دائرة العلاقات الخارجية للجبهة الديمقراطية في رسالة إلى أحزاب العالم : الضفة الغربية في مواجهة خطة ضم… الاحتلال والمستوطنون يخدمون أجندة واحدة

المسار : رسالة من إدارة العلاقات الخارجية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى الأحزاب السياسية والحركات الشعبية في جميع أنحاء العالم

الضفة الغربية في مواجهة خطة الضم: الاحتلال والمستوطنون يخدمون أجندة واحدة

سيداتي وسادتي،

إلى الأحزاب السياسية والمؤسسات والحركات والمنظمات الشعبية في جميع أنحاء العالم،

نرسل إليكم هذه الرسالة في ضوء الممارسات المستمرة للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، والتي لم تعد تقتصر على انتهاكات معزولة هنا وهناك، بل أصبحت جزءًا من أجندة واضحة تخدم هدفًا سياسيًا واحدًا: الضم.

على مدى أشهر، تشهد الضفة الغربية تصعيداً سريعاً وخطيراً في حجم وطبيعة الانتهاكات المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. وقد اتسع نطاق هذه الانتهاكات، وشمل تفاعلاً منسقاً بشكل متزايد بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الأمنية ومؤسسات الدولة من جهة، وجماعات المستوطنين من جهة أخرى. لم يعد بالإمكان اعتبار هذه الهجمات حوادث معزولة أو تجاوزات فردية، بل هي تجري ضمن سياق سياسي وأمني واستيطاني متكامل يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي للضفة الغربية.

تشمل هذه الممارسات عمليات القتل والاعتقالات والتدخلات العسكرية والمداهمات، وهدم المنازل والمنشآت، والاستيلاء على الأراضي والممتلكات، وإغلاق الطرق وإقامة نقاط التفتيش، والاعتداءات على المزارعين، واقتلاع الأشجار وحرق الحقول، بالإضافة إلى الاعتداءات التي تشنها جماعات المستوطنين تحت حماية الجيش أو بحضوره. وفي بعض الحالات، تمتد هذه الاعتداءات لتشمل حرق المنازل والممتلكات، والاعتداءات الجسدية، والتهديدات الموجهة للسكان، وإجبارهم على مغادرة مناطقهم وقراهم.

ما يزيد الوضع خطورة هو أن هذه الهجمات مصحوبة بإجراءات وقرارات وتشريعات صادرة عن المؤسسات السياسية والتشريعية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية، مما يشير إلى تحول من مجرد إدارة الأراضي الفلسطينية والسيطرة عليها إلى محاولة لإعادة تشكيل واقعها بشكل دائم. لا يتصرف المستوطنون بمفردهم، ولا يمكن فصل هجماتهم عن شبكة أوسع من الحماية العسكرية والإجراءات الإدارية والقوانين والقرارات التي تهيئ البيئة اللازمة لتوسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتشريد سكانها الفلسطينيين.

إن قراءة التطورات في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة تقود إلى استنتاج أساسي واحد: لم يعد التوسع الاستيطاني مجرد سياسة للتوسع الحضري الاستعماري، بل أصبح إحدى الأدوات الرئيسية لتنفيذ مشروع سياسي يهدف إلى ترسيخ الضم على أرض الواقع، حتى قبل إعلانه رسمياً.

بهذا المعنى، لا يتطلب الضم، في منطق الاحتلال، إعلانًا قانونيًا رسميًا واحدًا. بل يمكن تحقيقه تدريجيًا من خلال السيطرة على الأرض، وتوسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وتحويل مساحات شاسعة إلى ما يُسمى “أراضي الدولة”، وفرض شبكة من الطرق ونقاط التفتيش والمناطق العسكرية، وفرض قيود على البناء الفلسطيني، وهدم المباني، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، والضغط التدريجي على السكان لمغادرة المناطق المستهدفة. وبهذه الطريقة، يصبح الاحتلال نظامًا متكاملًا لإعادة توزيع الأرض والسكان، مما يُوسع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية ويُقلص في الوقت نفسه الحيز الجغرافي والاجتماعي المتاح للفلسطينيين.

في هذا السياق، لا يمكن فصل التوسع الاستيطاني عن سياسة التهجير. فعندما تُحاصر قرية فلسطينية بنقاط تفتيش وبؤر استيطانية، ويُمنع سكانها من الوصول إلى أراضيهم، وتُشنّ هجمات متكررة على ممتلكاتهم وحقولهم، وتُهدم منازلهم، فإن النتيجة العملية هي دفع السكان نحو الرحيل، حتى في غياب أمر ترحيل رسمي ومباشر. وهنا يكمن الخطر: فقد لا يصبح التهجير قرارًا مُعلنًا، بل نتيجة مقصودة لسلسلة متراكمة من الإجراءات والسياسات.

على الجانب الآخر من هذا الواقع، يُشكّل تصاعد الجرائم التي يرتكبها المستوطنون أحد أهمّ عناصر هذه العملية. فالمستوطنون لا يعملون بمعزل عن مؤسسات الاحتلال، وفي كثير من الأحيان، تقع هجماتهم في بيئة توفر لهم الحماية السياسية والأمنية والعسكرية، بينما يستمرّ الإفلات من العقاب على نطاق واسع.

يكمن خطر هذه الظاهرة في أنها تخدم وظيفة سياسية وجغرافية تتجاوز مجرد الاعتداءات على الأفراد أو الممتلكات. فعندما تتعرض المجتمعات الفلسطينية للاعتداءات بشكل متكرر، يصبح العنف وسيلة لتهجير سكانها، وإجبارهم على ترك مصادر رزقهم وأراضيهم، مما يفسح المجال أمام المستوطنين للسيطرة عليها.

وهكذا، يصبح المستوطن أداةً ميدانيةً لتنفيذ ما قد يصعب على المؤسسات الرسمية تنفيذه مباشرةً، بينما توفر مؤسسات الدولة الغطاء القانوني والأمني ​​والسياسي لهذه العملية. ونتيجةً لذلك، يصبح الفصل بين “جرائم المستوطنين” و”سياسة الدولة” مُضللاً عندما تُتيح الحماية أو التسلح أو التسهيل أو القرارات الرسمية استمرار هذه الهجمات دون مساءلة جدية.

في مواجهة هذا الواقع الخطير، لم يعد مقبولاً أن يقتصر رد الفعل الدولي على مجرد التعبير عن القلق والإدانة. بات من الضروري اتخاذ تدابير عملية وفعّالة تضمن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وفرض تدابير رادعة ضد المستوطنين والأطراف المتورطة في توسيع المستوطنات والعنف والتهجير، وإنهاء التعامل مع المستوطنات كأمر واقع لا مفر منه. يجب أن يترافق ذلك مع دعم مستمر للآليات الدولية للتحقيق والمساءلة، من أجل وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب وحماية حقوق الشعب الفلسطيني وفقاً للقانون الدولي.

وبناءً على ذلك، وباسم إدارة العلاقات الخارجية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ندعو الأحزاب السياسية والمؤسسات والحركات والمنظمات الشعبية في جميع أنحاء العالم إلى إيلاء هذه القضية الاهتمام الذي تستحقه، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من المشروع الصهيوني الذي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية من خلال فرض الحقائق بالقوة وممارسة التهجير والتطهير العرقي الصامت.

هذا الواقع يزيد من مسؤولية القوى التقدمية وجميع الشعوب الحرة في جميع أنحاء العالم للدفاع عن القانون الدولي، ومواجهة سياسات الاحتلال وتوسيع المستوطنات، وتعزيز التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية العادلة بكل أبعادها.

Share This Article