كتب أنطوان شلحت : الفلسطيني وحاجته للحماية من مجتمع يحتفي بقتله

المسار : بالرغم من الحجم غير المسبوق للقتلى والدمار في قطاع غزّة (وكذلك في الضفة الغربية) فإن ردّات الفعل داخل المجتمع السياسي والمدني الإسرائيلي ما زالت متباينة، فضلاً عن أن المطالبة بالتدخل الخارجي المباشر لحماية الفلسطينيين تبقى حالة محدودة جداً وينظر إليها بأنها شاذّة. ولقد صادفتنا أصواتٌ من داخل إسرائيل تدعو إلى تدخّل دولي من أجل حماية الفلسطينيين، لا سيّما الأطفال، لكنها تبقى أقلية ضئيلة مقارنة بالمواقف السائدة، وتواجه انتقاداتٍ حادّة من اليمين في المؤسسة السياسية وفي المعارضة على حدٍّ سواء.

وتؤيد المعارضة، في معظمها، موقف الحكومة الإسرائيلية ومعظم أحزاب الائتلاف، الرافض فكرة التدخل الدولي لحماية الفلسطينيين، وتعتبرها مساساً بسيادة إسرائيل أو محاولة لتقييد عملياتها العسكرية، وتؤكد أن الجيش الإسرائيلي قادر على التحقيق في أي تجاوزات بنفسه.

وتفيد آخر معطيات منظمات حقوق الإنسان، بما فيها الإسرائيلية، بأن 1.7 مليون شخص في قطاع غزّة ما زالوا يعيشون في الخيام من دون كهرباء، ومن دون مياه جارية، ولا شبكة صرف صحي، وتنتشر الجرذان ومعها البعوض في كل مكان. وتتفشى الأمراض المُعدية، ويعاني عشرات آلاف جرّاء أمراض جلدية، وتلفح الشمس بحرارتها فتصبح درجات الحرارة داخل الخيام غير محتملة.

علاوةً على هذا كله، يواصل سلاح الجو الإسرائيلي قتل الأطفال في قطاع غزّة. وبموجب تقارير نشرت في وسائل إعلام إسرائيلية مستقلة، منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، قُتل 274 طفلاً، بمعدل طفل واحد يومياً، ومنذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر (2023)، قُتل أكثر من 21 ألف طفل. وهم في أغلبيتهم العظمى قُتلوا في غارات نفّذتها طائرات مأهولة وأُخرى مسيّرة، فيما قُتل عدد أقل منهم بنيران قناصة، أو جرّاء انهيار المباني، أو بسبب الشظايا. وبعضهم توفي متأثراً بجروحه، إذ ما عاد النظام الصحي المنهار في قطاع غزّة قادراً على علاج هذه الجروح، وإنقاذ حياة المصابين بها. وتشدّد هذه التقارير على أن أطفالاً آخرين توفوا بسبب الجوع والأمراض، لكنهم لا يُحسَبون ضمن حصيلة القتلى.

كما أنه وفقاً للتقارير الصادرة عن منظمات دولية، مثل “يونيسيف” و”إنقاذ الطفولة”، والمؤسسات الصحافية والطبية، يمثل الأطفال أكثر من 40% من إجمالي الضحايا والقتلى في قطاع غزّة. وما زال هناك آلاف الأطفال الآخرين المفقودين تحت الأنقاض، أو الذين أُصيبوا بإعاقات دائمة وظروف صحية وحالات سوء تغذية حادّة نتيجة الحصار والدمار الممنهج.

وعندما ارتأت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن تواجه الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي بهذه المعطيات الموثوقة، جاء ردّه على النحو التالي: “يرفض الجيش الإسرائيلي رفضاً قاطعاً الادّعاء القائل إنه توجد سياسة، أو نمط يتمثل في استهداف الأطفال عمداً؛ فالجيش في قطاع غزة يستهدف عناصر من المنظمات الإرهابية التي تواصل، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، محاولة تنفيذ مخططات إرهابية ضد قوات الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل، وذلك لضمان أمن الدولة. وتواصل حركة حماس العمل، وفق نهجها المعتاد، من خلال الاندماج وسط التجمعات السكانية والمنشآت المدنية، مستغلةً سكان القطاع وتقوم باستخدامهم دروعاً بشرية”!

الأسباب التي تبرّر بها الجهات الملحّة مطالبتها بوجوب حدوث تدخل دولي لحماية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ 1967 عديدة، أبرزها سببان: أن إسرائيل تخلّت عن مظهر شكلي كانت تتبعه ويقضي بمعاقبة كل من يقتل خارج الأوامر الرسمية، ولم تعد جرائم القتل تمرّ من دون معاقبة فحسب، بل بات يُحتفى بها علناً أيضاً. وأن هذا التخلّي يعني أن الدولة تجاوزت الخطوط التي التزمت بها حتى أكثر أنظمة القرن العشرين ظلاماً وأمست هناك حاجة لا إلى آليات رقابة إضافية، بل إلى جهة توقفها عن ذلك. وإذا كان كثيرون يعلقون آمالهم على النظام القضائي الإسرائيلي، فإن نظرةً واقعية إلى هذا النظام تُظهر أنه ليس سوى حلقة من الآلة الإجرامية للدولة والمجتمع الإسرائيلي في معظمه.

Share This Article