المسار : تواصل إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي تصعيد إجراءاتها العقابية بحق الأسيرات الفلسطينيات في سجن “الدامون”، وسط اتهامات حقوقية باتباع سياسة عزل متكرر تستهدف إنهاكهن نفسيًا وكسر إرادتهن.
وفي الوقت الذي كشف فيه مكتب إعلام الأسرى عن تعمد إدارة السجن عزل ثلاث إلى أربع أسيرات بالتناوب، وبشكل شبه أسبوعي، تؤكد شهادات أسيرات محررات أن العزل لم يعد مجرد إجراء تأديبي، بل تحول إلى سياسة ممنهجة ترافقها اقتحامات متكررة، وتفتيشات مهينة، وتضييق مستمر، وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، في مشهد يعكس تصاعد الانتهاكات بحق الأسيرات داخل السجون الإسرائيلية.
وقالت الأسيرة المحررة إسراء خمايسة إن سياسة العزل التي تنتهجها إدارة سجن “الدامون” لا تقتصر على احتجاز الأسيرات في زنازين انفرادية، بل تمتد إلى عزل نفسي واجتماعي ممنهج يهدف إلى إنهاكهن وكسر معنوياتهن.
وأضافت، في حديثها في لقاء صحفي ، أن الأسيرات يعشن حالة دائمة من القلق والترقب نتيجة التنقلات المتكررة والإجراءات العقابية، في ظل حرمانهن من الاستقرار والتواصل، الأمر الذي يفاقم معاناتهن النفسية ويترك آثارًا عميقة على حياتهن داخل الأسر.
وأوضحت أن إدارة السجن تستخدم سلسلة من الإجراءات العقابية المتواصلة، تشمل الاقتحامات، والتفتيشات المهينة، والتضييق على الأسيرات، إلى جانب حرمانهن من أبسط مقومات الحياة، ما يجعل العزل جزءًا من سياسة أشمل تستهدف استنزافهن نفسيًا وجسديًا.
وأكدت أن رسالة الأسيرات إلى العالم اليوم هي: “أنقذونا قبل أن تفقدونا”، في ظل ما يواجهنه من ظروف وصفتها بأنها من الأقسى منذ سنوات.
وأشارت خمايسة إلى أن آثار هذه السياسة تطال جميع الأسيرات، ولا سيما القاصرات، والحوامل، والمريضات، مستذكرة معاناة الأسيرة القاصر ندى بني عودة، التي حُرمت من التقدم لامتحانات الثانوية العامة، والأسيرة الحامل دانا جودة، التي كانت تخشى أن تضع مولودها داخل السجن، معتبرة أن هذه الحالات تجسد حجم العزلة النفسية والإنسانية التي تعيشها الأسيرات خلف القضبان.
من جانبها، قالت أسيرة محررة فضّلت عدم الكشف عن هويتها إن العزل بات أحد أكثر الأساليب قسوة التي تستخدمها إدارة سجن “الدامون” بحق الأسيرات، موضحة أن إخراج الأسيرة من بين رفيقاتها ووضعها في زنزانة انفرادية، أو عزلها عن محيطها داخل القسم، يترك آثارًا نفسية قاسية تمتد حتى بعد انتهاء فترة العزل.
وأضافت لـ”قدس برس” أن الأسيرات يعشن في حالة خوف دائم، إذ لا تعرف أي واحدة منهن متى يحين دورها للعزل أو العقوبة، ما يجعل القلق جزءًا من تفاصيل حياتهن اليومية.
وأوضحت أن الإجراءات العقابية لا تقتصر على العزل، بل تترافق غالبًا مع اقتحامات متكررة للأقسام، وتفتيشات مهينة، ومصادرة للمقتنيات الشخصية، وحرمان من بعض الاحتياجات الأساسية، إلى جانب تقليص ساعات “الفورة” والتضييق على التواصل بين الأسيرات.
وأكدت أن هذه الإجراءات تُستخدم كوسيلة للضغط النفسي أكثر من كونها تدابير تنظيمية، بهدف إنهاك الأسيرات وإضعاف صمودهن.
وأضافت أن أكثر ما يضاعف معاناة الأسيرات هو مشاهدة زميلاتهن، ولا سيما المريضات والقاصرات، يتعرضن للإجراءات ذاتها دون مراعاة لأوضاعهن الصحية أو الإنسانية، مشيرة إلى أن الأسيرات يحاولن، رغم كل الظروف، الحفاظ على تماسكهن ودعم بعضهن بعضًا لمواجهة آثار العزل والحرمان.
وختمت بالقول إن ما يجري داخل السجون يتجاوز الحرمان من الحرية إلى محاولات مستمرة لكسر إرادة الأسيرات وعزلهن نفسيًا عن العالم الخارجي.
ووفقًا لمعطيات مكتب إعلام الأسرى، يقبع حاليًا نحو 99 أسيرة فلسطينية في سجن “الدامون”، في ظل ظروف احتجاز توصف بأنها من بين الأكثر قسوة، حيث تتداخل المعاناة الإنسانية مع الانتهاكات الصحية والنفسية المتواصلة.
وتبرز داخل السجن معاناة أسيرتين حاملين هما دانا عناد جودة ومنار إبراهيم كراجة، اللتان تقضيان أشهر الحمل خلف القضبان، بعيدًا عن عائلتيهما، وسط مخاوف متزايدة على صحتهما وصحة جنينيهما، في ظل نقص الرعاية الطبية وغياب الظروف الصحية الملائمة، وفق مؤسسات الأسرى.
ولا تقتصر المعاناة على الأسيرات الحوامل، إذ يضم السجن أيضًا عددًا من الحالات المرضية الصعبة. فتعاني الأسيرة فداء عساف من سرطان الدم، فيما تكافح سهير زعاقيق مرض السرطان، بينما تواجه عبير عودة وضعًا صحيًا بالغ الخطورة بعد استئصال 25% من المريء وأجزاء من الأمعاء، إضافة إلى معاناتها من تقيؤ متكرر للدم، في وقت أظهرت فيه الفحوص الطبية الأخيرة وجود ثلاث كتل في معدتها. كما تعاني الأسيرة فاطمة يوسف من التهاب الكبد الوبائي، وسط استمرار الشكاوى من الإهمال الطبي وتأخر تقديم العلاج اللازم.
وتمتد المعاناة إلى ذوات الاحتياجات الصحية الخاصة وكبيرات السن، إذ تقبع الأسيرة فردوس طناطرة، التي تعاني إعاقة حركية، في ظروف اعتقال صعبة، إلى جانب الأسيرة المسنة سلوى غوادرة من جنين، التي تعاني أعراض مرض الزهايمر، وباتت، وفق مؤسسات الأسرى، غير قادرة على تذكر عمرها الحقيقي، بعد اعتقالها على أحد الحواجز العسكرية.
أما الطفولة، فما زالت حاضرة خلف القضبان، حيث تقبع الأسيرتان القاصرتان علا قطيشات وندى بني عودة في غرفة منفصلة، بعيدًا عن بقية الأسيرات، بعدما كان يفترض أن تقضيا سنواتهما في مقاعد الدراسة وبين أفراد أسرتيهما، لا خلف أبواب السجون. وكانت الأسيرتان سالي صدقة وهناء حماد قد نُقلتا إلى غرف أخرى بعد بلوغهما سن الثامنة عشرة داخل الأسر.
ولا تكاد الأسيرات يلتقطن أنفاسهن حتى تبدأ جولة جديدة من القمع. فقد سجل شهر نيسان/أبريل 21 عملية قمع تلاه شهر أيّار/مايو بخمس عمليات، كان أعنفها في 13 مايو، ثم أربع عمليات أخرى خلال يونيو/حزيران.
وفي الوقت ذاته، تواصل إدارة السجن سياسة العزل الانفرادي، حيث تحتجز حاليًا ثلاث أسيرات هن: شيرين حمامرة، ونداء قطامش، وآية فقها، مع تعمد تدوير العزل أسبوعيًا، في محاولة لاستنزافهن نفسيًا وكسر إرادتهن.
ويؤكد مكتب إعلام الأسرى أن ما يجري داخل سجن “الدامون” يمثل تصعيدًا خطيرًا بحق الأسيرات، في ظل تزايد الحالات المرضية، واستمرار احتجاز الحوامل والقاصرات والمسنات في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية، مطالبًا المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بالتحرك العاجل لحمايتهن، ووضع حد للانتهاكات المتواصلة بحقهن.

