| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
مركز القدس للاستراتيجية والأمن JISS 16/7/2026
“نصرٌ مطلق” ألف يوم على “حرب النهضة”
بقلم: البروفيسور غابي سيبوني والعميد (احتياط) إيريز فينر
مقدمة
منذ اندلاع حرب الاستقلال، ساد نقاش عام واسع ومتوتر حول إنجازات الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل. يشمل هذا النقاش تقييمات عسكرية وسياسية وأيديولوجية، لكن جزءًا كبيرًا منه يركز على تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول “النصر المطلق”. هذا التعبير، الذي أُطلق علنًا لأول مرة في خطابه أمام الكنيست في 12 أكتوبر 2023، عند تشكيل حكومة الطوارئ، حظي باهتمام واسع في وسائل الإعلام والخطاب العام والمحافل الدولية، وأصبح، من جهة، رمزًا للأمل، ومن جهة أخرى، موضع انتقاد، بل وسخرية وازدراء.
لقد كرّر رئيس الوزراء هذا التعبير مرارًا وتكرارًا. في كانون الثاني 2024، وفي خطاب ألقاه أمام طلاب دورة قادة السرايا، قال: “توقعي الأساسي هو النصر المطلق. لا بديل عن النصر. أسمع في الاستوديوهات، من المعلقين وغيرهم، من يقولون إنه “مستحيل” و”غير ضروري”. إنه ممكن، إنه ضروري، وليس لدينا خيار آخر. “النصر المطلق”. وقبل دخول رفح في آذار 2024، أثناء قراءة الاسطورة مع الجنود في عيد المساخر، أعلن: “سندخل رفح ونحقق النصر المطلق. لقد قضينا على هامان، وسنقضي أيضًا على السنوار”. وفي كانون الأول 2024، بعد سقوط نظام الأسد إثر الضربة القاسية التي تلقاها حزب الله، قال: “النصر المطلق الذي سخروا منه أصبح حقيقة واقعة اليوم”.
من جهة أخرى، وكما ذُكر، حوّل منتقدو رئيس الوزراء هذه العبارة إلى بؤرة للنقد والسخرية. فقد زعم بعضهم أنها تُستخدم كغموض مُتعمّد لتأجيل الاتفاقيات، أو تجنّب إعادة الرهائن، أو إطالة أمد الحرب. وانتقد آخرون استخدامها، زاعمين أن المصطلح غير واضح للقيادة العسكرية ولا يُترجم إلى تعليمات عملياتية. بينما زعم آخرون أن “النصر المطلق الوحيد” هو إطلاق سراح الرهائن، وأن رئيس الوزراء يستخدم هذه العبارة للتهرّب من المسؤولية.
في هذه المقالة، سنبحث في ماهية “النصر المطلق” الذي أثار هذه الفوضى. سنتناول جميع جبهات الحرب – غزة، ولبنان، وسوريا، وإيران – حيث تُجري إسرائيل عملياتها في إطار “حرب النهضة”، وسنحلل أهداف الحرب في كل جبهة، والإنجازات التي تحققت حتى تموز 2026، والتحديات المتبقية. في النهاية، يُجادل بأن عبارة “النصر المطلق” تهدف إلى بثّ روح القتال والقوة، لا سيما في الرأي العام الإسرائيلي في لحظات عصيبة خلال الحرب. والهدف النهائي هو تحقيق النصر وتحسين وضع إسرائيل لسنوات عديدة؛ ويتحقق ذلك من خلال تغيير النظرة الأمنية لإسرائيل إلى نظرة تُفضي إلى تغيير في وجه الشرق الأوسط، وإلى إنشاء حدود جديدة قابلة للدفاع عنها ومساحات أمنية، وإلى إقامة مستوطنات حيثما أمكن ذلك بطريقة تُغير موازين القوى على المدى البعيد.
بين النصر و”النصر المطلق”
لفهم مصطلح “النصر المطلق”، يجب أولًا تحليل مصطلح “النصر” إلى عناصره الأساسية. فالنصر ليس مصطلحًا عسكريًا، بل هو استمرار للحسم العسكري عبر وسائل الأمن القومي. في مقالنا السابق، أوضحنا العلاقة بين النصر والحسم. وأكدنا أن النصر لا يتحقق تلقائيًا بعد النصر العسكري، بل يتطلب جهدًا يجمع كافة أدوات الأمن القومي (السياسية والاقتصادية والأيديولوجية وغيرها).
الحسم العسكري هو العنصر الأولي والأساسي. ويعني إلحاق ضرر جسيم ومنهجي بقدرات العدو – تدمير البنية التحتية العسكرية، والقضاء على كبار القادة، وتدمير أنظمة التحكم، وحرمانه من القدرة على استخدام القوة المنظمة. الحسم ليس مفهومًا نهائيًا؛ فهو دائمًا ما يعتمد على الزمان والمكان. فالعدو المهزوم قد يتعافى ويعود ليهددنا. جزء من الهدف من النصر هو استخدام الإنجاز الذي تحقق بالحسم العسكري لاستكمال تحقيق أهداف الحرب التي حددتها القيادة السياسية. يتحقق النصر عند بلوغ الأهداف السياسية طويلة الأمد التي تُحسّن بشكلٍ جوهريٍّ توازن الأمن القومي الإسرائيلي. ولتحقيق هذه الغاية، يتضمن النصر ثلاثة عناصر رئيسية: حسم عسكري، وتغيير في الوعي، وتغيير سياسي واقتصادي في مكانة إسرائيل في المنطقة.
في مقال سابق لأحد المؤلفين، تم تحليل استخدام مصطلح “النصر المطلق”. هذا المصطلح مأخوذ من كلمات الرئيس الأمريكي روزفلت، الذي قال في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي بعد بيرل هاربر: “مهما طال بنا الوقت للتغلب على الغزو، فإن الشعب الأمريكي بقوته العادلة سينتصر حتى النصر المطلق”. عندما صاغ رئيس الوزراء استخدام هذا المصطلح في سياق حرب النهضة، خاطب أربع فئات مستهدفة: المواطنون الإسرائيليون، والتشكيلات القتالية، وسكان العدو وقادته، والمجتمع الدولي. كان هذا ضروريًا لتوضيح تصميم الحكومة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي على تحقيق جميع أهداف الحرب (أولًا في غزة) ثم في الساحات الأخرى.
ينكر جميع منتقدي استخدام مصطلح “النصر” إمكانية تحقيق النصر، وينكرون في الواقع مشروعية أهداف الحرب. وذلك على الرغم من أن غياب الحزم في مواجهة أعدائنا سيؤدي على الأرجح إلى نظام ضغوط لا يُطاق في جميع الساحات، وسيعرض دولة إسرائيل لخطر أمني جسيم. في نهاية المطاف، لا فرق بين مصطلح “النصر” ومصطلح “النصر المطلق”. يُستخدم مصطلح “النصر المطلق” أساسًا لتوضيح موقفنا للعدو بأننا لن نتراجع حتى نحسم الأمر، ومن ثم نحقق النصر.
بين الحسم والنصر في حرب النهضة
إذا كنا بصدد تحقيق النصر، فمن الأنسب تحليل وضعنا في هذا السياق في جميع الساحات. فيما يلي تحليل لمكونات الحسم في سياق مختلف ساحات حرب النهضة وعلاقتها بتحقيق النصر في هذه الساحات. في غزة، تجلّى الحسم في تدمير معظم قدرات حماس والجهاد الإسلامي في القطاع، وعودة جميع المختطفين، ووجود إسرائيلي في أجزاء واسعة من غزة، باستثناء معظم المناطق المأهولة، في الوقت الذي يُكثّف فيه الجيش الإسرائيلي هجومه على فلول حماس بهدف نزع سلاحها وتجريد القطاع بأكمله من السلاح.
واليوم، يعيش في المجتمعات المحيطة بالقطاع عدد أكبر من السكان مقارنةً بـ 6 أكتوبر2023، وقد عادت المنطقة إلى الازدهار الاقتصادي والاجتماعي. وكما ذُكر، فإن حوالي 70 في المئة من قطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، ولم تُطلق رصاصة واحدة من القطاع خلال عملية “زئير الأسد”. يشمل الحسم العسكري تدمير البنية التحتية للإرهابيين، بالإضافة إلى توجيه ضربة قوية لقيادة التنظيم. كما طرأ تغيير في الوعي لدى كل من غزة والإسرائيليين. مع ذلك، يجب التذكير بأن حماس والجهاد ليسا سوى عرض لمشكلة أكبر بكثير. فالروح الجماعية في غزة لا تزال تتمحور حول تدمير إسرائيل. كذلك، إذا تم تفكيك حركة حماس، فإن هذه الفئة السكانية ستُشكل نواة لمنظمات إرهابية أخرى. لذا، يتطلب إتمام الحل في قطاع غزة السماح للسكان بالهجرة الطوعية من غزة إلى دول أخرى.
مع ذلك، لتحقيق النصر، لا تزال هناك عدة مهام يتعين إنجازها. أولًا، استكمال السيطرة على ما يزيد عن 30 في المئة من قطاع غزة التي لا تزال حماس تسيطر عليها؛ ثانيًا، هجرة سكان غزة بأعداد كبيرة إلى دول أخرى؛ وقد وردت مسألة الهجرة في اتفاق النقاط العشرين الذي أُنشئ مجلس السلام في إطاره، كما نُوقشت هذه المسألة بالتفصيل في ملخص اجتماع وزراء خارجية دول الخليج، حيث نُصّ على أنه “لن يُجبر أحد (في غزة) على مغادرة غزة، ومن يغادر سيكون حرًا في العودة”؛ وأخيرًا، إنشاء مستوطنات في قطاع غزة، بدءًا من الحدود الشمالية ثم حيثما أمكن ذلك.
في الجبهة الشمالية، لم يتمكن الجيش الإسرائيلي بعد من هزيمة حزب الله، ورغم تعرضه لأضرار جسيمة، إلا أنه لم يتمكن من القضاء على قدراته العسكرية. إن الرابط الذي أقامته الولايات المتحدة بين إيران والساحة اللبنانية يُعدّ أحد أخطاء إدارة ترامب، وهو، في رأينا، لا يضرّ إسرائيل فحسب، بل يضرّ الولايات المتحدة أيضاً وتحركاتها التي تسعى إلى تعزيزها في المنطقة. فالقيود المفروضة على الجيش الإسرائيلي تُصعّب عليه استخدام كامل قوته ضد حزب الله، وتُفاقم الضرر الذي يُلحقه به. كما يُخشى أن يحصل حزب الله على حصانة بموجب اتفاق يُبرم بين الولايات المتحدة وإيران؛ ولا ينبغي لإسرائيل أن تقبل بمثل هذه الحصانة لحزب الله.
يُمثّل الاتفاق المُوقّع بين دولة إسرائيل ولبنان أولى خطوات الاسفين الذي نجحت إسرائيل في دقه في العلاقات بين إيران ولبنان. هذا الشرخ، الذي كان من الممكن أن يكون إيجابياً لو اتسع، يسمح للجيش الإسرائيلي بتعميق تدمير البنية التحتية للإرهاب في قرى جنوب لبنان، بموافقة الحكومة اللبنانية على هذه الخطوة، بما في ذلك بقاء الجيش الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية حتى يتم نزع سلاح حزب الله. كما يُساهم الاتفاق في تعميق الخلاف بين الحكومة اللبنانية وحزب الله. إن العمليات العسكرية والاتفاق مع لبنان يقربان إسرائيل من تحقيق النصر في الساحة اللبنانية.
وفي الساحة الشمالية، في سوريا أيضاً، سقط نظام الأسد، ودمر الجيش الإسرائيلي معظم القوة العسكرية السورية، ويسيطر على منطقة أمنية تمتد من جبل الشيخ إلى كامل هضبة الجولان. ويتجلى انتصار إسرائيل في الساحة السورية في سيطرتها على منطقة أمنية على طول الحدود، وفي عملياتها الأمنية ضد التهديدات الناشئة. وهنا أيضاً، تبرز فرصة للتعاون طويل الأمد مع الدروز في سوريا.
لقد عززت الإجراءات الإسرائيلية لحماية الدروز في السويداء من العنف الطائفي وهجمات القوات الحكومية السورية والبدو، موقف إسرائيل في جنوب سوريا والمنطقة بأسرها، ووسعت نطاق سيطرتها الأمنية في المنطقة الحدودية، وأظهرت قوة ردع ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وإلى جانب هذا الإنجاز العسكري، ثمة إمكانية لدمج الدروز في ترتيب أمني طويل الأمد مع سوريا: فالدروز تربطهم علاقات وثيقة بطائفتهم في إسرائيل (الذين يخدمون بإخلاص في الجيش الإسرائيلي)، ويمكنهم أن يكونوا قوة عازلة محلية مستقرة، وحرس حدود، ومصدراً موثوقاً للمعلومات الاستخباراتية. إن مثل هذا التضافر، من خلال الحكم الذاتي والتسلح الذاتي والاتفاقيات المتعلقة بالوجود الإسرائيلي الدرزي المشترك، من شأنه أن يُسهم في استقرار المنطقة، ومنع تسلل التهديدات الإيرانية أو الجهادية، وفي وضع ترتيب أوسع يشمل آليات تنسيق أمني تحت رعاية أمريكية، مع ضمان حماية المصالح الإسرائيلية طويلة الأمد.
وإلى الجنوب، تعاملت إسرائيل أيضاً مع تهديد الحوثيين، على الرغم من عنصر المفاجأة بانضمامهم إلى الحملة، وعلى الرغم من بُعد المسافة. وقد تحسنت صورة الاستخبارات الإسرائيلية عن الحوثيين بشكل كبير، وألحقت سلسلة من الهجمات أضراراً بالغة بقدراتهم وقيادتهم. يُضاف إلى ذلك صراع داخلي لدى الحوثيين أنفسهم، وصراع آخر مع خصومهم في اليمن، الأمر الذي يشغلهم ويُضعف قدرتهم على توجيه أي تهديد لإسرائيل.
وأخيراً، الحملة ضد إيران. ففي عمليتي “الأسد الصاعد” و”زئير الأسد”، ضرب الجيش الإسرائيلي إيران، ولكن الأهم من ذلك أنه أزال الحاجز النفسي الذي كانت إسرائيل تُقيمه ضد إيران. وقد حللنا في مقال سابق مدى الضرر الذي لحق بإيران. مع ذلك، لا يكفي حسم عسكري، بل يجب إتمام ذلك عبر ضغوط اقتصادية وسياسية تُفضي إلى انهيار نظام آية الله في إيران، ولا سيما بإقناع الولايات المتحدة بعدم ربط أي اتفاق لنزع السلاح النووي (الذي يبدو تحقيقه بعيد المنال حاليًا) برفع العقوبات وإمكانية انتعاش الاقتصاد الإيراني. يبدو أن النظام في إيران قد تلقى ضربة قاسية وضعف موقفه، على الرغم من العنف والقمع اللذين مارسهما ضد الشعب الإيراني. ومع انكشاف صور القمع واستمرار صعوبة الوضع الاقتصادي، يُتوقع أن يستمر وضع النظام في التدهور، ومن المهم أن نتحرك لتقديم المساعدة قدر الإمكان. من جهة أخرى، إذا تم التوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق يتوافق مع مذكرة التفاهم، فستواصل إيران سيطرتها على حركة الملاحة في مضيق هرمز وسيتم رفع العقوبات، وسيتمكن النظام من التعافي والعودة في غضون سنوات قليلة ليشكل تهديدًا خطيرًا لإسرائيل والدول المجاورة في الخليج.
تُعدّ يهودا والسامرة ساحة معركة في حرب النهضة. تُشكّل القدرات الإرهابية في المنطقة تهديدًا خطيرًا، سيتفاقم مع رحيل أبو مازن، فهو لن يبقى للأبد. تسعى إيران، عبر وكلائها كحماس والجهاد الإسلامي وعناصر في السلطة الفلسطينية، إلى إقحام أجهزة الأمن الفلسطينية في الصراع. في ضوء هذا الخطر، ولا سيما فساد السلطة الفلسطينية وتورطها في التحريض على الإرهاب وتشجيعه، يكمن حلّ يهودا والسامرة في خطة مستوحاة من النموذج الإماراتي. جوهر هذه الخطة هو حلّ السلطة الفلسطينية الفاشلة وإنشاء كيانات مستقلة في المدن الفلسطينية الرئيسية (مثل جنين ونابلس والخليل ورام الله وغيرها). ستنتقل المنطقة بأكملها إلى السيطرة والسيادة الإسرائيلية الكاملة، مع إلغاء اتفاقيات أوسلو التي لا تلتزم بها السلطة أصلًا. سيمكّن هذا النهج من فرض سيطرة أمنية مباشرة على كامل المنطقة الحضرية ومنع قيام دولة إرهابية موحدة. سيكون هذا الإجراء صعبًا في ظل الضغوط الدولية وفي التأثير على دول “حلف إبراهيم”؛ وفي الوقت نفسه، يمكن بل ينبغي أن تُبنى هذه العملية على توعية الرأي العام العالمي وربط تقدم الحل بالأحداث والتطورات التي ستحدث على أرض الواقع.
من الجدير بالذكر في هذا الفصل توضيح الفجوة التي قد تفصل أحيانًا بين الحسم وتحقيق النصر. يُعلّمنا التاريخ أن الحسم العسكري المطلق (كما في حرب الأيام الستة) لم يُفضِ بالضرورة إلى النصر؛ فقد اندلعت حرب الاستنزاف بعد أشهر قليلة من حرب الأيام الستة، وحرب أكتوبر بعد ست سنوات منها. في حرب النهضة، يُعد القرار العسكري المرحلة الأولى فقط – الأساس الذي تُبنى عليه المكونات الأخرى. يجب أن يكون الاستمرار بالنصر على أعدائنا وتغيير جذري في وضع إسرائيل في الشرق الأوسط، وهو طريق محفوف بالتحديات والصعوبات.
التغيير الكبير
يتعلق التغيير في الوعي في سياق حرب النهضة بجوهر مفهوم “الجدار الحديدي” لجابوتنسكي. فمن جهة، تُشكل نتائج النصر العسكري والسيطرة على الأراضي في جميع الساحات الحدودية مع إسرائيل معادلةً إشكاليةً للعدو. ورغم التباهي في إيران، فإن التفوق العسكري الإسرائيلي واضحٌ للإيرانيين أيضاً. ومن جهة أخرى، يُظهر التصور السائد في الشرق الأوسط والعالم بشأن قدرات إسرائيل وعزمها مدى تغير موقعها في المنطقة. فقد مُنيت “حلقة النار” التي حاصرت بها إيران إسرائيل بضربةٍ ماديةٍ قاسيةٍ، فضلاً عن ضربةٍ نفسيةٍ مؤلمة.
كما تُتيح حرب النهضة إمكاناتٍ هائلةً للتنمية السياسية والاقتصادية لإسرائيل. فبعد الحرب والحملات ضد إيران، انفتحت أمام إسرائيل آفاقٌ اقتصاديةٌ وسياسيةٌ واسعةٌ، نتيجةً لبيئةٍ إقليميةٍ أكثر استقراراً، ولأن دول الخليج تنظر إلى إسرائيل كشريكٍ موثوقٍ به في مواجهة التهديد الشيعي. في الوقت نفسه، يشمل السياق الإقليمي تعميق التعاون مع الهند، والذي يُتوقع أن ينمو إلى مستوى تحالف اقتصادي-تكنولوجي واسع النطاق. كما أن الاتفاقية مع لبنان، التي تُعدّ بعض دول الخليج شركاء فيها، ستعزز حتماً علاقاتها مع إسرائيل.
وينطبق الأمر نفسه على منطقة شرق المتوسط. إذ تتعزز العلاقات مع اليونان وقبرص في إطار منتدى شرق المتوسط من خلال التطوير المشترك لحقول الغاز الطبيعي، وبناء خطوط أنابيب الطاقة، وإنشاء ممر للكهرباء والمياه من الشرق الأوسط إلى أوروبا، والتعاون العسكري-البحري المكثف. سيمكن هذا المزيج إسرائيل من أن تصبح مركزاً اقتصادياً محورياً يجذب استثمارات أجنبية ضخمة في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والتكنولوجيا المتقدمة. سياسياً، ستتمكن إسرائيل من ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية، تجمع بين القوة العسكرية والريادة الاقتصادية.
وبعيداً عن النصر العسكري، وتغيير الوعي، والتنظيم السياسي، والتحسن الاقتصادي طويل الأجل، هناك عنصر آخر للنصر، يرمز إلى جوهر التغيير. يتمثل هذا العنصر في إرساء حدود جديدة قابلة للدفاع من خلال إنشاء “مساحات دفاعية” وإقامة مستوطنات إسرائيلية. وهذا هو العنصر الذي يميز بين نصر مؤقت، قد يتلاشى تحت الضغط الدولي أو مع تعافي العدو، ونصر تاريخي لا رجعة فيه، يغير موازين القوى لأجيال.
هذا هو المكان المناسب لتوسيع مفهوم الاستيطان. لقد أظهرت التجربة السابقة في لبنان أنه في غياب الاستيطان، لم تستطع دولة إسرائيل الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية، وانسحبت من المنطقة الأمنية التي كانت تحمي المستوطنات الشمالية. سنوضح أن الاستيطان قيمة وطنية هامة، ولكن من الواضح لنا وجود قيود سياسية تعيق تنفيذه. ومع ذلك، نؤكد على ضرورة إرساء الاستيطان في المناطق الأمنية (وفي جميع أنحاء البلاد) بكل السبل الممكنة. للاستيطان في المناطق الأمنية مزايا عديدة: أولها خلق نوع من الحصانة ضد الضغوط الداخلية والخارجية للانسحاب من المنطقة الأمنية؛ ثانيها، إدراك قيمة الاستيطان في جميع أنحاء البلاد؛ وأخيرًا، جباية ثمن من العدو في مواجهة عدوانه. صحيح أنه إذا هاجم العدو المستوطنات في المناطق الأمنية مرة أخرى، فسيكون من الضروري احتلال منطقة أمنية جديدة والاستيطان فيها أيضًا، وهكذا دواليك، حتى ييأس العدو. هذا تحديث لمفهوم “الجدار الحديدي”.
من الدروس القاسية التي استخلصناها في السابع من أكتوبر 2023، أن الوضع الذي كان سائداً قبل الحرب لم يعد مقبولاً: مستوطنات إسرائيلية على خط المواجهة، تفتقر إلى مساحة دفاعية كافية، في مواجهة عدو يسيطر عليها وقادر على التخطيط لهجوم في أي لحظة. ففي قطاع غزة، والمستوطنات الشمالية المواجهة لحزب الله، وحتى على الحدود السورية، يتمتع العدو بوصول مباشر، وقدرات تسلل، ونظام مراقبة متكامل. تُظهر التجارب التاريخية أن الحدود “الرقيقة” والمكشوفة تُغري بالهجمات. وتُطبّق إسرائيل هذا الدرس بشكل منهجي: بإنشاء مناطق عازلة واسعة، خالية من السكان المعادين، لتوفير أمن مُحسّن.
إن “المنطقة العازلة” ليست مجرد منطقة أمنية عادية. تُنشئ إسرائيل مناطق واسعة خالية تماماً من السكان والعدو، بينما تُدمّر البنية التحتية للإرهابيين داخل القرى تدميراً كاملاً، وتمنع عودة السكان المعادين. وفي حال حدوث أي انتهاك لهذه المنطقة – سواء كان تسللاً مسلحاً أو أي تحرك مشبوه آخر – سيتم تطبيق قواعد إطلاق النار الحر، دون سابق إنذار.
يُمثل الاستيطان الإسرائيلي في هذه المناطق ثمناً باهظاً للعدو، مُعبراً عن التحول في مواجهة حرب النهضة. أعداؤنا، الذين لا يُبالون بأرواح شعبهم، يرون في الأرض أثمن ما يملكون. فهم يبنون هويتهم وشرعيتهم على “تحرير الأرض”. لذا، فإن أنجع وسيلة لردعهم هي إظهار أن أي هجوم على إسرائيل سيُؤدي إلى خسارتهم للأراضي، ليس مؤقتاً، بل دائماً. يجب على إسرائيل الآن تحديد المناطق المُخصصة للاستيطان الإسرائيلي، لتلبية احتياجاتها الأمنية والاستيطانية على حد سواء.
في غزة: منطقة الدهنية، ومستوطنات الحدود الشمالية، والشريط الساحلي الشمالي الغربي – وهي مناطق خصبة نسبياً، قريبة من الحدود، يُمكن تحويلها إلى مستوطنات زراعية وأمنية. في لبنان: سهل مرجعيون، وأراضٍ كانت بعضها مملوكة سابقاً لمزارعين إسرائيليين من المطلة. عموماً، يُشكل نهر الليطاني الحدود الطبيعية لدولة إسرائيل. من شأن الاستيطان هنا أن يُنشئ اتصالاً جغرافياً مع الجليل الأعلى، وربطاً بالقرى المسيحية هناك. من الممكن، في ظل الظروف السائدة مع الولايات المتحدة ولبنان، أن تبدو تسوية كهذه بعيدة المنال، لكن يمكن التفكير في حلول مبتكرة، كتأجير المنطقة لمدة مئة عام لصالح الاستيطان والزراعة الإسرائيليين. ويمكن تبني حلول مماثلة في سوريا. ففي الضفة الغربية، من الضروري مواصلة وتوسيع نشاط المزارع، التي تُعدّ مثالاً يُحتذى به في مفهوم المساحات المفتوحة، لتشمل المناطق المفتوحة في المنطقتين (أ) و(ب)، وصولاً إلى الاستيطان الكامل لاحقاً. لا يهدف هذا إلى استبعاد الاستيطان مسبقاً، بل إلى إيجاد سبل للحفاظ عليه حتى في مواجهة المعارضة الدولية.
هذه التسوية ليست “عقاباً” أو “انتقاماً”، بل هي جزء لا يتجزأ من النصر. فهي تعزز الأمن، وتُحسّن الشرعية الدولية مع مرور الوقت (كما حدث في الجولان بعد عام 1967)، وتُرسّخ وقائع على الأرض يصعب تغييرها. علاوة على ذلك، فهي تُرسل رسالة واضحة: إسرائيل لا تدافع عن نفسها فحسب، بل تبني وتتوسع أيضاً.
من منظور تاريخي، هذا هو النموذج الذي حوّل دولة إسرائيل من دولة محدودة وهشة إلى قوة إقليمية: استيطان الجليل والنقب والجولان والضفة الغربية بعد حروب سابقة. في حرب النهضة، يجب تطبيق هذا النموذج بشكل منهجي في جميع الساحات. أولئك الذين أشعلوا فتيل الحرب في 7 أكتوبر – حماس وحزب الله وإيران – هم من أجبروا إسرائيل على تغيير الخريطة لضمان بقائها.
التحدي الرئيسي سياسي دولي: ضغوط من الولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة ضد “الضم” أو “المستوطنات”. مع ذلك، تُظهر التجارب السابقة أن الواقع على الأرض قادر على تغيير الخطاب. تحتاج إسرائيل إلى تقديم الأمن والاستيطان كضرورة وجودية، لا كعقاب.
الخلاصة
بعد أكثر من ألف يوم من القتال المستميت، تقترب إسرائيل من المرحلة الحاسمة. فرغم الخسائر الفادحة في الأرواح، ورغم الانتقادات الداخلية والضغوط الدولية، باتت إسرائيل اليوم في موقف أقوى بكثير مما كانت عليه يوم اندلاع الحرب. نحن نمتلك اليد العليا في جميع المجالات. لقد تم تفكيك “حلقة النار” الإيرانية، تلك الخطة الاستراتيجية طويلة الأمد التي صُممت لمحاصرة إسرائيل من جميع الجهات ومحوها من الخريطة، إلى حد كبير. فقدت حماس معظم قدراتها العسكرية والحكومية، وضعف حزب الله بشكل كبير، وسقط نظام الأسد، وتكبدت إيران نفسها أضرارًا جسيمة في برنامجها النووي وقدرتها على إنتاج الصواريخ. هذه ليست إنجازات بسيطة، بل هي إنجازات تاريخية تُغير وجه الشرق الأوسط.
إن عبارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “النصر المطلق”، التي لاقت انتقادات وسخرية من النقاد، تُقدّم رؤية واضحة: تحقيق حسم عسكري في جميع الساحات – غزة، لبنان، سوريا، وإيران – يتبعه بناء نصر من خلال تغيير الوعي، والتسوية السياسية، وإنشاء مساحات أمنية، وإقامة مستوطنات إسرائيلية تُغيّر موازين القوى.
في غزة، تحقق نصرٌ هامٌّ بتفكيك جزء كبير من بنية حماس التحتية، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية، وعودة السكان إلى المستوطنات المحيطة، لكن لا تزال هناك حاجة لاستكمال احتلال القطاع والقضاء على حماس، وتوفير إمكانية الهجرة والمساعدة لها. في لبنان، تمّ إحداث شرخ بين حزب الله والحكومة، وفي سوريا تمّ بناء مساحة أمنية مستقرة مع إمكانية التعاون مع الدروز، وتمّ رفع “حاجز الوعي” حيال إيران، مما ألحق ضرراً بالغاً بالنظام. في الضفة الغربية، في مواجهة المساعي الإيرانية لاختراق جهاز الأمن الفلسطيني ومحاولاتها لتقوية العناصر المتطرفة، يكمن الحل في الخطة الإماراتية: حلّ السلطة الفلسطينية وإقامة كيانات محلية تحت السيادة الإسرائيلية في الفضاء المفتوح.
في نهاية المطاف، لا يقتصر النصر النهائي على هزيمة عسكرية للأعداء، بل يتعداه إلى تغيير وجه الشرق الأوسط: إرساء حدود حصينة، وبناء منطقة عازلة مادية وفكرية، وتحويل إسرائيل إلى قوة إقليمية راسخة ومستقرة. تُعلّمنا حرب النهضة أن العزيمة وتوحيد الجهود والمثابرة على المدى الطويل هي وحدها الكفيلة بضمان عدم تكرار مجزرة 7 أكتوبر، وأن تخرج إسرائيل من الحرب أقوى وأوسع وأكثر ازدهارًا من أي وقت مضى.
حرب النهضة هي عملية نهضة وطنية، وفرصة لتغيير الواقع الإقليمي، واستعادة الردع، وتوسيع الحيز الحيوي، وتأمين مستقبل أبنائنا. إذا أنجزنا المهمة – إذا انتقلنا من الإنجازات العسكرية المبهرة إلى النصر المطلق عبر تأمين المناطق والمستوطنات – فسنتمكن من القول في نهاية المطاف: لقد فعلناها. لقد انتصرنا. ليس في المعركة فحسب، بل في الحرب بأكملها. النصر ممكن. إنه ضروري. وهو في أيدينا.
——————————————
هآرتس 16/7/2026
دول الخليج كفيلة أن تلجم هذه المرة أيضا التهديدات الكبرى لترامب
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
لا ينوي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهاجمة قواعد الصواريخ أو تدمير بقايا اليورانيوم المخصب أو المنشآت النووية. ويبدو ان حياة قادة “النظام الجديد” في ايران آمنة أيضا. ويمكن اعتبار الهجمات الامريكية على عشرات الأهداف في ايران “دقيقة”، وهدفها الرئيسي، حسب ترامب، هو اجبار ايران على العودة الى طاولة المفاوضات. واذا لم تساعد هذه الهجمات فهو يعد بضرب كل محطات الطاقة والجسور والبنى التحتية للطاقة في الأسبوع القادم، الى ان تعلن ايران رغبتها في ذلك.
في الواقع تعتبر هذه مهمة مع نطاق غير مسبوق. يوجد في ايران حوالي 500 محطة لتوليد الطاقة عاملة، وآلاف المحطات الفرعية، كل واحدة منها، حتى الكبيرة، لا تساهم الا بجزء صغير من استهلاك الكهرباء. ولكن حتى لو قرر الرئيس شن حملة شاملة ضد محطات الطاقة فان الجزء الأكبر من الضرر سيتحمله عشرات ملايين المواطنين المرتبطين بها، والمستشفيات ومحطات تحلية المياه ومؤسسات مدنية أخرى.
هذا الهجوم لن يكون من طرف واحد. تمتلك ايران القدرة على الاضرار بالبنى التحتية المدنية في دول الخليج مثل تعطيل محطات تحلية المياه التي تزود 90 في المئة من السكان بالمياه، وتحييد المطارات، على سبيل المثال لا الحصر، هذه بعض الاضرار التي يمكن ان يتسبب بها رد ايران.
في غضون ذلك يجب التذكير بان التهديد بالاضرار بشبكة الكهرباء في ايران ليس جديد. ففي شهر آذار الماضي غرد الرئيس الأمريكي باسلوبه الحاد وقال: “اذا لم يتم التوصل الى اتفاق في القريب لاي سبب كان… واذا لم يتم فتح مضيق هرمز امام التجارة على الفور، فسننهي وجودنا المزعوم في ايران بتفجير وتدمير كل محطات توليد الطاقة وآبار النفط وجزيرة خرج (وربما كل محطات تحلية المياه)، التي لم نمسها بشكل متعمد حتى الآن. هذا سيكون انتقام للكثير من جنودنا وغيرهم، الذين قتلتهم ايران خلال 47 سنة من “حكم الإرهاب” الذي فرضة النظام القديم”. مع ذلك، لم تكن الاعتبارات الاستراتيجية أو التكتيكية جوهر الامر في حينه. فاذا لم يجبر ايران على التفاوض فان الانتقام مضمون على الأقل.
ولكن هذا التهديد لم ينفذ أيضا. وذلك يعود بالأساس الى الضغط الكبير الذي استخدمه قادة دول الخليج على ترامب. فقد وضعوا خط احمر آخر عندما طلب في شهر أيار شن حملة عسكرية لحماية الملاحة في مضيق هرمز، حيث أوضح له حاكم السعودية محمد بن سلمان بانه لن يسمح باستخدام القواعد الجوية الموجودة في السعودية لتنفيذ المهمة.
هذا الضغط اثمر وتم تجميد العملية. وليس من المستبعد ان تخضع الخطة الطموحة التي يخطط لها الرئيس في الأسبوع القادم لانظمة “الرقابة والاشراف” في دول الخليج التي تم تفعيلها من جديد في هذا الأسبوع لإحباط نيته فرض رسوم بنسبة 20 في المئة على كل سفينة تعبر في مضيق هرمز. وبدلا من الرسوم سيكتفي ترامب بالتزام بعض هذه الدول بالاستثمار في الولايات المتحدة. كم سيكون حجم هذه الاستثمارات، ومتى سيتم استثمارها؟ هل ستكون هذه الاستثمارات إضافة الى التزامات سابقة؟ يفضل عدم التكهن. يبدو انه في الوقت الذي يحدد فيه ترامب لإسرائيل حدود نشاطاتها العسكرية في سوريا ولبنان، تشير دول الخليج لترامب الى النطاق العسكري المقبول من ناحيتها.
مع تصاعد شدة التوتر ما زال من غير الواضح ما يهدف اليه ترامب عندما يطالب ايران بالعودة الى طاولة المفاوضات. هل ينوي احياء الحوار حول مذكرة التفاهم التي وقعت قبل شهر؟. ففي نهاية المطاف اعلن هو نفسه قبل أسبوع بان هذه الوثيقة، التي تشل 14 بند، انتهت صلاحيتها ولم تعد سارية المفعول. هذا يأتي بعد ان هاجمت ايران بعض سفن النفط التي كانت تبحر في مسار بديل، ولم تنسق مسارها مع “سلطة مضيق الخليج الفارسي”، التي انشاتها ايران في أيار لتنسيق حركة الشحن وتحصيل رسوم العبور في المضيق. هذا الخلاف الذي اشعل فتيل الاشتباكات الأخيرة يستدعي التوضيح.
تنص المادة 5 في مذكرة التفاهم على أنه “عند التوقيع على هذه المذكرة ستبذل الجمهورية الإسلامية الإيرانية كل جهدها لتوفير العبور الامن للسفن التجارية، بالمجان، لمدة ستين يوم فقط، من الخلجي الفارسي الى بحر سلطنة عمان وبالعكس”. ينص البند أيضا على ان ايران ستجري حوار مع سلطة عُمان لتحديد إدارة الخدمات البحرية في المضيق مستقبلا، بالتشاور مع الدول المشاطئة الأخرى حسب القانون الدولي والحقوق السيادية للدول المشاطئة في مضيق هرمز.
وحسب التفسير الإيراني يعطي هذا البند ايران سلطة تنسيق وإدارة الملاحة في مضيق هرمز، وترى ايران انه يعطيها الحق في تحصيل رسوم العبور بعد فترة تفاوض تبلغ ستين يوم، حتى لو لم يتم استكمالها. في نفس الوقت يجب عليها التفاوض مع سلطنة عمان ودول الخليج الأخرى حول ترتيب دائم لادارة الملاحة في الخليج. إضافة الى ذلك ترى ايران انه يجب على الولايات المتحدة احترام أي اتفاق يتم التوصل اليه بين ايران وهذه الدول. هذه مجرد ثغرة واحدة في الوثيقة التي وقع عليها الرئيس ترامب. ومن اجل تجنبها اقترحت عُمان استخدام طريق ملاحة بديل قريب من شواطئها، حيث يمكن للسفن العبور فيه بدون التنسيق مع ايران ودفع رسوم.
هكذا فانه منذ انشاء “ممر عُمان” في النصف الثاني في الشهر الماضي عبرت خلاله عشرات السفن كل يوم. ولكن في الأسبوعين الأخيرين شنت ايران هجمات للسفن العابرة، الامر الذي أدى الى انخفاض عددها الى حوالي عشر سفن أو اقل في اليوم. وترى ايران في هذا المسار الجديد تهديد لسيطرتها المطلقة على العبور في المضيق، التي تزعم انها اعطيت لها بموجب مذكرة التفاهم، وانتهاك صارخ للمذكرة من طرف الولايات المتحدة التي تدعم هذا المسار. وفي محاولة لتحييد عمل هذا المسار وصل وزير خارجية ايران، عباس عراقجي، الى مسقط عاصمة سلطنة عمان في يوم السبت الماضي. ولكن بعد ساعات من المفاوضات لم يتمكن الطرفين من التوصل الى صيغة متفق عليها.
وحسب ما هو معروف فقد اقترحت سلطنة عمان ان تبلغ السفن المغادرة أو القادمة عبر المياه الإيرانية عن مكانها، وأن تنسق مع ايران، في حين ان السفن الأخرى يمكنها استخدام المسار الجنوبي البديل، بدون المخاطرة بضربها. ولكن هذا التنظيم يقوض طموح ايران في السيطرة الكاملة على كل حركة الملاحة في المضيق، وفي هذه المرحلة تم رفض هذا الاقتراح من قبلها. بعد فترة قصيرة من عودة عراقجي من عُمان، أوضحت ايران موقفها عندما قامت بمهاجمة بالصواريخ اهداف أمريكية في الأراضي العُمانية، وبعد ذلك أيضا هاجمت سفن كانت تبحر قربها.
لكن الامر لا يقتصر فقط على التقسيم الإداري أو التقني لادارة الملاحة في الخليج. فالسيطرة على مضيق هرمز أصبحت محور الصراع كله، ليس فقط كممر ملاحة حيوي وشريان طاقة عالمي، بل كاختبار للقوة السياسية. بالنسبة لإيران يكمن التحدي في كيفية ترسيخ الإنجازات التي تمثلها مذكرة التفاهم على ارض الواقع، وتاكيدها على الاعتراف الإقليمي والدولي.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فان الصراع يدور حول منع سابقة الاستسلام لنظام بحري تفرضه طهران، وهو ما قد يلحق بها هزيمة سياسية مدوية. السؤال المحوري الان ليس اذا كانت واشنطن وطهران ما زالتا قادرتين على العودة الى المفاوضات، بل اذا كان هناك مجال بينهما لاتفاق محدود يفصل بين الصراع على المكانة وبين التدهور الى حرب شاملة.
ظاهريا، ما زالت للطرفين، الأمريكي والإيراني، أسباب للتريث، لكن عندما يتحول منطق الحرب الذي كان يقوم على الرغبة في احباط المشروع النووي وكبح التهديد العسكري الإيراني من خلال الرغبة العبثية في اسقاط النظام، الى صراع على السيطرة والسيادة والاهانة، فان أي حل وسط يبدو للطرفين بمثابة هزيمة.
——————————————
إسرائيل اليوم 16/7/2026
الشاباك لم يعد يتبنى “حفظ السلطة الفلسطينية”
بقلم: أرئيل كهانا
بعد نحو عشرة أشهر من تسلم دافيد زيني منصبه كرئيس الشاباك، أحيا الجهاز في الأسابيع الأخيرة الفترة الأكثر نجاحا له منذ سنوات طويلة.
فعدد العمليات المضادة هبط، شخص واحد قتل في هجوم إرهابي، وليس أكثر. اكثر من 200 مخرب قتلوا في غزة، منهم 110 على ايدي مديرية “نيلي” (وحدة الشاباك الخاصة). مكافحة الإرهاب اليهودي في المناطق اتسعت أربعة اضعاف لدرجة 70 عملية في هذه الفترة، بدلا من 15 في الماضي. ويتواصل منع محاولات ايران التسلل الى إسرائيل .
لكن ليس كل شيء ناجحا. فقد كلف رئيس الوزراء الشاباك بالمساعدة لمكافحة الجريمة المعربدة. اما في الجهاز فيوجهون اصبع اتهام للمستشارة القانونية للحكومة كمن تراكم المصاعب. توجد أيضا إصلاحات تنظيمية داخلية بخاصة تجاه أجهزة البحث والتحليل التي بعد نحو ثلاث سنوات من المذبحة لم تعدل فيها المفاهيم.
وبالمقابل فان من يغرسون داخل الجهاز نهجا آخر تماما هما زيني ونائبه ن. فبدلا من الأوهام عن اتفاق سلام يوجد خلف الزاوية، فان السيناريو موضع الاهتمام المركزي للشاباك هو احداث العام 1929.
بمعنى انه في 7 أكتوبر نزعت الأقنعة. يوجد في المحيط أعداء يريدون قتلنا وبعضهم كما يذكر لم يتحفظوا حتى من ذبح اليهود. واذا لم يكن هذا هو الوضع في هذه الحالة وهم بالفعل يتطلعون الى السلام فان واجب الاثبات ملقى عليهم وليس علينا.
الالتزام بالاتفاقات
مصر، الأردن والسلطة الفلسطينية يتوجب عليهم قبل كل شيء ان يعودوا لان ينفذوا بدقة الاتفاقات التي وقعوها مع إسرائيل. بعد ذلك سيكون ممكنا الحديث عن اتفاقات أخرى.
السلطة الفلسطينية وكبار مسؤولوها لم يشجبوا المذبحة. الشاباك كتحصيل حاصل هجر سياسة الدفاع عنها، التي كانت متبعة منذ اتفاقات أوسلو. في الماضي ادعى بان حفظ السلطة الفلسطينية حيوي لامن إسرائيل.
وعليه فقد كان الطلب من المستوى السياسي اتخاذ كل عمل لاجل منع انهيار اقتصادي فلسطيني. اما اليوم فيردون في الشاباك بهزة كتف لا ابالية على التقارير الدورية حول ازمة اقتصادية في رام الله.
ليس “استخبارات مضادة” بعد اليوم
تعليل آخر على السياسة، جوهري أكثر، هو الفهم بانه لا يمكن الاعتماد على “استخبارات مضادة”، بمعنى ان الشاباك كان اعمى لاستعدادات حماس للمذبحة لانه لم يكن متواجدا في داخل الميدان.
اليوم، في تحول من 180 درجة، رجالاه يتواجدون داخل المنطقة في غزة، في سوريا، في لبنان وبالطبع في يهودا والسامرة.
الفشل الذريع في فرحة التوراة 2023 أحد لا يضعه جانبا. العكس تماما، الكارثة الرهيبة إياها تبعث هنا لدى الرجال على دافع دائم لمراجعة انفسهم ولفحص أي يمكن التحسن.
“طوبى لمن يخاف دوما”، هو المبدأ لموجه. بمعنى، الحذر، المراجعة الذاتية والمحاولة الدائمة للبحث عن الأخطاء والتحسن.
——————————————
يديعوت احرونوت 16/7/2026
الأردنيون ينتظرون التغيير
بقلم: سمدار بيري
أعلن متحدث عسكري أردني أمس اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية إيرانية. وقبل يومين، تم اعتراض أربعة صواريخ، وكذلك يوم الاثنين. أما يوم الأحد من هذا الأسبوع، فقد تم اعتراض ثلاثة صواريخ فقط. وفي يوم الخميس الماضي، تم اعتراض عدد أكبر من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. ومنذ 28 فبراير، بالتزامن مع تصعيد الهجمات الأمريكية على إيران، اعترضت الدفاعات الجوية الأردنية 261 صاروخاً. وأصيب 30 شخصاً ونُقلوا إلى المستشفيات.
وفي ذروة الجولة الحالية من الهجمات الصاروخية الإيرانية، زار نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (المعروف بمواقفه المتشددة تجاه إسرائيل) مكتب نظيره الأمريكي ماركو روبيو. وتتميز العلاقات بين واشنطن وعمّان بالجودة، وجاء الصفدي ليُعرب عن استيائه من الهجوم الصاروخي، في حين أن الأردن يتحفظ على تسمية الدولة المهاجمة. ويقول معلق أردني بارز: “يبدو لي أننا لا نريد تصعيد الموقف مع إيران”. من جهة، تُعدّ هوية المهاجم سرًا معروفًا، ومن جهة أخرى، يدّعي الإيرانيون أنهم “فقط” يهاجمون قواعد القوات الجوية في الأردن، والتي وُضعت تحت تصرّف الأمريكيين.
هاجم الإيرانيون قاعدة موفق السلطي (المسماة على اسم طيار أردني قُتل في معركة جوية مع طيارين إسرائيليين في السموع، جنوب جبال الخليل) وقاعدة الأمير الحسن، القريبة من الحدود الشرقية. ويصرّ الأردن على الادعاء بأنه “لا توجد لدينا قواعد أمريكية” وأنه يُضع قواعده تحت تصرف المناورات العسكرية للقوات الجوية “للدول الصديقة”.
يلتزم الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، الصمت. ويُلزم الإعلام المنضبط بنشر بيانات المتحدثين العسكريين فقط و”التصرف بمسؤولية”. ويحذر المعلقون من أن “العربدات الإيرانية” قد تُضاعف عدد الصواريخ، وتُلحق أضرارًا بالمصانع، وتُشلّ التجارة. ويُشير مسؤول رفيع في إحدى الوزارات الحكومية إلى أن إيران لا تسعى للاقتراّب من الأراضي الإسرائيلية وإنهم يُفرغون غضبهم على الأمريكيين، على أرضنا.
في غضون ذلك، يُبدي الأردن مرونةً في قضايا التعاون الأمني مع إسرائيل. فقد اجتمع ضباط الجيش من هنا وهناك مجددًا، والملك في الصورةٌ أيضًا. ورغم وضوح التحفظات الدبلوماسية وإغلاق السفارة الإسرائيلية، إلا أن المصالح الأمنية لها تأثيرٌ كبير. كما يُقلق إسرائيل أيضًا التهديد الصاروخي والطائرات المسيّرة الإيرانية.
ورغم المأزق الأردني، لا توجد فرصة لتحسين العلاقات في أي وقت قريب. في الأردن، يترقبون الانتخابات، ويراقبون استطلاعات الرأي، ويُحللون المرشحين الأبرز. ولا يُخفي الأردن الرسمي، بل والشعب أكثر، تحفظاتهم تجاه رئيس الوزراء نتنياهو وحكومته. ولا يُجيب الملك عبد الله على اتصالات نتنياهو. كما لا يوجد حوار مع إيران، منذ أن خُفِّضَت رتبة السفارتين في طهران وعمّان قبل عقدٍ من الزمن. وسيُذكر الملك عبد الله بأنه صاحب عبارة “خطر الهلال الشيعي”.
أما العلاقات بين عمّان والحكومة الإسرائيلية الحالية فقد تدهورت. حتى لو ضاعفت إسرائيل كمية مياه الشرب، فلن يرضى القصر. لقد أُهدرت فرصة تحسين العلاقات. في عمّان، ينتظرون ليروا ما إذا كان سيحدث تغيير في القدس. تغيير قد يؤدي – شريطة إيلاء اهتمام خاص – إلى عودة الأمور إلى سابق عهدها مع “شقيقتنا الصغرى”. الأردنيون، بلا استثناء، لا يحاولون اخفاء انهم لا يريدون نتنياهو.
——————————————
هآرتس 16/7/2026
في بنت جبيل الضمادة المسيحانية لوثت بزات الجنود بأمراض لن يفروا منها
بقلم: ينيف كوفوفيش
في نهاية التسعينيات كان الأطفال في ملعب بنت جبيل لكرة القدم يلعبون بكرة بالية على جدران مثقوبة بسبب الحرب، ويحلمون بعشب اخضر مثل عشب بيروت. بعد بضع سنوات، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي بفترة قصيرة، اصبح الملعب بمثابة رمز. على منصة مؤقتة عند خط المنتصف وقف حسن نصر الله والقى خطابه الشهير “شبكة العنكبوت”، الذي شبه فيه المجتمع الإسرائيلي بشبكة العنكبوت الضعيفة، وحول بذلك ملعب بنت جبيل لكرة القدم، المتواضع، الى رمز للمقاومة.
امس عندما توقفت قافلة المراسلين العسكريين عند هذا الملعب، لم يكن هناك أي اثر للعشب أو شبكة العنكبوت. احتلت الفرقة 98 المكان وتم تفكيك المدرج وتدمير هيكل المبنى، ولم تترك آثار القنابل أي اثر للمكان الذي كان يتم الاحتفال فيه بالاهداف. حاول الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية تحويل رمز المقاومة الى رمز نصر درامي، واغلاق الدائرة بالتدريج. ولكن عند النظر الى ما وراء اسوار الملعب المحترق، البلدة، تعرف ان بنت جبيل ليست الا حلقة أخرى في سلسلة الدمار في جنوب لبنان، واحدة من 35 قرية تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي التي تقرر هدمها. قال قائد رافقنا الى البلدة، الموجودة في وادي محاط بالجبال، خلافا لمناطق أخرى في المنطقة، لا يوجد أي مبرر عملي للاحتفاظ بها.
رافق قادة ومقاتلون من الفرقة 91 جولة ميدانية، وعرض كبار الضباط مفهوم الدفاع المتحرك الجديد. من المفروض ان يحل هذا النظام محل مفهوم الدفاع الثابت الذي تم تطبيقه في 7 أكتوبر بواسطة إقامة 18 موقع متقدم جديد داخل أراضي لبنان. كان للصحافيين الكثير من الأسئلة، لكن لم تكن لجميعها إجابة شافية. وعندما سئل ضابط كبير عن القانون، الذي صادقت عليه الكنيست في اليوم السابق والذي من المفروض ان يمنع اعتقال المتهربين من الخدمة العسكرية، كان يقف خلفه مقاتلون في الاحتياط وهم متعبون. لقد توقفوا بالفعل عن إحصاء أيام خدمة الاحتياط لهم في السنوات الثلاثة الأخيرة، ولم يرغبوا في التفكير في عدد الأيام التي سيقضونها في المنطقة الأمنية الجديدة التي يتم انشاءها هنا. عند طرح السؤال التزم كبار القادة الصمت وامتنعوا عن الإجابة وقالوا ان هذه “مسالة سياسية.
وفجأة اقترب جندي احتياط مخضرم من المراسلين بغضب وقال بحدة: “لقد قمتم باهانتي”. وعندما سالته عن السبب قال: “أنا هنا منذ 900 يوم، وسابقى هنا 900 يوم آخر حتى يتمكن طلاب المعاهد الدينية من مواصلة تعلمهم”. لم يكن مستعد للاستماع الى أي تفسير أو ادراك ان الكثير من جنود الاحتياط ينهارون تحت الضغط. وقد صرخ في وجه مراسل القناة 12 الإخبارية وقال: “أنا اعتذر للقوة 100!”، بعد ذلك رفض التحدث مع القناة 13، وقال بانه لا يرغب الا في اجراء مقابلة مع القناة 14.
كان من السهل التركيز على وجه الجندي الغاضب وكلماته القاسية. لكن ما كان موجود على زيه العسكري أشار اكثر من أي شيء آخر الى حالة الجيش الإسرائيلي. ففي حضور كبار الضباط كانت خوذة الجندي مزينة بشعار المسيح ورقعة المعبد. وعندما سئل الضابط الكبير عن سبب السماح بذلك خلافا لتعليمات رئيس الأركان ايال زمير، هز رأسه وابتسم وغمز غمزة صغيرة محرجة وقال: “أنت على حق، لكن نحن لا يمكننا التعامل مع جنود الاحتياط”.
كانت هذه الغمزة كافية للتعبير عن كل شيء. فقد عبرت عن فقدان الانضباط، وفشل قيادة رئيس الأركان في اجتياز حدود الجدار والدخول الى منطقة القتال. يختار الجنود في الميدان تجاهل أوامره ويتجاهل القادة الامر، للحفاظ على السلام المصطنع.
جنديان آخران في الاحتياط كانا يقفان جانبا شعرا بالاحراج من المحادثة. وبعد ان تفرق المراسلون قليلا اقتربا بهدوء، بعيدا عن انظار القادة، وارادا ان يشكراه على طرح هذا الموضوع. واكد احدهما وقال: “انه لا يمثلنا حقا. هو يتحدث من منطلق موقفه السياسي، لا يهتم لانهيار أصدقائه أو تفكك عائلاتهم أو اغلاق اعمالنا. رجاء، استمر في إيصال صوتنا”.
الجندي الثاني، وهو طالب شاب، وافق على كلامه. واعترف وقال: “يأتي الناس الى الاحتياط لانهم مضطرون. ولكن من يقول انه لا يوجد ثمن للخدمة في الاحتياط، يكذب”. “عندما اتأخر عن التعليم بعد مهمة في لبنان لا يظهر احد في الكلية أي تسامح معي. لقد استدعاني استاذي بالفعل للتحدث معي وقال لي بانه غير مستعد لقبول أي غياب أو أي تأخير آخر. الشخص الذي صرخ هناك هو متطوع كبير في السن وليس لديه ما يخسره. لا تعتقدوا انه واجهة قوات الاحتياط، لانه بعيد جدا عن ذلك”.
سندريلا محلية
جنوب لبنان مهجور. لمنع أي احتمالية لالحاق الضرر بالقوات، يعتبر أي شخص يوجد في منطقة محددة إرهابي. الاستثناء الوحيد هو القرى المسيحية. من بعيد تظهر مثل جزر خضراء وادعة لم تمسها يد الانسان، جيب انساني يضم حوالي 20 ألف نسمة، وقد وفر الجيش الإسرائيلي حماية معقدة له. يتفاخر الجيش بالحماية التي يوفها للمسيحيين، لكنه يسارع الى توضيح انه يراقب الوضع عن كثب هناك لمنع حزب الله من استغلال هذا الملاذ.
اثناء الجولة شرح الضابط، بدوء يكاد يكون رياضي، برنامج “الطبق الفضي” الذي ينفذه الجيش الإسرائيلي في قرى جنوب لبنان. هدف البرنامج بسيط: تدمير حوالي 70 في المئة من المباني الموجودة في المنطقة بعد تصنيفها بانها “بنى تحتية إرهابية”. يوجد اكثر من 30 معيار لتحديد ما يعتبر بنى تحتية إرهابية، من بينها المباني السكنية الموجودة قرب أماكن تم رصد وجود إرهابيين فيها. يتم اجبار المقاتلين على الوقوف فيها مكشوفين لساعات، وهم يقومون بحماية الجرافات التي تهدم البيوت واحد تلو الاخر، بمجرد تحقيق حصص “تدمير البنى التحتية”.
عندما غادرت الجولة بنت جبيل كان يمكن رؤية مرتفعات سلفستر، التي وصفها الجيش بأنها “استراتيجية”، وتسيطر عليها دبابات اللواء 301. واستمرت الآليات الهندسية في الحفر في أراضي لبنان، واقامة جدار آخر ووضع المكعبات الاسمنتية للموقع التالي للقطاع الأمني القديم – الجديد الذي يغرق الجيش في داخله. على الورق حقق الجيش الإسرائيلي “صورة نصر” مؤقتة هنا. فقد تم تدمير ملعب “خطاب شبكة العنكبوت”، وتراجع حزب الله. لكن من الملعب المدمر في بنت جبيل بالتحديد انبثقت قصة نجاح باهرة للرياضة اللبنانية في السنوات الأخيرة. تاسس نادي كرة القدم في المدينة في العام 1963، وعانى لعقود من التذبذب في الدرجة الدنيا وسط صعوبات اقتصادية وحروب أهلية. حتى كاد ان يقضى عليه تماما مع تصاعد الاحداث في 2024. ولانقاذ النادي قاد المدرب حسين صوفان خطوة غير مالوفة: انتقل الفريق من نادي بنت جبيل المنهار وتبنته عائلة ثرية في مدينة جواية ومولته. وقد غير النادي اسمه من بنت جبيل الى جواية، ولعب في ملاعب بديلة.
أما في إسرائيل فان المشكلة الحقيقية لا تكمن في بنت جبيل، بل داخل الجيش، في الانضباط الذي ينهار امام النزعة الشمولية، وفي القادة الذين يتغاضون عن أوامر رئيس الأركان بدلا من تنفيذها، وفي قوات الاحتياط التي تتآكل كفاءتها بالتدريج بسبب العبء غير المتكافيء، في حين تعطي الحكومة استثناءات سياسية للمتهربين من الخدمة.
——————————————
هآرتس 16/7/2026
مع وجود أصدقاء مثل لندسي غراهام فان إسرائيل لا تحتاج الى اعداء
بقلم: جدعون ليفي
وصف السناتور لنتسي غراهام في إسرائيل بعد موته بانه “اعظم صديق لإسرائيل”. وللحظة اصبح الميت بطل في نظر الإسرائيليين، الذين تضاءل عدد أصدقاء دولتهم الى الصفر تقريبا. قبل يومين عندما التقى المنتخب الاسباني والمنتخب الفرنسي في نصف نهائي كاس العالم، حول الكثير من الإسرائيليين تعاطفهم للمنتخب الذي يعتبر الأقل كراهية لإسرائيل من بين المنتخبين.
إسرائيل تحب من تعتبرهم أصدقاء وتكره من تعتبرهم أعداء، لكن تعريفاتها خاطئة، بل ومغلوطة. فاصدقاء إسرائيل ليسوا في العادة هم الأفضل، ومن ينتقدونها ليسوا الأسوأ. بل على الاغلب يكون العكس هو الصحيح.
السناتور غراهام مثلا، منذ بداية مسيرته يدعم تقديم المساعدات غير المشروعة وغير المقيدة لإسرائيل. ويصعب تحديد مصدر هذا الدعم الاعمى، سواء اثناء دراسته للقانون في جامعة جاوث كارولينا في سبعينيات القرن الماضي أو اثناء خدمته العسكرية في سلاح الجو الأمريكي في ثمانينيات القرن الماضي أو في سنواته الأولى في الكونغرس في تسعينيات القرن الماضي. وبصفته صقر حرب متطرف، كانت إسرائيل تتفق مع رؤيته للعالم. كانت إسرائيل في حينه في حالة افضل.
لقد تغيرت إسرائيل منذ ذلك الحين، لكن صداقة غراهام لها لم تتغير. فقد تشبث بها بشكل اعمى. ان الشخص الذي اقترح في أيار 2024، حتى لو ضمنيا، القاء قنبلة ذرية على قطاع غزة، والذي اقترح دعم جنون إسرائيل بشكل اعمى، اصبح محرض صريح على ارتكاب جرائم الحرب.
عندما يدعو سناتور مخضرم دولة أخرى لارتكاب جرائم ضد الإنسانية فان هذا لا يعتبر صداقة، بل تورط في جريمة. اذا كان يمكن فهم تعاطفه في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي مع إسرائيل السابقة، فانه من المستحيل تقبل اعجابه بها لاحقا. مع ذلك، صرح الصحافي براك ربيد في هذا الأسبوع وعيونه تدمع بانه كان يتحدث معه في الهاتف كل يوم تقريبا في السنتين الأخيرتين – مشكوك فيه وجود صحافي آخر تحدث معه غراهام بهذا القدر – وان السناتور لم يكن يحب إسرائيل فقط، بل كان يحب الهوية الإسرائيلية.
أي نوع من الهوية الإسرائيلية احبه السناتور؟ قال ربيد انه احب حس الدعابة والطبيعة العفوية للاسرائيليين، وانه شعر براحة كبيرة خلال زياراته الكثيرة هنا. وهذا امر جيد ومشجع. وماذا عن الهوية الإسرائيلية التي تدعم الإبادة الجماعية في قطاع غزة بشكل شبه كامل؟ والتي تؤمن من اعماقها بالسيادة اليهودية بين البحر والنهر؟، هل لا يهتمون أبدا بما يرتكب باسمهم كل يوم، على بعد نصف ساعة بالسيارة من مدنهم وبيوتهم؟.
يتجاهل غراهام وامثاله هذه الهوية الإسرائيلية، التي أصبحت في السنوات الأخيرة تعرف إسرائيل اكثر من أي حس دعابة أو عفوية. أو انه كان يحبها أيضا؟ هل ربما كانت هذه الهوية الإسرائيلية الوحشية بالتحديد هي التي جعلته يشعر بالراحة في إسرائيل؟.
يجب ترك الخيارات السياسية والأخلاقية لآخر أصدقاء إسرائيل. أما نحن فقد تم تركنا مع خياراتنا المشوهة، وهي خيارات لا تطاق. في السنوات الأخيرة اصبح كل من نعتبره صديق، عنصري أو اصولي أو شعبوي ومعادي للديمقراطية أو يكره المسلمين، بل بعضهم قد يكون لاسامي، بدءا باوربان وبولسونارو وانتهاء بويلدس ولوبين – قل لي من هم اصدقاؤنا.
بدلا من تعظيم هؤلاء الأشخاص البغيضين يجب على المرء على الأقل ان يسعى الى كسب أصدقاء آخرين. الحلم مثلا بان يكون زهران ميمداني صديق لإسرائيل. فهو شخص له قيم واخلاق، وكان يمكنه ان يحب إسرائيل بشكل مختلف. هو مستقبلنا، وغراهام هو الماضي. ان يعود روجر ووترز الى حب إسرائيل، وبيرني ساندرز وجيرمي كوربين. لم يولد أي واحد منهم وهو معادي للسامية أو كاره لإسرائيل. وجميعهم سيدعمون إسرائيل مختلفة، هذا اذا وجدت. لم يكن السناتور غراهام صديقا حقيقيا لإسرائيل، بل كان صديقا لمجرمة حرب.
——————————————
معاريف 16/7/2026
مشكلة ترامب مع نتنياهو
بقلم: افي اشكنازي
يتوجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الى الولايات المتحدة في منتهى السبت، حيث سيشارك في تشييع جنازة عضو الكونغرس ليندزي غراهم الذي توفي على نحو مفاجيء.
في اثناء وجوده هناك يسعى نتنياهو لان يلتقي الرئيس ترامب، فيما أنه توجد على جدول الاعمال سلسلة طويلة جدا من المواضيع التي يحاول أن يدفعها قدما مع البيت الأبيض بما في ذلك الازمة مع ايران، الازمة مع تركيا ومسألة غزة.
صحيح حتى يوم أمس يدير البيت الأبيض ظهرا باردة للقدس، ورسميا يواصل الادعاء بانه لم يتقرر لقاء بين الزعيمين.
مثلما يبدو هذا حاليا، يفهم ترامب بان له مشكلة مع نتنياهو. لقاء معه يمكن أن يفسر كتدخل في الانتخابات في إسرائيل. فقد حاول الرئيس الأمريكي في الماضي التدخل وطلب العفو لنتنياهو، وتلقى النقد، بما في ذلك من الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ، الذي اثبت بانه لا يرى ترامب من مسافة متر، على الأقل في هذا الموضوع.
ترامب يرى الاستطلاعات، ويفهم بانه بعد ثلاثة أو أربعة اشهر ليس مؤكدا أن يكون نتنياهو هو الرجل الذي سيكون مطالبا بان يتعامل معه في شؤون إسرائيل.
ترامب يفهم شيئا آخر: “سياسة اللا” الإسرائيلية في كل ما يتعلق بخطوات سياسية تسد الطريق امام خططه الكبرى للمنطقة: من اعمار غزة، توسيع اتفاقات إبراهيم، تمديد انابيب الغاز والنفط من الخليج الى مخرج للبحر المتوسط عبر إسرائيل وحتى محاولة تحريك خطوة مع السلطة الفلسطينية.
في الأيام الأخيرة عاد ترامب وشدد على انه يطالب إسرائيل بان تبدأ بالانسحاب من لبنان ومن سوريا. وهو يشعر بالضغط في الموضوع من جانب تركيا، قطر ودول أخرى.
أمس أجرى الجيش الإسرائيلي جولة لمراسلين عسكريين في جنوب لبنان في منطقة بنت جبيل، احدى رموز قوة حزب الله في العقود الثلاثة الأخيرة. معقول الافتراض بان ترامب بحاجة ماسة في هذه اللحظة لخطوة سلام في المنطقة. انسحاب جزئي لإسرائيل من لبنان او من سوريا يمكنه أن يرضيه، لكن المشكلة هي ان هذا لا يتطابق والاحتياجات الأمنية لإسرائيل في هذه اللحظة للجبهتين.
في لبنان، إسرائيل توجد على مناطق دفاعية في عمق عشرة كيلومترات عن الحدود، مسافة كافية عن رشقات صواريخ مضادات الدروع وكذا معظم الحوامات المتفجرة.
في محور الشاطيء يوجد الجيش الإسرائيلي في بلدات بنت جبيل وراس البيضة – مسافة لمسة عن صور وصيدا. الجيش الإسرائيلي يبني منذ الان خططا لسيناريوهات مختلفة، حتى لو تطلب الامر منه أن يعمل هو نفسه على نزع سلاح حزب الله.
ليس واضحا اذا كان ترامب في وضع الأمور الحالي يرى بانسجام مع نتنياهو انتشار الجيش الإسرائيلي في خط التلال في لبنان والخطط للمستقبل. في اخذ كل هذا بالاعتبار لعله من المجدي لنتنياهو ان يكتفي مكالمة هاتفية مع ترامب بدلا من الوصول حتى واشنطن.
——————————————
هآرتس 16/7/2026
حين وقع الموساد في “الشرك الأخطر”: هل يمر مقتل خامنئي بـ “سلام”؟
بقلم: أوري بار – يوسيف
يرتبط مصطلح “القط ذو الجزمة الطويلة”، أو كما وصفه عوفر شيلح بـ “بيرل وشميرل يصنعان ثورة” (“هآرتس”، 15 تموز)، يرتبط بشكل وثيق بالغزو الأمريكي لخليج الخنازير في كوبا في أيار 1961، في محاولة لإسقاط نظام فيدل كاسترو باستخدام قوة من المنفيين الكوبيين الذين دربهم الـ “سي.آي.ايه”. في التاريخ الأمريكي، تعتبر هذه العملية رمزاً لفشل ذريع، ومثل نظيرتها الإسرائيلية، التي انكشف زيفها الآن، كان يصعب في حينه إيجاد أي منطق عملي أو سياسي لهذه العملية.
في غزو خليج الخنازير، كان الثمن باهظاً: قتل وأسر 1400 من المنفيين، وإهانة غير مسبوقة للرئيس الأمريكي في حينه جون كنيدي. هذه الهزيمة حطمت صورته كرمز للديمقراطية، ورسخت صورة رئيس متهور يصعب الوثوق به. لم يعد مكانته إلا سلوكه الحازم والمسؤول خلال أزمة الصواريخ الكوبية بعد سنة ونصف. أما في حالتنا، فما زال الثمن غامضاً، لكن اغتيال الزعيم الشيعي الأعلى له تداعيات بعيدة المدى، وربما ندفع ثمنها.
لا يمكن إجراء أي مقارنة تفصيلية بين الإخفاقين حتى الآن، لكن يمكن الإشارة إلى مسائل مهمة تستنتج منها نتيجة واحدة.
المسألة الأولى تتعلق بمتخذي القرارات. ففي عملية خليج الخنازير، كانت المجموعة صغيرة، وتضم من يطلق عليهم “أفضل الأدمغة” من الأوساط الأكاديمية والصناعية والحكومية. في إسرائيل، قاد العملية رئيس الحكومة بعزيمة وتصميم، الذي يعتبره أنصاره سادس أذكى شخص في العالم. من المنطقي الافتراض أن أعضاء المجلس الوزاري الذين كانوا مطلعين على سر العملية لم يكونوا ضمن قائمة أذكى الأدمغة في إدارة جون كنيدي، لكن المهنيين الذين شاركوا في النقاشات كانوا على الأغلب على قدر كاف من الذكاء لفهم الأخطار وفرص النجاح. في الحالتين، لم يكن هذا قراراً اتخذه أشخاص أغبياء.
المسالة الثانية، الأكثر إثارة للاهتمام، هي: كيف اتخذ مثل هذا القرار الغبي؟ ومثلما قال كنيدي بكلماته التي لا تنسى بعد الفشل: “كيف يمكن أن أكون بهذا الغباء؟”. في حالة أمريكا، توجد تفسيرات رئيسية، أولها ما قدمه ارفينغ جينسفي كتابه “التفكير معا”. وبحسبه، فإن رغبة المجموعة الصغيرة المحيطة بكنيدي في تعزيز تماسكها وتخفيف الضغط عليها عند مواجهة قرار مصيري، دفعتهم بلا وعي إلى كبت الشكوك، وتجنب الإشارة إلى علامات الاستفهام، وتجاهل المعلومات التي تشير إلى أن فرصة نجاح العملية ضئيلة جدا.
على سبيل المثال، كان من المفروض وفقاً للخطة، أن تتجه قوة الغزو في حالة الفشل إلى الجبال، وتصبح هناك قوة حرب عصابات. ولكن بالنظر إلى الخارطة، يتبين أن المنطقة الواقعة بين شاطئ الغزو والجبال كانت منطقة مستنقعات ولا مكان فيها للاختباء، ما منع تحقيق ذلك. لقد تجاهل أفضل وألمع رجال كنيدي هذا الأمر.
وثمة تفسير ثان، هو أن الـ سي.آي.ايه، برغبة منها في إثبات قدرتها للإدارة الجديدة، اختارت إخفاء عيوب العملية، على فرض أن الرئيس في حالة فشل الغزو سيعطي الضوء الأخضر للتدخل العسكري المباشر الذي سيحسم النتيجة. وبالتالي، سواء من خلال العملية التي تم التخطيط لها أو من خلال التدخل المباشر، سيكون ممكناً التخلص من مثير المشكلات الذي يسمى فيدل كاسترو. وبالنظر إلى الماضي، اعترفوا أنهم لم يأخذوا بجدية معارضة كنيدي التي أظهرها أثناء النقاشات بشأن مشاركة القوات العسكرية الأمريكية في العملية.
التفسير لا يقل غرابة في حالتنا أيضاً، ولا يحتاج المرء إلى أن يكون عالم نفس ليفهم دافع نتنياهو لتنفيذ العملية، رغم كل التحفظات عليها. يصعب فهم شخص محترف مثل دادي برنياع، لكن يبدو أنه سقط في شرك خطير، يواجهه من يعملون في مجال المخابرات، وهو إغراء تزويد متخذ القرار بالمعلومات التي يرغب في سماعها لإرضاء رغبته.
السؤال الأكثر إثارة للاهتمام يتعلق بالشركاء في عملية اتخاذ القرارات، الذين فهموا ضآلة فرصة نجاح العملية. حسب معرفتنا، قام كبار المسؤولين في الاستخبارات بواجبهم هذه المرة، لكن آخرين، بطريقة ما، فضلوا عدم الإدلاء برأيهم، أبرزهم الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي تساحي هنغبي، الذي تتمثل مهمته في تزويد رئيس الحكومة بتقييمات الوضع، وبدائل سياسية، وتوصيات بشأن الأمن القومي والسياسة الخارجية والقضايا الاستراتيجية. لقد اعتبر هنغبي العملية خيالاً علمياً، لذلك توقف عن المشاركة في النقاشات. بكلمات أخرى، خان منصبه عن قصد. وهنا يجب التذكير بما توصلت إليه لجنة كوهين في 1983 بشأن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية يهوشع ساغي، الذي صمت أيضاً عشية المذبحة في مخيمي صبرا وشاتيلا. لقد أوصت اللجنة بإقالته من منصبه.
الخلاصة المؤسفة، أن دروس 7 أكتوبر لم يتم تعلمها، وأن خيبة الأمل التي سادت بين جميع المشاركين في التخطيط للعملية، الذين عرفوا أنه محكوم عليها بالفشل واختاروا الصمت، دليل واضح على أن أصحاب المناصب الرفيعة ما زالوا يخشون التمسك بمواقفهم. ونأمل أن تولي الحكومة القادمة اهتماماً بتحسين آلية صنع القرار. لسنا بحاجة إلى من يثيرون الجدل في هذا الشأن، يكفينا الأشخاص الأذكياء والنزيهون.
——————————————
هآرتس 16/7/2026
“من بعدي الطوفان”.. حين يتخذ نتنياهو من الدولة والحريديم دمية وخيوطاً يحركهما كيف يشاء
بقلم: أسرة التحرير
أصدرت محكمة العدل العليا أمس أمراً احترازياً يجمد دخول قانون منع اعتقال الفارين الحريديم حيز التنفيذ ويأمر الحكومة بتعليل عدم إلغائه. كل هذا بتلميح أن في نية الهيئة الموسعة التي ستبحث بإلغاء القانون لكونه فئوياً وتمييزياً.
يبدو القرار كضربة للحكومة من جانب جهاز القضاء، لكن نتنياهو تنفس الصعداء لقراءة أقوال القاضي عوفر غروسكوف، الذي أصدر الأمر. هو نفسه تغيب عن التصويت أمام الكاميرات وعلى خلفية هتافات أعضاء المعارضة.
كان رئيس الوزراء يعرف أن القانون سيجاز في الكنيست، كما عرف بأن محكمة العدل العليا ستجمد دخوله إلى حيز التنفيذ، لكن من ناحيته هدفه الحقيقي فقد تحقق.
الهدف هو تهييج فئات سكانية في المجتمع الإسرائيلي الواحدة ضد الأخرى، ودق إسفين داخل الائتلاف بين “الصهيونية الدينية”، التي تتباهى بعدد المتجندين من أوساطنا ومن الحريديم المتملصين من الخدمة؛ دق إسفين بين الحريديم أنفسهم، “يهدوت هتوراة” و”شاس”، وفرصة أخرى لمناكفة المحكمة العليا. وكل هذا، فيما هو نفسه خارج القصة. بشكل لفظي ورمزي، خرج نتنياهو من الحدث. لكن لا ينبغي الوقوع في الخطأ: هو الرأس، حتى لو فصل الجسد عنه. نتنياهو هو الذي سمح للحريديم بمطالبة المزيد فالمزيد، لدرجة أن وافق على قانون تعارضه أغلبية مصوتي الائتلاف. هو الذي يتجاهل صرخة الجيش – التي يعليها رئيس الأركان إيال زامير في كل مناسبة – بشأن حدة نقص القوى البشرية، مثلما تجاهل تحذير الجيش قبل 7 أكتوبر.
نتنياهو، رأس كلي القدرة لحكومة أبطلت الكنيست، ما يجعله فعلياً المشرع شبه الحصري، لا يفكر إلا بإرثه، وليس في مستقبل دولة إسرائيل. وشأنه “أنا ومن بعدي الطوفان. المهم أن يتمكن من الادعاء بأن يده لم تكن بالفعل. حتى لو شطبت محكمة العدل العليا القانون في النهاية، أو ألغته الكنيست التالية، فمن شأن مصوتي الائتلاف أن يحاسبوا منتخبيهم على بيعهم بشروى نقير حلال تماماً، فيما سيقول هو إنه لم يصوت بجانب القانون.
لكن ذاكرة الجمهور أطول مما يعتقد نتنياهو. وعلى أي حال، كل شيء موثق ومحفوظ. ومثلما لا يمكنه إعادة كتابة التاريخ في موضوع تأييده لخطة فك الارتباط، ولا يمكنه محو ابتسامته وابتسامة شركائه في يوم التصويت في حزيران 2024 حين أجاز الائتلاف في أثناء الحرب في قطاع غزة حكم التواصل على قانون الإعفاء من الحريديم من التجنيد.
نتنياهو يهدم، يتجاهل ويحاول الهروب، ولكن بطل الألاعيب والحيل فقد لمسة الشاعر. نأمل أن في الانتخابات القادمة لن يغفر الجمهور مثل هذه البصقة في وجهه.
—————-انتهت النشرة—————–

