كتب سعيد أبو معلا : «تل»… بلدة فلسطينية اشتهرت بالتين ومقاومة المستوطنين

المسار : اعتاد الفلسطينيون ربط بلدة تل، جنوب غرب مدينة نابلس (9 كم)، بثمرة التين الشهية في موسم الصيف، لكنها اليوم تتربع على اهتمام الفلسطينيين والعالم بصفتها البلدة التي انفجرت غضبا من إرهاب المستوطنين.
وتقع البلدة التي تتداخل منازلها مع مدينة نابلس، على تلة مطلة تمتزج تضاريسها باتجاه جبل جرزيم (يتراوح ارتفاعها بين 631 و737م عن مستوى سطح البحر)، وهو سبب تسميتها باسمها الحالي، وهناك تفسير شعبي آخر يربط الاسم بعبارة «تِل.. تين ولبن»، لكثرة محاصيل التين الثرية وجودتها ولتنوع إنتاجها الزراعي والحيواني.
وحسب مصادر تاريخية فإن أصول نشأة التجمع السكاني القديم في المنطقة تعود إلى الفترة البيزنطية، وتمتد بعض عشائرها إلى هجرات قديمة من شبه الجزيرة العربية. فيما تشكل الحارة الشامية أو ما تسمى «البلدة القديمة» النواة المعمارية التاريخية للقرية، وتضم منازل مبنية من الطين والحجر المعقود، إلى جانب وجود معصرة زيتون قديمة تعكس النمط الاقتصادي التراثي لأهالي القرية عبر القرون.
واستُشهد من أبناء البلدة 4 فلسطينيين فيما قُتل عسكريان إسرائيليان أحدهما برتبة رائد، الجمعة الماضي، بعد إثر تصدي أهالي البلدة لاقتحام نفّذه مستوطنون تخلله إطلاق نار.
ومنذ الجمعة تحولت البلدة إلى الاهتمام الأكبر فلسطينيا وعالميا بعد أن شهدت انفجاراً في طبيعة وشكل العلاقة بين الفلسطينيين والمستوطنين الذين ضاعفوا من هجماتهم منذ السابع من تشرين الأول / أكتوبر عام 2023.
وتقدم بلدة تل ذات التاريخ النضالي الطويل خلال الانتفاضة الأولى 1987 والثانية 2001 بصفتها البلدة الوادعة التي يعمل أغلب سكانها في الزراعة وتحديدا زراعة التين والزيتون، لكن «مطامع الاحتلال ومستوطنيه في التمدد بدأت تتسلل إلى أراضي المواطنين ومنازلهم» بحسب تصريحات نائب رئيس المجلس القروي منذ اشتية.

رئيس‭ ‬البلدية‭ ‬وليد‭ ‬زيدان‭ ‬لـ«القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬تفتخر‭ ‬البلدة‭ ‬بما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬أبناؤها‭ ‬من‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬أراضيها

وقال اشتيه في حديث خاص لـ»القدس العربي»: «يمكن رصد تصاعد الهجمات بحق سكان القرية منذ الشهر الثاني في العام الحالي، لقد بدأت الهجمات بعملية إحراق «مسجد أبو بكر الصديق» الذي يقع بين بلدتي تل وصرة غرب المدينة».
يتابع اشتيه: «لولا عناية ربنا لترتب على الهجوم احتراق المسجد كاملا.. لقد خطوا الشعارات القاتلة والمليئة بالكراهية والرغبة بقتل العرب… ولاحقا استمروا بالهجمات القادمة من مستوطنة «حفاد جلعاد» التي تعتبر أساس كل المشاكل».

تاريخ المستوطنة

وتقع المستوطنة التي كانت قبل سنوت بؤرة، غربي القرية وتحديدا غربي الشارع الالتفافي الخاص بالمستوطنين حيث تتوسط بلدات: جيت وحوارة وفرعتا ومستوطنة يتسهار.
وتأسست المستوطنة في نيسان/ أبريل 2002 على يد المستوطن المتطرف موشيه زار. وأُقيمت كخطوة انتقامية عقب مقتل نجله «جلعاد زار» (ضابط الأمن لمجلس مستوطنات شمال الضفة).
وحسب نشطاء في البلدة فقد وُضعت اللبنة الأولى للمستوطنة عبر نصب الخيام والكرفانات على أراضٍ فلسطينية خاصة تعود لسكان قرية «فرعتا»، حيث مُنحت صفة رسمية «بلدة جديدة» بقرار حكومي إسرائيلي في عام 2018.
وتتمتع المستوطنة بأهمية استراتيجية حيث تهدف إلى خلق طوق استيطاني يربط بين عدة مستوطنات (مثل يتسهار، هار براخا، وإيتمار)، وهي أيضا تعمل على تقطيع أوصال محافظة نابلس وعزل قراها عن امتدادها الجغرافي.
يكمل حديثه اشتيه قائلا: «بمجرد خروجهم من المستوطنة يصبح المستوطنون في أراضي المواطنين، وبالتالي تحدث الهجمات على المزارعين، وهو ما تضاعف بعد أحداث «السابع من تشرين الأول/أكتوبر» حيث منع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم بعمق 200 متر هوائي بعد حدود المستوطنة، ومن هنا بدأت المشكلة».
وفي تاريخ الهجمات الإرهابية شن مستوطنو هجوما حارقا على منزل المواطن صهيب رضوان رمضان في منطقة بير الغزال بتاريخ 18 تموز / يوليو 2026. عن ذلك يعقب اشتية: «لقد نجا أطفال رمضان وزوجته بأعجوبة، لولا رحمة الله لحدث معهم ما حدث لعائلة دوابشة التي تعرضت للحرق على يد مستوطنين». ويصف اشتيه ما تعيشه البلدة أنه «قمة الإجرام»، يتابع: «هذا بالضبط هو ما يحدث معنا، كي نقتلع من الأرض يقتلعون الأشجار، نفهم هدفهم من وراء ذلك، اقتلاع الشجر يعني أن يفقد الفلسطيني علاقته مع أرضه. ومع ذلك الرسالة من طرفنا واضحة لن نرحل وسنبقى صامدين، ولا مرة سيتكرر ما حدث عام النكبة 1948».
وحول رد المستوطنين على جريمة المستوطنين يشدد اشتيه على أن المستوطنين وضعوا على بعد خمسين مترا من مكان تنفيذ المجزرة بحق شبان البلدة.
يتابع: «إنها مسافة قريبة من منازل المواطنين، حاولت صباحا الوصول إليها لكن الجنود منعوني، كما أنهم أعادوا احتلال منزل (فيلا) الطبيب ابن القرية عرب رمضان، لقد أخبره الجنود أنهم يريدون البقاء في المنزل الذي سكنه رمضان قبل نحو شهر بهدف الاستمتاع به ولكونه «حلو وجميل».. يمكن تخيل ذلك».
وحول ما قام به الشيخ فاروق الذي أظهرت الصور والفيديوهات سحب سلاح المستوطن كي يحمي نفسه يؤكد اشتيه على أن الشيخ فعل ما سيفعله أي مواطن في العالم، «دافع عن نفسه ببساطة، نحن مواطنون عزل، في بيوتنا مع النساء والأطفال ولم نذهب للمستوطنين. هم من شن الهجوم علينا، وبالتالي من حقنا الدفاع عن النفس.

تفنيد رواية الاحتلال

وحول رواية الاحتلال يقدم بدوره رواية بديلة تماما، حيث يقول: «كل ما ينشر هو فيديوهات إسرائيلية. أنا شخصيا، وباسم موقعي الرسمي كنائب رئيس المجلس القروي، أطالب كل الحقوقيين في العالم بفتح تحقيق جدي حول ما جرى في الساعات الأربع يوم الجمعة الماضي، لقد نشر الاحتلال ما يريدون من روايتهم عبر مقاطع الفيديو، ظهر أن الشيخ فاروق قد أطلق النار، وأن البندقة سلبت من الجندي، لم يتمكنوا من حذف اللقطة هذه».
وتابع: «أقول وعلى عاتقي ومسؤوليتي أن الشيخ لم يقتل أحداً، بل هم من قتلوا بعضهم، الجيش الإسرائيلي أكد أن الرائد قتل بنيران صديقة، والمتوقع أن يكون المستوطن القتيل ليس من قام الشيخ بإطلاق الرصاص عليه، فالأخير من المتوقع أن يكون قد أصيب وليس قتل، فهو يظهر في الفيديو يقول للجنود: «أطلقوا النار عليه ومن ثم يصرخ».
ويضيف: «هل هناك من يفسر لي سبب سرعة دفن الجندي الإسرائيلي القتيل، ما أريد قوله بوضوح هو أنه هناك دليل على أنه قتل برصاصهم ولم يريدوا كشف هوية من قتله».
ويبلغ عدد السكان البلدة التي تشكل أشجار التين ذروة مواسمها الزراعية نحو 6500 مواطن ويغلب على سكانها العمل في الزراعة والعمل في داخل الخط الأخضر.
وحول أبرز إجراءات العقاب الجماعي يشدد اشتية على أن الاحتلال قام بقطع المياه عن البلدة منذ ثلاثة أيام، «ليس هناك ما نشربه لقد قطعوا عنا تغذية المياه، والحجة هذه المرة ادعاء أن هناك خراب بالبئر المركزية الذي يغذي المنطقة».
وحول اعتقالات عشرات الشبان التي لا هدف لها يشدد اشتيه على أنه لا يمكنه تفسير ذلك إلا من باب «عمل الجيش على إرضاء المستوطنين، فنحن نعذب ونعاقب لهذا الهدف».
ويوم الأحد اقتحم الجيش الإسرائيلي منزل الشيخ فاروق، حيث تم إغلاقه باللحام ووضعت عليه علامات تدلل على هدم المنزل ريثما تنتهي الإجراءات الاحتلالية.

لا تفريق بين المناطق المصنفة

وقال رئيس البلدية وليد زيدان أن سياسة الاحتلال الحالية تتمثل في العمل من دون تفريق بين المناطق التي تحمل تصنيف «أ» وتصنيف «ب»، فكل المناطق تحت سيطرته الاحتلال.
وشدد في حديثه مع «القدس العربي» على أن البلدة تفتخر بما حدث من دفاع أبناء البلدة عن أراضيها، وهو ما يجعل الاحتلال يواصل العمل على إيقاع العقاب الجماعي بحق أبنائها.
وقال إن البلدة يسودها السواد حتى اللحظة، «لم تتمكن من دفن الشهداء كما يجب، والجيش يتحرك في أحياء البلدة على مدار الساعة، في حالة من شبه حظر التجول». وحول الهدف من ذلك: «إنه يريد أن يجعل من المواطنين رهائن داخل بيوتهم.. مزيد من الحصار والتضييق».
وفي السياق ذاته، تراجع جيش الاحتلال الإسرائيلي عن روايته الأولى بشأن اقتحام المستوطنين البلدة صباح الجمعة الماضي، والتي زعم فيها أن دخول المستوطنين جرى من دون علم الجيش. وحسب القناة 7 العبرية قال الناطق باسم جيش الاحتلال إن الجيش كان على علم بمسار دخول المستوطنين إلى البلدة قبل ساعات من بدء الاقتحام، لكنه أوضح أن المسار لم تتم المصادقة عليه وفق الإجراءات العسكرية المتبعة.
وأضاف أن «المسار الذي لا يتم التنسيق له لا يحصل على غطاء أمني»، مشيرا إلى أن الجيش لم يصادق على خط السير ولم يمنح الاقتحام غطاء أمنيا.
ويأتي تراجع رواية جيش الاحتلال وسط تصاعد الانتقادات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن التعامل مع اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، واتهامات بتوفير الحماية أو الغطاء لتحركات مجموعات استيطانية مسلحة.
وتحيط بالقرية عدة مستوطنات وبؤر استيطانية مع مراكز تدريب عسكرية، وتؤثر على أراضيها ومحيطها الجغرافي، وتشكل جزءا من الحزام الاستيطاني المحيط بالمدينة، منها مستوطنة «هار براخا» التي تعد من المستوطنات الرئيسية المقامة في محيط القرية وتقع إلى الشرق والشمال الشرقي من القرية وتحديدا على قمة جبل جرزيم، وتعد من أكثر المستوطنات توسعا ونشاطا في مصادرة الأراضي المطلة على البلدة.
أما مستوطنة «يتسهار» فتقع إلى الجنوب الشرقي من القرية، وتعد مركزا رئيسيا للاعتداءات الاستيطانية. أما مستوطنة «قدوميم» فتقع إلى الشمال الغربي من القرية وبؤرة «متسبي يتسهار» وبؤرة «تل 725» هما بؤرتان تتبعان لمستوطنة «يتسهار» تمتدان على التلال الجنوبية والشرقية المشرفة على المنطقة.
وهناك الكثير من البؤر الرعوية على شكل خيام وبركسات زراعية ورعوية على أراضي قرية تل والقرى المجاورة مثل صرة وعصيرة القبلية وعورتا، والتي تُستخدم لتثبيت السيطرة الميدانية والتضييق على المزارعين والرعاة الفلسطينيين في التلال المحيطة بالقرية.

المصدر … القدس العربي

Share This Article