المسار : خمسون متراً فقط تفصل منزل المواطن محمد عبيات في قرية أم صفا شمال رام الله عن خيمة نصبها مستوطنون قبل نحو شهر، لكنها كانت كافية لتحويل منزله، الذي شيده قبل عشرات السنوات، إلى ما يشبه السجن، وعزل عائلته المكونة من 12 فرداً عن محيطها، ضمن سياسة تهدف إلى دفعهم نحو الرحيل والاستيلاء على المكان.
“يحاولون إجباري على الرحيل وترك منزلي من أجل الاستيلاء عليه، لكنني لن أرحل مهما فعلوا”، يقول عبيات، في وقت تحولت فيه حياته اليومية إلى معاناة مستمرة تحت وطأة اعتداءات المستوطنين وتهديداتهم.
ويضيف: “منذ اللحظة التي نصبوا فيها الخيمة، أصبحت حياتي كالسجن. في كل لحظة يأتون إليها، ويبدأون بإصدار الأوامر بعدم الخروج من المنزل، ويوجهون الشتائم والتهديدات في حال خرجت أو حاول أحد من أهالي القرية زيارتنا”.
ولم تعد المسافة القصيرة بين المنزل والخيمة مجرد أمتار، بل تحولت إلى خط فصل فرضه المستوطنون بقوة السلاح، بعدما شقوا طريقاً بمحاذاة منزل عبيات باتجاه البؤرة الاستيطانية المقامة عام 2024 في منطقة جبل الراس، والتي تضم كرفانات وتمديدات كهرباء ومياه، ومنها تنطلق الاعتداءات اليومية.
كما نصبت قوات الاحتلال عام 2023 بوابة حديدية بالقرب من منزل عبيات، المعروف بـ”أبو صلاح”، لتزيد من عزله عن باقي القرية، وتحد من وصول أقاربه وأهالي البلدة إليه.
اعتداء على الفرح والحياة
الأسبوع الماضي، وبينما كانت عائلة عبيات تحتفل بنجاح نجلها مصطفى في امتحان الثانوية العامة، تحولت لحظات الفرح إلى اعتداء جديد.
ويقول عبيات: “عندما تعالت أصوات الزغاريد والأفراح، داهم المستوطنون المنزل، واعتدوا عليّ وعلى أبنائي مصطفى وعبد الله وعماد، وأصابونا بجروح ورضوض، كما دفعوا زوجتي أم صلاح إلى الأرض”.
ويتابع: “يحاولون قتل الحياة عندنا، وكأننا نعيش في سجن. يمنعون عنا الفرح، وأصبحت أشعر أن المنزل رغم اتساعه يضيق علينا، وأن عتبة بيتي أصبحت بمثابة حدود دولة الاحتلال”.
ولم يقتصر التضييق على الحركة والحياة الاجتماعية، بل طال مصدر رزقه الأساسي، إذ كان يمتلك 200 رأس من الأغنام، قبل أن يضطر إلى بيع معظمها خوفاً من سرقتها.
ويقول: “أبقيت على 40 رأساً فقط، ودائماً أراقب الوضع، فإذا رحل المستوطنون أخرج الأغنام للرعي ولو لدقائق قليلة، وأفعل الأمر ذاته عندما أضطر للخروج لشراء الاحتياجات الضرورية للمنزل”.
ولم يعد عبيات يستقبل الزوار، فالوصول إلى منزله بات يشكل خطراً على كل من يحاول الاقتراب منه.
ويضيف: “قبل نحو عشرين يوماً حاول نجلاي زياد وعبد الرحمن، وهما متزوجان ويسكنان وسط القرية، زيارتنا، واضطرا إلى سلوك طرق التفافية عبر عجول وروابي، ثم العودة إلى أم صفا، لكن قوات الاحتلال كانت موجودة في المكان، ومنعتهما من الاقتراب واحتجزتهما لساعات قبل إجبارهما على العودة”.
أم صفا في دائرة الاستهداف
ولم يكن منزل عبيات الضحية الأولى لاعتداءات المستوطنين، إذ سبق أن تعرض خلال الهجوم الذي شنوه على القرية عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 للحرق، إضافة إلى إحراق مركبتين كانتا متوقفتين قرب المنزل، تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وقال رئيس مجلس قروي أم صفا، مروان الصباح، إن القرية تواجه مشروعاً استيطانياً متكاملاً يستهدف تهجير سكانها والسيطرة على أراضيها، مشيراً إلى أن قوات الاحتلال أغلقت مداخل القرية بشكل كامل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأوضح أن مساحة أراضي القرية تبلغ نحو 4800 دونم، إلا أن الأهالي لم يعودوا قادرين على الوصول إلا إلى نحو 100 دونم فقط، وهي المنطقة المقام عليها البناء السكني، بسبب انتشار البؤر والمستوطنات المحيطة بها.
وأشار إلى أن محيط القرية يشهد توسعاً استيطانياً متسارعاً، بدءاً من مستوطنة “عطيرت” شرقاً و”حلميش” غرباً، مروراً بالطريق الاستيطاني جنوباً، وصولاً إلى إقامة بؤرة بين أم صفا وقرية جيبيا عام 2023، ثم بؤرة جبل الراس عام 2024 التي توسعت بشكل كبير، وصولاً إلى إقامة بؤرة جديدة قبل شهر بمحاذاة منزل المواطن محمد عبيات، وأخرى قبل شهرين في المنطقة الغربية بين أم صفا ودير السودان، إضافة إلى بؤرة جديدة أقيمت مؤخراً في المنطقة الجنوبية.
وقال الصباح إن هذه البؤر تهدف إلى السيطرة على أراضي القرية وحرمان سكانها من مصادر رزقهم، خاصة أن نحو 4000 دونم مزروعة بأشجار الزيتون باتت في قبضة المستوطنين.
وأضاف أن الوصول إلى القرية أصبح بالغ الصعوبة، إذ يضطر المواطنون إلى استخدام طرق ترابية سيراً على الأقدام، خاصة في المنطقة الشرقية المعروفة بـ”الخروبة”، إلا أن إقامة البؤرة الجديدة في واد الزيتون والقريبة من المنطقة جعلت الوضع أكثر خطورة.
تهجير ممنهج وتدمير مقومات الحياة
وأكد الصباح أن ما يجري في أم صفا هو مشروع تهجير ممنهج ينفذ بصمت، بهدف إقامة تجمع استيطاني كبير يربط بين مستوطنة “حلميش” غرباً و”عطيرت” شرقاً، إضافة إلى الاستيلاء على نحو 500 دونم بذريعة إعلانها “محمية طبيعية”، منها 250 دونماً من أراضي القرية و250 دونماً من أراضي قرية النبي صالح المجاورة، والمعروفة باسم “الأحراش”.
وأضاف أن الينابيع أصبحت تحت سيطرة المستوطنين، فيما تواجه مدرسة القرية تهديداً مستمراً، كونها لا تبعد سوى 50 متراً عن البؤرة الاستيطانية المقامة في منطقة جبل الراس.
وأشار إلى أن المجلس القروي أصبح عاجزاً عن تقديم العديد من الخدمات بسبب عزوف التجار والموردين عن الوصول إلى القرية، إضافة إلى تراكم النفايات في الشوارع بعد منع طواقم المجلس من نقلها إلى المكب الرئيسي الذي تحول هو الآخر إلى بؤرة استيطانية.
ولفت إلى أن اعتداءات المستوطنين تتواصل بشكل يومي، وتشمل سرقة المواشي في وضح النهار، وحرق المنازل والممتلكات والأراضي الزراعية، وإحراق أشجار الزيتون.
وأوضح أن السنوات الثلاث الماضية شهدت اقتلاع نحو 4 آلاف شجرة زيتون، وتجريف مئات الدونمات في مناطق الواد الغربي والشرقي وواد الزيتون وغيرها، إضافة إلى تدمير خط المياه الرئيسي المغذي للقرية أكثر من مرة، وحرق مركبات المواطنين، ومنع مربي المواشي من الوصول إلى أراضيهم.
أم صفا نموذج لواقع الضفة
ولا تختلف أم صفا عن عشرات القرى والبلدات الفلسطينية التي تواجه تصاعداً في اعتداءات المستوطنين، والتي باتت تتخذ أشكالاً أكثر تنظيماً، من إحراق وتخريب واستيلاء على الأراضي وإقامة بؤر استيطانية جديدة.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد سُجل خلال الفترة الممتدة بين 19 و25 تموز/يوليو الجاري 648 اعتداء، منها 424 اعتداء نفذها جيش الاحتلال، و224 اعتداء نفذه المستوطنون.
وبحسب تقرير الهيئة حول انتهاكات النصف الأول من عام 2026، فقد نفذ المستوطنون 3488 اعتداء، تراوحت بين مهاجمة القرى الفلسطينية، وإطلاق النار على المواطنين، وإحراق المنازل والمركبات، وتخريب الممتلكات، والسيطرة على الأراضي، وإقامة البؤر الاستيطانية.
وتسببت هذه الاعتداءات باستشهاد 17 مواطناً، بينهم 9 شهداء في محافظة رام الله والبيرة، و3 في نابلس، وشهيدان في كل من القدس والخليل، وشهيد في سلفيت.
كما أدت الاعتداءات إلى تضرر 26 تجمعاً بدوياً، وترحيل 8 تجمعات بشكل جزئي و18 تجمعاً بشكل كامل منذ بداية العام.
وبيّن التقرير أن أعلى معدلات اعتداءات المستوطنين سُجلت في نابلس بواقع 900 اعتداء، والخليل بـ840، ورام الله والبيرة بـ780 اعتداء.
وخلال الفترة ذاتها، أقام المستوطنون 42 بؤرة استيطانية جديدة على أراضي المواطنين، معظمها بؤر رعوية، فيما صادرت سلطات الاحتلال أكثر من 4379 دونماً من أراضي المواطنين تحت مسميات مختلفة.
وتبقى أم صفا شاهداً على واقع يتكرر في مختلف أنحاء الضفة الغربية، حيث تتحول الأرض إلى ساحة مواجهة يومية بين سكان متمسكين بالبقاء، ومشروع استيطاني يسعى إلى اقتلاعهم من أماكنهم.

