوا الى بلدات الغلاف، الى استحكامات قواعد الجيش الاسرائيلي، الى احتفالات الطبيعة، الى المفترقات والى الطرق. زرعوا خرابا، قتلا، اعمال اغتصاب، اختطاف. احتلوا إقليما في دولة إسرائيل. 1.164 رضيع، شيخ، امرأة، راشد، جندي ومن قوات الامن قتلوا في هذا اليوم. 675 جندي آخرون سقطوا بعد ذلك في المعارك في كل جبهات القتال. 255 مدني، جندي وحارس اختطفوا الى غزة.
منذ ذاك الصباح الذي فتحت فيه بوابات الجحيم مر 1000 يوم. منذئذ والجيش الإسرائيلي يقاتل في 7 جبهات: غزة، لبنان، سوريا، اليمن، ايران، العراق والضفة. في كل الساحات حقق الجيش الإسرائيلي إنجازات تكتيكية مبهرة. لكن لم تترجم الإنجازات العسكرية الى خطوات سياسية في أي واحدة من الساحات. كل الساحات بقيت مفتوحة. كلها في وضع حرب. 1000 يوم وكل القيادة العسكرية والأمنية التي كانت مصابة بالاخفاق الأكبر في تاريخ دولة إسرائيل رحلت، بما في ذلك وزير الدفاع، رئيس الأركان ورؤساء الشاباك، أمان وهيئة الامن القومي.
والى ذلك، بمرور 1000 يوم، لا تعرف دولة إسرائيل كيف تحقق في الفشل الرهيب. هي غير قادرة – بسبب مصالح سياسية – على تشكيل لجنة تحقيق رسمية مثلما يقضي القانون ومثلما يفترض العقل.
في هذه اللحظة تختبىء القيادة من خلف اغلبيتها السياسية في الكنيست بهدف الا يلتصق الإخفاق الا بالمستوى التكتيكي. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي هو الجهة المسؤولة عن كل ما يحصل في إسرائيل بما في ذلك عن الجيش الإسرائيلي وجهاز الامن، لا يأخذ المسؤولية.
من ناحيته، مثلما هو الحال دوما، هو ليس جزءاً من الفشل. في جهاز الامن يقولون انه من يوم الى يوم يرون كيف يفعل المستوى السياسي كل شيء كي يغير وينسي رواية مذبحة 7 أكتوبر.
رئيس الشاباك دافيد زيني الذي انزله نتنياهو بالمظلة الى المنصب اختار ان يفكك زاوية التخليد لذكرى شهداء الجهاز في 7 أكتوبر. كما أن الحكومة لا تمول ووزراؤها يمتنعون عن الوصول الى معرض التخليد الذي أقامه سلاح الاستخبارات في قاعدة السلاح في غليلوت حيث يوجد مشروع تقشعر له الابدان عن المذبحة.
قبل نحو عشرة أيام وصل رئيس الدولة اسحق هرتسوغ الى المعرض وبعد عشر دقائق في المكان فهم الامكانية الكامنة للإعلام الدولي. سأل مسؤولي المشروع اذا كان وزير الخارجية جدعون ساعر زار الموقع. فأجاب الضباط بالنفي. غضب الرئيس واتصل على الفور بساعر، الذي وعد بان يأتي في الأيام القريبة القادمة لمشاهدة المعرض.
1000 يوم وإسرائيل تواصل القتال. أسلحة النظامي، الاحتياط ورجال الخدمة الدائمة هم ابطال عظماء للمجتمع الإسرائيلي في وجه الانبطاح، التهكم والتبطل بالمستوى السياسي والحزبي. في ذروة الحرب تنشغل الحكومة ببقائها على حساب المقاتلين ومستعدة لان تشجع فرار عشرات الاف الشباب الحريديم من الخدمة.
حكومة تفعل كل شيء كي لا تحقق بالفشل، فتأخذ المسؤولية وتصلح ما يحتاج الى اصلاح. حكومة لا تبني خططا لليوم التالي ولهذا فان إسرائيل تتلقى املاءات من الإدارة الامريكية وكتفا باردة من معظم الاسرة الدولة. بعد 1000 اليوم إسرائيل قوية عسكريا، لكنها ضعيفة بسبب انعدام الاستراتيجية والامل للمستقبل.
——————————————
هآرتس 2/7/2026
لمنتقدي “هآرتس”: لن تستطيعوا طمس الحقيقة.. العالم كله يراكم “دولة إبادة جماعية”
بقلم: جدعون ليفي
وجه غادي تاو في نهاية الأسبوع الماضي انتقاداً شديداً لـ “هآرتس”. ففي صحيفة “مصدر أول” قال إن مهمة “هآرتس” الأيديولوجية هي تفكيك الدولة اليهودية، وإنها من أكثر أدوات اللاسامية فاعلية في العالم. هذا الادعاء فارغ ولا أساس له من الصحة. ولن أرد هنا نيابة عن الصحيفة أو نيابة عن المخاطبين الرئيسيين الذين يوجه تاو حديثه إليهما: الناشر عاموس شوكن، والمحرر ألوف بن. سأرد بصفتي أحد كتاب الصحيفة، الذي قد يختلف موقفه أحياناً بشكل كبير عن مواقف معظم الكتاب فيها، لا سيما بصفتي أحد قرائها المخلصين.
“هآرتس” لا تمثل لدي ولدى أمثالي، فقط إعلاماً لا غنى عنه، خصوصاً في واقع إعلامي بائس في البلاد، بل إن إسرائيل من دونها ستكون دولة مختلفة؛ ليست سيئة في نظر نفسها فحسب، بل وفي نظر العالم، وفي أماكن ما زالت تقدر فيها حرية التعبير والشجاعة ومعايير الصحافة، وهي قيم كادت تنسى كلياً في إسرائيل.
لا يمكن توجيه مثل هذه الاتهامات للصحيفة إلا من قبل من يجهل دور الصحافة. تعرف “هآرتس” نفسها بأنها صحيفة صهيونية، تناضل من أجل إسرائيل عادلة وديمقراطية بطريقة لا تنافسها فيها أي وسيلة إعلام أخرى. ربما يكون الناشر والمحررون قد غيروا بعض مواقفهم في السنوات الأخيرة، وهذا أمر يسرني وأتفاخر به، لكن دور الصحيفة كان وما زال عندهم هو الحفاظ على دولة إسرائيل كدولة ديمقراطية، في حين يسعى الجميع تقريباً إلى تقويضها.
حسب رأيي، يجب الاختيار بين الديمقراطية واليهودية، لأنه في دولة تعيش فيها قوميتان وثمة تناقض جوهري بينهما، فأنا وأمثالي اخترنا الديمقراطية، في حين اختار تاو وأمثاله اليهودية. وما زالت “هآرتس” تؤمن بوجود الاثنتين. لن تكون ديمقراطية في واقع وجود شعبين ودولة واحدة، لذلك فإن الخطر الأكثر ضرراً الذي يلحق بإسرائيل ونهايتها القريبة كدولة ديمقراطية، يقع على عاتق تاو وأمثاله. هذا ليس تشهيراً بالبلاد في الخارج، فالعالم يرى دولة إبادة جماعية ونظام فصل عنصري، بدعم متحمس من معظم وسائل الإعلام فيها، ويستنتج (الاستنتاج الصحيح) بأن حكومة اليمين لا تمارس الفصل العنصري فحسب، بل إن وسائل الإعلام تسوقه أيضاً.
بهذا المعنى، لا تمتلك إسرائيل حتى الآن وسيلة إعلامية أكثر فعالية من “هآرتس”. يعتقد كثيرون من الذين ينتقدون إسرائيل أن الصحيفة مجرد غطاء يجب كشفه. ربما يكونون على حق، ففي هذه الأثناء تستخدم الصحيفة آخر ورقة رابحة لإثبات وجود “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، وهي حرية التعبير في “هآرتس”، الأمر الذي يسمح لي ولأمثالي بالتعبير عن مواقف الأقلية المهمشة والمرفوضة من دون خوف.
لولا صحيفة “هآرتس” لما عرفت إسرائيل بوجود احتلال، ولولاها لما عرفت إسرائيل بوجود انقلاب يهدف إلى تدمير ديمقراطية اليهود، بل وحتى لولا “هآرتس” لكانت إسرائيل جنة عدن! والمستوطنات جنة! الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية في العالم! لا يوجد فلسطينيون أبرياء! حتى ولا بنو بشر! “هآرتس” تدحض كل هذه الأكاذيب القبيحة وتفسد احتفال تاو وأصدقائه بالدعاية. هم يحققون نجاحاً كبيراً في إسرائيل وفشلاً ذريعاً في الخارج. هناك يعرفون الحقيقة لأنهم لا يحصلون على المعلومات من القناة 12 وصحيفة “يديعوت أحرونوت”.
على مدى أربعين سنة كنت أسافر كل أسبوع تقريباً إلى المناطق المحتلة لتوثيق جرائمها. وقد وجد تاو، للمرة الألف، بين أكوام المقالات الكثيرة، مقال واحد ربما لم يثبت بالكامل، لنفترض ذلك. وإذا لم يكن هذا مشروعاً صحفياً فلا توجد لدي أي فكرة عن المشروع الصحفي. إذا كان التستر على الجرائم صهيونية، فلنكن جميعاً مناهضين للصهيونية. وإذا كان الإعلام دعاية، فلنتخلّ عن هذه الآلية الديمقراطية المهمة جداً.
يا تاو، أنا أتفاخر بالكتابة في “هآرتس”، وأتفاخر بالعيش في دولة فيها “هآرتس”. ولو كان الأمر بيدك وبيد أمثالك من السياسيين، لأُلغيت هذه الصحيفة منذ زمن.
—————-انتهت النشرة—————–

