كتب علي حبيب الله : ما بين الأصيل والدخيل: ملاحظات عن الغابة الفلسطينية والحُرش الاستعماري

المسار : ثمة نكتة محلية في بلادنا، عن فلاّح فلسطيني كان يفلح أرضه المحاذية للحُرش، وقد انتبه إلى وجود سيارة مركونة وتهتز في الوقت نفسه بالقرب من أرضه. اقترب الفلّاح من السيارة، قاطعًا على العاشقين خلوتهما فيها، ولمّا بدأ بتوبيخهما، صاحت الفتاة بوجه الفلاح: “مالك ومالي، الجسم جسمي، والحُرش لـ”كيرن كييمت”… لم يعد الحُرش يعني لنا غير ذلك الحيّز الكولونيالي، لمكانٍ سُلب منّا وبات مُحرّمًا علينا منذ النكبة. وحتى تسمية “الحُرش” أو “الأحراش”، كمفردة أصيلة في قاموسنا، سابقة على التحريش كممارسة أيكولوجية – استعمارية. فلولا تعبير “أحراش يعبد”، الذي استرخى في الذاكرة الوطنية الفلسطينية حيث استشهد الشيخ القسّام في منطقة جنين عام 1935، لبدت مفردة “الأحراش” كما لو أنّها مستدخلة على القاموس الفلسطيني.

استجدّ في السنوات الأخيرة نقاش فلسطيني عن الحُرش والتحريش، أو “التحريج” في فلسطين، ما بين رأي اعتبر الحُرش والتحريش ممارسة أيكولوجية – استعمارية، وآخر يرى في الحُرش تشكيلًا بيئيًا أصيلًا في فلسطين، سابقًا على استعمارها. وقد صدر مؤخرًا، عن دار طباق للنشر والتوزيع، بطبعته الأولى، كتاب الدكتور شكري عرّاف، بالشراكة مع الباحث إسكندر عطية، بعنوان “الحرش الفلسطيني: دراسة في سياسات الغزو الأخضر في فلسطين”.

لا يقف الكتاب عند حرفية عنوانه، بما يتصل بالتحريش الصهيوني للبرّ والوعر الفلسطينيين منذ ما قبل النكبة وبعدها فحسب، إنما هو محاولة أيضًا لنبش تاريخ الحُرش والتحريش في السياق الفلسطيني المحلي، وكذلك ذاكرة التشجير، وغرس الشجر وقطعه، منذ فلسطين العثمانية إلى ما بعد نكبة عام 1948. وأكثر من ذلك، استحضر عرّاف وعطية حضور “الحُرش” في مخيلة الفلسطينيين وذائقتهم الأدبية والرمزية الحديثة، وحتى في معجم الأسماء التاريخي للبلاد، حيث اشتُقت أسماء بعض الأماكن الفلسطينية، المأهولة منها وغير المأهولة، من مفردة الحُرش والأحراش. وذلك في محاولة جادل فيها الكاتبان بين الأصيل، في ردّ الاعتبار للحُرش بمفهومه الفلسطيني، والدخيل، المتصل بعالم التحريش كظاهرة وممارسة أيكولوجية – استعمارية، سعت من خلالها الصهيونية إلى أوربة المكان الفلسطيني على مدار القرن العشرين.

ما كان لهذا النقاش عن “الحُرش والتحريش” أن يستجدّ شاغلًا الباحثين والكتّاب الفلسطينيين، وحتى الإسرائيليين برأينا، لولا انبعاثه سؤالًا من تحت رماد حرائق صيف البلاد منذ مطلع الألفية، خصوصًا حريق غابة الكرمل الشهير في صيف عام 2010، ثم حريق غابات جبال غربي القدس في صيف عام 2021، تلك الحرائق التي فقدت فيها إسرائيل السيطرة عليها، وقد خلّفت ضحاياها وأسئلتها التاريخية معًا.

إلا أنّ ما صار يشغل دوائر البحث عن الحُرش والتحريش مؤخرًا، كان قد شغل فلّاحي ورعيان وصيّادي بلادنا منذ خمسينيات القرن الماضي، خصوصًا في القرى الفلسطينية التي صارت تُحيط بأراضيها الغابات الحُرشية (الحرجية)، التي لم تكن مهمتها الاستحواذ على الأرض بتغريبها وفرض السيادة الصهيونية عليها عبر تحريشها، أو التحريش كممارسة لطمس معالم المكان وإخفاء جريمة الاقتلاع والتهجير في مواقع القرى المهجّرة، فحسب، وإنما أعاد الحُرش والتحريش رسم خرائط المكان والتحكم بحركة المحيطين به من السكان العرب الباقين في البلاد.

لنعد إلى الملاحظة التي تقول إنّ فلسطين لم تشهد في تاريخها البيئي عملية تحريش منظّمة ومكثفة، تهدف إلى إعادة تشكيل برّها أيكولوجيًا، مثلما شهدت على مدار القرن العشرين مع السطو والسيطرة الصهيونيين عليها. هذا صحيح، لكن ذلك لا يعني أنّ بيئة فلسطين الغابية والحُرجية، ما قبل استعمارها، كانت بيئة طبيعية مستقرة وثابتة، بل كانت متحركة بحكم حركة التاريخ عليها، خصوصًا الحروب التي كان لها كبير الأثر على الغابات المحلية، وآخرها الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، مع حاجة القطار العثماني وجوعه إلى خشب الأشجار لتحريكه دعمًا للمجهود الحربي، في حكاية نعرفها عن “بابور السكة” الذي تسبب بأكبر عملية تحطيب في تاريخ فلسطين الحديث.

ما بين التشجير والتحريش

ثمة تمييز مبدئي في فلسطين، ما بين تاريخ التشجير في البلاد، وبين التحريش أو التحريج فيها. فالأول سابق على الثاني تاريخيًا بالتأكيد، كما أنّ التشجير فعلٌ مارسه أصحاب الأرض وملّاكها من الأسفل، بينما لم يكن التحريش ممكنًا إلا بوصفه فعلًا يجري من فوق، قامت عليه الدولة وسلطات الحكم المحلي. والأهم أنّ التشجير في فلسطين ظلّ فعلًا استثماريًا في الأرض، فيما كان التحريش، وقوننته، فعلًا استعماريًا لها.

وطالما يعني التشجير الاستثماري غرس الأرض بالشجر المثمر، فقد شهدت فلسطين في تاريخها الحديث أكبر حملتي تشجير، بالزيتون والبرتقال. فقد عرفت جبال القدس ونابلس وجنين، وحتى الجليل، أكبر عملية غرس للزيتون منذ أواسط القرن الثامن عشر، قام عليها كبار ملّاك الأرض بغرض تحصيل الزيت لرفد مصانع صناعة الصابون في المدن به. بينما انبعثت في الساحل زراعة البرتقال والحمضيات عمومًا منذ مطلع القرن التاسع عشر، وامتدت حتى مطلع القرن العشرين، خصوصًا في ساحل فلسطين الجنوبي، مع انفتاح البلاد على البحر والاقتصاد التجاري الحديث.

كان التشجير فعلًا استثماريًا، وقد حوّل شجر الزيتون جبال البلاد إلى كروم، بينما قلب شتل البرتقال الأراضي الساحلية إلى بيارات، مما أعاد تشكيل برّ فلسطين، جبلًا وساحلًا، على نحوٍ أيكولوجي لم تعرفه البلاد من قبل. ولم تقف عملية التشجير عند مطلع القرن العشرين، بل استمرت في السياق الاستعماري لفلسطين. فمثلما قامت الصهيونية بحملة تجريف للبيئة الفلسطينية المشجّرة، خصوصًا في الساحل، فقد عملت على تشجير مناطق لم يسبق لها أن شُجّرت، في مرج ابن عامر والأغوار.

أمّا التحريش أو التحريج، باعتباره غرسًا لأشجار حُرجية غير مثمرة عادة، فقد بدأ جديًا مع الاستعمار البريطاني للبلاد منذ عام 1918، ولأغراض وقائية، مثل غرس أشجار في المناطق الساحلية لمنع تمدد وزحف الكثبان الرملية الشاطئية إلى الأراضي الزراعية. حاولت السلطات العثمانية، من قبل، وضع قوانين تحمي البيئة الشجرية والغابات من التحطيب في فلسطين أواخر القرن التاسع عشر، إلا أنّ التحريش بصورة منظّمة، مدعومًا بسنّ قوانين لحماية الغابات، واستدخال أنواع من الشجر الدخيل على البيئة الشجرية الفلسطينية، كل ذلك نشأ في ظل الاستعمار البريطاني وازدياد وتيرة الهجرة الصهيونية إلى البلاد منذ عشرينيات القرن الماضي.

لاحقًا، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، أطلق الفلسطينيون بعاميتهم المحلية تسمية “سجرة اليهود” (شجرة اليهود)، وقصدوا بها شجرة “الكينا”، التي تعرفوا إليها ضمن سياق “التحريج البؤري”، أي زرع الكينا في مناطق محددة وبشكل محدد، من أجل منع تبرك المياه وتحولها إلى مستنقعات في مناطق مثل الساحل ومرج ابن عامر والحولة. كما أحاط المستوطنون مستوطناتهم بأشجار الصنوبر والسرو، بغرض الحماية وحجب مستوطناتهم، وكذلك في مسعى إلى أوربة البيئة المحيطة بهم، بما يُمايزهم عن المحيط المحلي – العربي.

لم يكن شجر الصنوبر، ولا سيما الصنوبر الحلبي، دخيلًا على البيئة الفلسطينية مع استعانة سلطات الاستعمار البريطاني، ولاحقًا الصهاينة به، ولا كان الصنوبر أصيلًا في بلادنا في الوقت نفسه. إذ تعود حكاية زراعته إلى الغزو الصليبي للبلاد في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد، عندما كان الصليبيون يحيطون مستوطناتهم أو ثكناتهم العسكرية بالصنوبر لحجبها عن الرؤية ولأغراض الحماية. وظل تقليد إحاطة المباني العامة بأشجار الصنوبر قائمًا حتى تاريخ فلسطين الحديث، إذ أحيطت مباني الإرساليات التبشيرية، مثل المدارس والمستشفيات، بشجر الصنوبر. بينما عملت الصهيونية لاحقًا، وخصوصًا بعد النكبة، على توظيفه استعماريًا في أكبر عملية تحريش عرفتها فلسطين في تاريخها.

ما بين الغابة والحُرش

تحولت المناطق الحُرجية التي حرّجها الصهاينة، خصوصًا بعد النكبة، لأغراض حيازة الأرض وفرض السيادة الصهيونية عليها وأوربتها وطمس محلية المكان، إلى غابات بطبيعتها. ومع ذلك، فثمة تمييز يجب أن يظل في وعينا الفلسطيني ما بين الغابة الفلسطينية وبين الحُرش الصهيوني. فالغابة في فلسطين ليست حُرجية بطبيعة تشكيلها تاريخيًا. فغابة الكرمل، على سبيل المثال، كانت مشكلة من بيئة شجرية نبتت أصيلة في موطنها على حوض المتوسط: الملّ والملول، والسنديان والبلوط، والزعرور والعبهر والسنط. كل هذه البيئة الشجرية لها خصائص محلية جعلتها تنبت وتمتد أفقيًا لا عموديًا، متشابكة، مشكلة البيئة الغابية في بلادنا.

بينما الكينا والسرو والصنوبر، وكل أنواع الشجر الوبري، وإن كان بعضه أصيلًا في بلادنا، إلا أنّ توظيفه المنظّم، شتلًا وغرسًا، في مواقع لم يسبق أن نبت فيها طبيعيًا، في النقب على سبيل المثال، هو ما أنتج ما صرنا نعرفه ونعرّفه بـ”الحُرش”. وأهم ما يميّز الحُرش الاستعماري عن الغابة المحلية هو استطالة الشجر الحرشي عموديًا، مثل الصنوبر والكينا. بينما لا يشيح السنديان والعبهر في الغابة الفلسطينية عموديًا بقدر ما يتمدد إلى بعضه أفقيًا. إذ يظل شجر الغابة المحلية أكثر حميمية في علاقته مع الإنسان والحيوان في بيئته، بينما لا يقيم شجر الحُرش الاستعماري هذه الحميمية باستطالته وارتفاعه، بل يقيم حاجزًا نفسيًا وعمليًا بينه وبين الكائنات في المكان.

لم تكن عملية التحريش أو التحريج الاستعماري مجرد عملية غرس مادي للصنوبر والسرو بأنواعهما، في ظل المشروع الصهيوني لتحريش برّ البلاد ومواقع القرى المهجّرة، وإنما جعلت الصهيونية منها تقليدًا أقرب إلى الطقس الوطني – القومي، مسنودًا بمسوح دينية توراتية. فمن منّا لا يتذكر “عيد غرس الأشجار”، المناسبة المدرسية التي كنّا ننتظرها في 15 شباط/فبراير من كل عام بفارغ الصبر؟! كان التقليد المدرسي المفروض غرس أشجار في باحة أو حديقة المدرسة، ثم الخروج جماعيًا من المدرسة إلى أقرب حُرش محيط بالقرية. لم يكن يُقبل أن نغرس زيتونًا أو تينًا من صنف الشجر المحلي الأصيل في بلادنا، وإنما كانت وزارة المعارف، بالتعاون مع الصندوق القومي اليهودي (“كيرن كييمت”)، ترسل إلى المدرسة أصنافًا معينة من الشجر، كان على تلاميذ المدارس غرسها، الصنوبر والسرو تحديدًا.

مع الوقت، ومع سيطرة الصندوق القومي اليهودي (“كيرن كييمت”) على غابات فلسطين، وتدخله فيها، ثم تحريش مناطق واسعة لم يسبق أن عرفت التحريش، أصبح الحُرش هو بذاته الغابة في وعي جيل اليوم.

في العقود الثلاثة الأخيرة، ومنذ مطلع الألفية، اتبع الصندوق القومي اليهودي (“كيرن كييمت”) سياسة تحويل بعض الغابات الحُرشية أو الحرجية في البلاد إلى حدائق عامة، وذلك عبر شق طرقات وتعبيدها بالإسفلت، وإقامة محطات استراحة، ومسالك لرياضة المشي، ومطلّات على المرتفعات، وزرع مقاعد خشبية وبراميل للنفايات فيها، بما يُتيح لعامة الناس قضاء العطل والتنزه فيها.

Share This Article