فيديو..بحر غزة يغسل هموم الغزيين

المسار : على امتداد الساحل الضيق لقطاع غزة، يتداخل صخب الأمواج مع همس الحكايا المثقلة بالفقد. البحر هنا ليس مجرد مساحة جغرافية تلتقي فيها اليابسة بالماء، بل هو الكائن الوحيد الذي رفض الانصياع للحصار، وظل يمد ذراعيه الزرقاوين لمليونين ونصف المليون إنسان، كأنه يحاول التقاط أنفاسهم المخنوقة.
هذا الصيف، تبدلت هوية الشاطئ تمامًا؛ فلم يعد ترفًا أو وجهة للاستجمام النمطي، بل تحول إلى ساحة نجاة ممتدة وغرفة تفريغ نفسي كبرى، تتنفس من خلالها العائلات النازحة الهاربة من جحيم الخيام اللاهبة، باحثة عن نسمة هواء باردة رغم كل المخاطر المحيطة.

نزوح يطارد المد والجزر

تبدو اللوحة على طول الشاطئ سريالية بامتياز؛ إذ يمتد الساحل كلوحة تمزج بين جمال الطبيعة وبؤس اللجوء، حيث تزدحم الرمال الذهبية بآلاف النازحين الذين افترشوا الشاطئ هربًا من حرارة الخيام الخانقة.
رمال كانت، بالأمس القريب، ممرًا للمصطافين، باتت اليوم مستقرًا لأوتاد الخيام المتهالكة التي تكاد تلامس مياه البحر المتوسط، لتصبح الرمال هي «غرفة المعيشة» الوحيدة المتبقية للأسر التي فقدت بيوتها في غمرة الحرب المستمرة.
أقمشة ملونة، ومظلات متهالكة، وكراسٍ بلاستيكية بسيطة، يعاد ترتيبها يوميًا، حيث تجلس عائلات بأكملها؛ نساء بملابس الصلاة، وأطفال بملابس السباحة البسيطة، يحاولون انتزاع لحظات من الفرح المسروق.
في دير البلح، وسط القطاع، تجلس الأربعينية أم عبد الله بركة، وهي تتأمل الأمواج المتكسرة على مقربة من مكان نزوحها. قصتها تختزل فصولًا من الوجع الممتد الذي فاق قدرة الجبال على التحمل.
تقول أم عبد الله لـ»القدس العربي»، بنبرة هادئة لكنها مشروخة: «أنا أم لشهيدين، وزوجة شهيد، وزوجة ابني ونسيبي شهيدان أيضًا، ومعي سبعة أيتام وأرملتان. وجودنا هنا هو وسيلة للترويح عن هؤلاء الأطفال الأيتام، لمحاولة إنسائهم، نوعًا ما، ما مروا به وما زالوا يعيشونه».

فرح مسروق تحت أعين الزوارق

على بعد أمتار قليلة من خيمة أم عبد الله، يتدافع الأطفال نحو المياه، ويضحكون ويقفزون مع الأمواج بملء أصواتهم الصغيرة، في محاولة يائسة لغسل غبار الإبادة عن أجسادهم الصغيرة، وقد تزينت وجوه بعضهم برسومات ملونة لفراشات وطيور.
غير أن هذا الفرح يبدو «مسروقًا» ومحكومًا بقرارات لا يملكونها؛ فعيون الآباء لا تفارق الأفق أبدًا، خوفًا من الزوارق الحربية الإسرائيلية التي تتربص بصيفهم الصغير. وهناك، في عرض البحر، تبدو أمواج البحر المتوسط هادئة، لكنها تخفي خلف زرقتها شبح الزوارق الحربية التي لا تفارق الأفق، بينما تراقبهم نظرات الآباء المملوءة بالحيرة والقلق من غدر القذائف.
ويتأمل سامح أبو سمرة، وهو أب لأربعة أطفال نازح في وسط القطاع، هذا المشهد المعقد، ويقول: «البحر بالنسبة لسكان قطاع غزة هو المتنفس الوحيد حاليًا. وبالرغم من أنه غير آمن وخطير لوجود الزوارق الحربية في عرض البحر، فإنه لا يوجد حل آخر. هذا الشعب يأتي إلى هنا ليفرغ همومه ويبدد ضيقه على هذا الشاطئ، فلا بديل أمامنا».
ويضيف، خلال حديثه لـ»القدس العربي»، وهو يراقب صغاره: «الأطفال الذين تشاهدونهم يلعبون يأتون للترويح عن أنفسهم والخروج من ضغوط هذه الحياة؛ فهم أطفال رأوا الحروب والموت والدمار، ونحن نحضرهم إلى البحر لتغيير أجوائهم ونفسياتهم».
وبين هؤلاء الأطفال، يقف الصغير يوسف الحداد، الطفل النازح من مدينة غزة، وعيناه تلمعان ببريق رغبة بسيطة في الحياة، ويقول: «أنا جئت إلى هنا لأسبح وأرفه عن نفسي وأعيش مثل أطفال العالم بسلام، بعيدًا عن أجواء الحرب والدمار والقتل».
تتجلى مأساة الشاطئ في مفارقة بيئية وصحية حادة. فالبحر ذاته، الذي يمنح النازحين فرصة للهروب من حرارة الخيام الخانقة، تحول، بفعل انهيار البنية التحتية وغياب شبكات الصرف الصحي، إلى مصدر تهديد بديل؛ إذ يضطر النازحون إلى استخدام مياه البحر لغسل أوانيهم وملابسهم، وحتى للاستحمام وقضاء الحاجة، نتيجة انقطاع المياه وتدمير شبكات الصرف الصحي، ما حول «الملاذ الجميل» إلى مصدر للأمراض الجلدية.
وتظهر القمامة والنفايات عند حواف المياه، شاهدة على انهيار البنية التحتية وغياب الصرف الصحي، ما يحول مياه الاستجمام إلى مصدر محتمل للأوبئة، لكنها تظل «الخيار الوحيد» لشعب قرر أن يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلًا.
وتعود أم عبد الله لتصف هذا الواقع المرير، قائلة: «البحر اليوم يخدمنا في عدة اتجاهات؛ فهو للترفيه عن الأطفال رغم عدم الأمان، وهو مكان للنزوح يعج بالناس، ولكنه للأسف أصبح مكانًا ملوثًا وخطرًا على الأطفال بسبب الأمراض الجلدية، لأن الناس تضطر إلى قضاء حاجتها في المياه والتخلص من النفايات هناك، لعدم توفر صرف صحي أو أدنى مقومات الحياة السليمة. ورغم كل ذلك، لا يوجد أمامنا متنفس آخر غير البحر».

علاج نفسي بـ»صفر» إمكانيات

في غياب العيادات النفسية والمراكز الترفيهية، تحول موج البحر إلى معالج صامت، وتمثل صرخة الطفل في وجه الموج محاولة يائسة للتغطية على صوت القصف في الذاكرة، ويغدو البحر بمثابة «حبل غسيل» لهموم الأطفال الأيتام.
وعلى رمال منطقة مواصي خان يونس، يقف أحمد العشي، ويمتزج الغيظ في صوته بالأمل، ليعبر عن لسان حال آلاف النازحين، ويقول: «نحن شعب يحب الحياة، ولكننا شعب مضطهد منذ الولادة. القتل والحروب والدمار… إلى متى؟ أطفال يقتلون، ومنازل تهدم فوق رؤوس ساكنيها في حرب إبادة مستمرة. رسالتنا إلى العالم أجمع: أوقفوا هذه المهزلة الشيطانية».
ويتابع، خلال حديثه لـ»القدس العربي»، بنبرة حاسمة: «نريد لأطفالنا أن يعيشوا بسلام، وأن يخرجوا، ولو لمرة واحدة، من أجواء الحرب المريرة. كفاكم تخاذلًا، فنحن نريد أن نعيش كبقية البشر. أطفالنا لم يفرحوا بعيد ولا برمضان، ونحن ننتظر فرج الله ونصرة المستضعفين».
هذا السعي إلى انتزاع الحياة تشارك فيه ختام المدهون، وهي زوجة شهيد ونازحة في وسط القطاع، جاءت برفقة أطفالها إلى الشاطئ.
وتقول ختام: «أنا زوجة شهيد. رغم الجوع والخوف والفقد، ورغم الآلام التي لا توصف، جئت لأرفه عن أولادي الذين عاشوا ألم استشهاد والدهم. نحن هنا على شاطئ البحر، ولا نشعر بالأمان؛ ففي أي لحظة قد ينزل علينا صاروخ ونستشهد، ولكن إلى متى سنبقى هكذا؟ لقد مضى أكثر من عامين على الحرب، والأطفال يلحون عليّ للخروج والعيش».
وتنهي حديثها لـ»القدس العربي»، وهي تنظر إلى أطفالها: «جئت معهم ونحن غير متأكدين إن كنا سنعود بسلام إلى خيامنا وبيوتنا أم لا. نحن نطالب بأبسط حقوقنا؛ أن نعيش بأمان، ونأكل ونشرب مثل باقي العالم».
مع مغيب الشمس، يكتسي شاطئ غزة بلون برتقالي دافئ، يلقي بظلاله على المخيم الممتد فوق الرمال.
وتتلخص الحكاية كلها في صورة رمزية تعكس الصراع بين «إرادة الحياة»، المتمثلة في طفلة ترسم فراشة على وجهها وتبتسم رغم الألم، و»قسوة الواقع»، المتمثلة في علم أسود منصوب على الشاطئ، كإشارة خطر أو ربما حداد صامت، أو زورق حربي يمر ببطء في الأفق.
لقد أُغلق فوق غزة كل شيء هذا الصيف؛ الأسقف، والمعابر، والطرقات، ولم يتبق للمدينة سوى هذا الأفق الأزرق المفتوح، الذي غدا «المتنفس الوحيد» في مدينة أغلقت من حولها كل الأرض، ولم يترك لها سوى الأفق.

المصدر … القدس العربي..

Share This Article