المسار : يصرّح رئيس الوزراء الإسرائيليّ، وغالبيّة القيادات السياسيّة والأمنيّة، على نحوٍ متكرّر، أنّ إسرائيل ستستمرّ في استخدام الأدوات العسكريّة والأمنيّة للتعامل مع ما تعتبره تهديدًا لأمنها، ولمنع تشكُّل أيّ تهديد مستقبليّ أو إعادة بناء قدرات عسكريّة لدى حركة حماس أو حزب الله أو إيران.
يفسّر العديد من المحلّلين الإسرائيليّين تصرُّفات الحكومة الإسرائيليّة بأنّها تنطلق من دوافع عقائديّة وأيديولوجيّة، ومن اعتبارات المصلحة السياسيّة للتحالف الحكوميّ، أو من رغبة نتنياهو في استمرار حالة الحرب لتحقيق أهداف شخصيّة واعتبارات انتخابيّة. ومن الواضح أنّ هذه الاعتبارات كلّها تلامس الواقع حقًّا. لكن ما يغيب عن قسم كبير من التحليلات الإسرائيليّة هو مواقف المجتمع الإسرائيليّ، الداعمة عمومًا للسياسات الأَمنيّة وللحروب التي تخوضها إسرائيل، التي توفّر بيئة داعمة بل محفّزة لاستمرار الحرب.
تتابع ورقة الموقف هذه مواقفَ المجتمع الإسرائيليّ تجاه السياسات الأمنيّة والعسكريّة والسياسات الخارجيّة للحكومة الإسرائيليّة، على نحوِ ما انعكس ذلك في الاستطلاع السنويّ لمركز “مِتْـﭬِـيم” للسياسة الخارجيّة الإقليميّة لعام 2026، وفي نتائج استطلاعات “الأمن القوميّ”، ما بين شباط وحزيران 2026، التي يُجريها معهد دراسات الأمن القوميّ في جامعة تل أبيب على نحوٍ شهريّ منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزّة عام 2023.
ترى الورقة أنّ مواقف المجتمع الإسرائيليّ لا تختلف عن سياسات الحكومة، إذ هي تؤيّد استخدام الأدوات الأمنيّة والعسكريّة واستمرار الحروب. وهذا الدعم قائم لدى غالبيّة المجتمع الإسرائيليّ، ولا يقتصر على مؤيّدي التحالف الحكوميّ. أمّا الفروق بين مواقف مؤيّدي التحالف الحكوميّ ومواقف مؤيّدي أحزاب المعارضة، فتتمثّل أساسًا في حدّة الدعم، وفي مدى أهمّيّة التنسيق مع الولايات المتّحدة في ما يتعلّق باستمرار الحروب أو استئنافها.
ويستمرّ هذا الدعم على الرغم من أنّ المجتمع الإسرائيليّ غير راضٍ عن محصّلة نتائج الحروب حتّى الآن، وعلى وجه الخصوص النتائج التي أعقبت استئناف الحرب على إيران في آذار 2026، ثمّ استئناف الحرب على لبنان، وصولًا إلى وقف إطلاق النار على الجبهتَيْن.
تَخْلص الورقة إلى أنّ دعم الحروب، وكذلك عدم الرضا عن نتائجها، من شأنهما أن يوفّرا بيئة داعمة ومحفّزة لاستئناف الحرب مستقبَلًا، بحجّة السعي إلى حسمها في الجبهات الأساسيّة، وبخاصّة أنّ ذلك يتماشى مع أهداف التحالف الحكوميّ السياسيّة والانتخابيّة. معنى هذا أنّ سياساتِ الحكومةِ الأمنيّةَ والعسكريّةَ تعكس، إلى حدّ بعيد، رغبات المجتمع الإسرائيليّ، ولا تَنتج فقط عن قناعات أيديولوجيّة ومَصالح سياسيّة للتحالف الحكوميّ.
دعم السياسات الخارجيّة
نشَرَ مركز “مِتْـﭬِـيم” المتخصّص في متابعة ودراسة السياسة الخارجيّة الإسرائيليّة في الإقليم، مطلع حزيران 2026، تقريرَه السنويَّ الذي حمل العنوان “مؤشّر السياسة الخارجيّة لعام 2026″، الذي يتناول مواقف وتقييم المجتمع في إسرائيل لسياسات إسرائيل الخارجيّة في الإقليم. يعرض التقرير صورةً مركَّبة لمواقف الجمهور في إسرائيل إزاء مكانة دولة إسرائيل الدوليّة، والحرب في قطاع غزّة، والقضيّة الفلسطينيّة، والعلاقات الإقليميّة، والسياسات تجاه إيران ولبنان وسوريا وتركيّا.
تكشف النتائج عن مفارَقة أساسيّة، إذ وضّحت وجود ارتفاع في تقييم المستطلَعين لمكانة إسرائيل الدوليّة مقارَنةً بالسنة الماضية، مقابل استمرار القلق الواضح من العزلة الدوليّة وتدنّي التقييم العامّ لأداء الحكومة في السياسة الخارجيّة. كذلك تُظهر المواقف وجود فروق بين تقييم مؤيّدي أحزاب الائتلاف وتقييم مؤيّدي أحزاب المعارضة، في عدد من الـمَحاور الأساسيّة.
في ما يتعلّق بمكانة إسرائيل في العالم، ارتفع معدّل تقييم الجمهور من 4.39 (من سلّم من عَشْر درجات) عام 2025 إلى 5.18 عام 2026؛ إذ يرى ما يقارب نصف المستطلَعين أنّ مكانة إسرائيل في العالم جيّدة أو جيّدة إلى حدٍّ ما. لكن هذا التحسُّن لا يعني الرضا عن السياسة الخارجيّة؛ إذ بقي معدّل تقييم أداء الحكومة في هذا المجال منخفضًا نسبيًّا، بلغ 4.72 من عَشْر، رغم تحسُّنه عن 3.93 في السنة السابقة. تبرز في هذا المحور الفجوة السياسيّة بوضوح؛ وذلك انّ مؤيّدي أحزاب الائتلاف أكثر رضا عن مكانة إسرائيل في العالم وعن أداء الحكومة، فقد عبّر نحو 75% من مصوّتي أحزاب التحالف الحكوميّ عن رضاهم عن مكانة إسرائيل الدوليّة، فيما عبّر 26% من مؤيّدي حزب بِياحَدْ “معًا” برئاسة نفتالي بِنِتْ ويائير لاﭘـيد عن رضاهم، وَ3% فقط من مؤيّدي حزب “الديموقراطيّون” برئاسة يائير ﭼــولان.
ورغم التحسُّن النسبيّ في التقييم العامّ لمكانة إسرائيل الدوليّة، عبّر 66% من المستطلَعين عن قلق كبير أو كبير جدًّا من تحوُّل إسرائيل إلى “دولة منبوذة” في العالم. وهذه النسبة أعلى ممّا في العام السابق حين بلغت 57%. ويشير ذلك إلى أنّ تحسُّن التقييم الذاتيّ للمكانة الدوليّة لا يلغي الإدراك الواسع لتراجع مكانة إسرائيل في الساحة العالميّة، وبخاصّة في ضوء الحرب على قطاع غزّة وتوتُّر العلاقات مع دول غربيّة ومؤسَّسات دوليّة.
معنى هذا أنّ غالبيّة المجتمع ترى أنّ وضع إسرائيل الدوليّ تَحَسَّنَ رغم استمرار الحروب الإسرائيليّة في المنطقة والتنكيل الممارَس في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وترى أنّ هناك خطورة في تحوُّل إسرائيل إلى دولة منبوذة، لكن الخلاف يدور حول أداء الحكومة إزاء وضع إسرائيل الدوليّ، ويُشتقّ في الأساس من الانتماء الحزبيّ والموقف السياسيّ، دون أن يؤدّي إلى مراجعة بشأن سياسات إسرائيل واستمرارها في شنّ الحروب.
توضّح نتائج الاستطلاع كذلك أنّ المجتمع الإسرائيليّ غير راضٍ عن إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامـﭗ للملفّات الإقليميّة، رغم الدعم الكبير الذي يوفّره الرئيس ترامـﭗ لإسرائيل وتَبَنِّيهِ الموقفَ الإسرائيليَّ في غالبيّة الملفّات. فبعد الضغوط الأميركيّة التي أدّت، بحسب التقرير، إلى وقف إطلاق نار في قطاع غزّة وإيران ولبنان، رأى 35% من المستطلَعين أنّ خطوات ترامـﭗ تضرّ بالمصالح الإسرائيليّة، فيما قال 28% إنّها قد تخدم إسرائيل على المدى القصير لكنّها تضرّ بها على المدى البعيد. 14% فقط اعتبروا أنّ سياسته تخدم المصالح الإسرائيليّة، مقابل نسبة مماثلة رأت أنّها قد تضرّ في المدى القصير لكنّها تفيد في المدى البعيد. وبِذا، لا يظهر في الاستطلاع تأييد واسع للسياسة الأميركيّة حتّى في ظلّ استمرار التحالف الإستراتيجيّ بين البلدَيْن.
تُوَضّح هذه النتائج أنّه رغم إدراك المجتمع الإسرائيليّ احتمالَ تحوُّل إسرائيل إلى دولة منبوذة، ورغم الوعي في ما يخصّ حاجة إسرائيل إلى دعم الولايات المتّحدة، وأهمّيّة دعم الولايات المتّحدة ودول أوروﭘـيّة مركزيّة لسياسات إسرائيل، يتبنّى المجتمع الإسرائيليّ مواقف داعمة للسياسات الخارجيّة والأمنيّة، التي تدفع بإسرائيل إلى عزلة دوليّة، بل تدفع بها أحيانًا إلى خلاف مع الإدارة الأمريكيّة وعدد من الدول الأوروﭘـيّة الداعمة بشكل تقليديّ لسياسات إسرائيل الخارجيّة والأمنيّة-على نحوِ ما توضّح الفِقرات التالية.
القضيّة الفلسطينيّة والحرب على قطاع غزّة
تُظهِر نتائج استطلاع مركز “مِتْـﭬِـيم” أنّ أغلبيّة المجتمع الاسرائيليّ تُعارِض عَقْد صفقة دوليّة تشمل إقامةَ دولة فلسطينيّة منزوعة السلاح، ونزْعَ سلاح حماس وإنهاءَ حكْمها في قطاع غزّة، وتطبيعًا كاملًا مع الدول العربيّة. فقد أيّد هذه الصفقةَ 39% وعارضها 45%- وهو موقف قريب من موقف الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة.
وبالنسبة للموقف من خطّة إعادة إعمار قطاع غزّة، قال 59% إنّهم يؤيّدون شكلًا من التعاون الإسرائيليّ مع جهود إعادة الإعمار الإقليميّة والدوليّة. لكن الأكثريّة داخل هذه الفئة، 39%، تفضّل أن تسمح إسرائيل بالمساعدة الدوليّة والإقليميّة من دون أن تشارك هي مباشرة، بينما يؤيّد 20% مشاركة إسرائيل الفاعلة وربط إعادة الإعمار بتحسين علاقاتها مع دول المنطقة والفلسطينيّين. في المقابل، يرفض 41% التعاون مع عمليّة إعادة الإعمار الإقليميّة.
أمّا خطّة “العشرين نقطة” التي طرحها الرئيس ترامـﭖ، والتي تشمل نزع سلاح حركة حماس وإعادة الإعمار ونشر قوّة دوليّة، والتقدّم نحو دولة فلسطينيّة بعد إجراء إصلاحات في السلطة الفلسطينيّة، فقد عارضها 42% وأيّدها 30%، ولم يحسم 28% موقفهم. هذه الخطّة تحظى بمعارضة واسعة بين مؤيّدي أحزاب الائتلاف، بينما تحظى بتأييد أكبر بين ناخبي أحزاب المعارضة. وعلى الجملة، يعارض المجتمع الإسرائيليّ هذه الخطّة التي طرحها الرئيس الأمريكيّ الداعم لإسرائيل.
وفي مسألةِ ما تسمّيه إسرائيل “هزيمة حماس”، نجد أنّ غالبيّة المجتمع الإسرائيليّ تدعم الحلول العسكريّة؛ إذ يفضّل 37% العودة إلى القتال واحتلال قِطاع غزّة كاملًا حتّى تدمير قدرات حماس، وَ17% يؤيّدون استمرار الضغط العسكريّ والسياسيّ والاقتصاديّ القائم. وفي المقابل، يفضّل 23% الدفع نحو إقامة بديل لحركة حماس لإدارة قِطاع غزّة، في إطار خطّة ترامـﭗ وبمساعدة قوّة دوليّة، فيما يؤيّد 11% إدخال قوّات تدخُّل دوليّة محلّ الجيش الإسرائيليّ لنزع السلاح في قِطاع غزّة.
وعند السؤال عن الحلّ للصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، بقي ضمّ الأراضي وفرض السيادة الإسرائيليّة على قطاع غزّة والضفّة الغربيّة الخيارَ الأكثر تأييدًا، وذلك بنسبة 33%. ويأتي حلّ الدولتَيْن ضمن اتّفاق تطبيع إقليميّ في المرتبة الثانية بنسبة 22%. أمّا إدارة الصراع من دون حلّ شامل، فنالت 15%. معنى هذا أنّ مواقف المجتمع الإسرائيليّ غير بعيدة عن موقف التحالف الحكوميّ في محور الاحتلال والقضيّة الفلسطينيّة.
العلاقات الإقليميّة والدوليّة
في مجال العلاقات الإقليميّة، يرى 29% من مُجْمَل المستطلَعين أنّ استمرار الحرب في قطاع غزّة يهدّد علاقات إسرائيل مع الدول العربيّة ومستقبل التطبيع، مقابل 26% يرَوْن أنّه يعزّز الرغبة العربيّة في التطبيع، وَ27% لا يرَوْن لها أثرًا مهمًّا. بِذا، ليس ثمّة حسم واضح في هذا المحور لدى المجتمع الإسرائيليّ.
أمّا الحرب مع إيران، فيعتقد 41% من المستطلَعين أنّها زادت رغبةَ الدول العربيّة في التطبيع مع إسرائيل، مقابل 15% يرَوْن أنّها خفّضتها. ويعني ذلك أنّ الجمهور يَقْرن الحرب في قطاع غزّة بحصول تأثير سلبيّ على العلاقات مع الدول العربيّة، لكنّه يرى المواجهة مع إيران بوصفها عنصرًا قد يعزّز تَقارُب دول الخليج مع إسرائيل.
وينقسم الجمهور بشأن تقديم تنازلات للفلسطينيّين مقابل تطبيع مع السعوديّة. فقد قال 37% إنّهم يدعمون تطبيعًا يترافق مع تقدُّمٍ نحو حلّ الدولتَيْن أو خطوات عمليّة في الضفّة الغربيّة، مثل تفكيك بؤر استيطانيّة، بينما يعارض 38% أيَّ تنازل للفلسطينيّين في مقابل التطبيع.
ويَبرز في التقرير موقف عدائيّ واسع تجاه الاتّحاد الأوروبيّ؛ إذ يرى 72% أنّ الاتّحاد الأوروﭘـيّ مُعادٍ لإسرائيل، مقابل 12% فقط يرَوْنه صديقًا. أمّا الموقف من ألمانيا فيختلف تمامًا؛ إذ يراها 67% صديقة وَ17% يرَوْنها معادية. ويعكس ذلك تمييزًا لدى الجمهور بين الاتّحادِ الأوروﭘـيّ كمؤسَّسة سياسيّة وبعضِ الدول الأوروﭘـيّة- ولا سيّما ألمانيا، باعتبارها شريكًا ثنائيًّا مهمًّا.
ملفّات أمنيّة إستراتيجيّة
في ملفّ إيران، يرى 36% أنّ انسحاب الولايات المتّحدة من الاتّفاق النوويّ عام 2018 كان خطأ، مقابل 34% يعتبرونه قرارًا صحيحًا، بينما بقي نحو الثلث بلا موقف. لكن هذا التقييم لا يُفْضي بالضرورة إلى تفضيل تسوية جديدة، إذ يؤيّد 49% استئناف الحرب ابتغاءَ إسقاط النظام الإيرانيّ، ويؤيّد 17% استئنافها من أجل التوصُّل إلى اتّفاق أفضل مع النظام في إيران. هنالك 12% فقط يرَوْن أنّ العمل العسكريّ استنفد نفسه، وأنّه ينبغي السعي إلى اتّفاق.
وبالنسبة إلى لبنان، يرى 66% أنّ الحزام الأمنيّ الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان يخدم أمن سكّان الشمال على المدى البعيد. كذلك يعتقد قِطاع واسع أنّ نزع سلاح حزب الله هدف واقعيّ في المستقبل القريب، لكنّهم يختلفون بشأن الوسائل؛ إذ يفضّل 34% استمرار الضغط العسكريّ الإسرائيليّ، بينما يؤيّد 18% ضغطًا إقليميًّا ودوليًّا تقوده الولايات المتّحدة والسعوديّة ودول الخليج، وَ16% يدعمون تقوية الحكومة والجيش اللبنانيَّيْن بمساعدة دوليّة. ويكشف ذلك أنّ المجتمع الإسرائيليّ يميل إلى قبول الحلول العسكريّة أيضًا في جبهة لبنان، وأنّ الدعم للحلول الدبلوماسيّة أقلّ بكثير.
وفي سوريا، ثمّة تراجُع في دعم إسقاط نظام أحمد الشرع عسكريًّا، من 22% في عام 2025 إلى 12% عام 2026. في المقابل، ترتفع إلى 47% نسبةُ المؤيّدين لعَقْد اتّفاق مؤقّت أو طويل الأمد مع سوريا. ومن هؤلاء، يؤيّد 20% عَقْد اتّفاق سياسيّ واقتصاديّ طويل المدى، ويؤيّد 13% إجراء ترتيب أمنيّ مؤقّت يشمل الانسحاب من الأراضي السوريّة مقابل نزع سلاح منطقة الحدود وتقديم ضمانات لحماية الدروز. ومع ذلك، يبقى 31% مؤيّدين للاستمرار في الردّ العسكريّ والحفاظ على الوجود الإسرائيليّ داخل الأراضي السوريّة.
على الجملة، تُوَضِّح نتائج الاستطلاع أنّ المجتمع الإسرائيليّ يدعم استعمال الأدوات والحلول العسكريّة الأمنيّة. وعلى الرغم من ذلك، يتّضح من استطلاع “الأمن القوميّ” لشهر حزيران 2026 أنّ غالبيّة المجتمع في إسرائيل ترى أنّ حالة إسرائيل الإستراتيجيّة والأمنيّة تراجعت في الأشهر الأخيرة، وذلك على ضوء عدم تحقيق أهداف الحرب الأخيرة على إيران وحزب الله، ووقف إطلاق النار نتيجة لقرار الرئيس الأمريكيّ ترامـﭗ.
تشاؤم إستراتيجيّ
وَفقًا لنتائج استطلاع “الأمن القوميّ” (وهو الاستطلاع الأوّل الذي يَصْدر بعد وقف إطلاق النار في لبنان والتوصُّل إلى اتّفاق إطار مع الحكومة اللبنانيّة)، نجد مستوياتِ عدمِ رضًى مرتفعةً لدى المجتمع الإسرائيليّ من نتائج الحرب على إيران وعلى لبنان.
في محور الحرب على لبنان، يقدّر 81% من المستطلَعين أنّ الوضع الأمنيّ في الشمال لا يوفّر حاليًّا الأمن للسكّان، فيما يعارض 57% انسحاب إسرائيل الكامل من جنوب لبنان- وإن التزم حزب الله باتّفاق وقف إطلاق النار.
وفي محور الحرب على إيران، يرى 66% من المستطلَعين أنّ مذكّرة التفاهم التي جرى التوصُّل إليها مؤخَّرًا بين الولايات المتّحدة وإيران سيّئة لإسرائيل؛ ويقدّر 37% أنّ إيران انتصرت في الحرب، فيما يرى 43% أنّ الحرب انتهت من دون حسم، مقابل 15% فقط يعتقدون أنّ إسرائيل هي المنتصرة.
ويؤيّد معظم الجمهور، 59%، تنفيذ عمل عسكريّ ضدّ حزب الله وإن كان ذاك لقاءَ حصول مواجهة مع الرئيس ترامـﭗ، فيما يرى 52% ذلك أيضًا بشأن تنفيذ عمل عسكريّ إضافيّ ضدّ إيران.
تصوُّر التهديدات والتحدّيات
تُوَضِّح النتائج تراجُع تقييم الجمهور لوضع الأمن القوميّ في إسرائيل مقارَنة بشهر أيّار 2026، فيما بقي الشعور بالأمن الشخصيّ منخفضًا نسبيًّا؛ إذ يصنّف 42% من الجمهور وضع الأمن القوميّ بأنّه سيّئ أو سيّئ جدًّا، ويصنّفه 37% بأنّه متوسّط، فيما يصنّفه 20% فقط بأنّه جيّد أو جيّد جدًّا. وتعكس هذه المعطيات تدهورًا مقارَنة باستطلاع أيّار 2026، حين صنّف 34% الوضع بأنّه سيّئ أو سيّئ جدًّا، وصنّفه 26% بأنّه جيّد أو جيّد جدًّا.
يفيد 29% من الجمهور بأنّ شعورهم بالأمن الشخصيّ مرتفع أو مرتفع جدًّا، ويفيد 43% بأنّ شعورهم بالأمن متوسّط، فيما يفيد 28% بأنّ شعورهم بالأمن منخفض أو منخفض جدًّا. وبالمقارنة مع استطلاع أيّار 2026، سُجِّل تراجُع طفيف؛ إذ أفاد آنذاك 32% بأنّ شعورهم بالأمن مرتفع أو مرتفع جدًّا، وَ26% بأنّ شعورهم بالأمن منخفض أو منخفض جدًّا.
تهديدات الجبهات المختلفة
ما زالت لبنان وإيران الساحتَيْن الأكثر إثارة لقلق الجمهور في إسرائيل؛ إذ يبدي 80% قلَقًا من الوضع الأمنيّ في لبنان، وَ76% قلَقًا من الوضع مقابل إيران، وَ61% قلَقًا من الوضع في الضفّة الغربيّة، وَ57% من الوضع في قطاع غزّة. أمّا مستوى القلَق، فهو أدنى بالنسبة إلى سوريا (32%) واليمن (30%). وبالمقارنة مع استطلاع نيسان 2026، سُجّل تراجُع طفيف في مستوى القلق في جميع الساحات المركزيّة، غير أنّ لبنان وإيران بقيتا في صدارة المخاوف الأَمنيّة.
مجتمَع داعم للسياسات الأمنيّة والحلول العسكريّة
يمكن القول، في خلاصة النتائج، إنّ المجتمع الإسرائيليّ يبدي قلقًا متزايدًا من العزلة الدوليّة، ومن تراجُع مكانة إسرائيل الدوليّة منذ بداية حرب الإبادة على قِطاع غزّة، لكنّه في المقابل يستمرّ في دعم الحلول العسكريّة والسياسات الأمنيّة المعمول بها، ويرفض حلّ القضيّة الفلسطينيّة وإنهاء الاحتلال. هذه المواقف المؤيّدة للحلول العسكريّة تَلْقى دعمًا عابرًا للانقسامات الحزبيّة، على الرغم من وجود بعض التمايز في قسم من الـمَحاور بين داعمي التحالف الحكوميّ وداعمي المعارضة. معنى هذا أنّ المجتمع الإسرائيليّ ما زال يفضّل الحلول العسكريّة، على الرغم من أنّه يرى أنّها لم تؤدِّ إلى تحسين الحالة الأمنيّة والإستراتيجيّة لإسرائيل، على نحوِ ما يتّضح من نتائج استطلاع “الأمن القوميّ”.
دعْم الحرب في المجتمع الإسرائيليّ منذ السابع من أكتوبر 2023 لا يُعَدّ حالة شاذّة. في الغالب، يدعم المجتمع الإسرائيليّ الحروب والأدوات الأمنيّة والعسكريّة التي تتّخذها الحكومات الإسرائيليّة. ويأتي هذا نتيجة التنشئة السياسيّة المعسكرة في المجتمع الاسرائيليّ، واقتناع المجتمع الإسرائيليّ، كمجتمع استعماريّ، بجدوى استخدام العنف لفرض المصالح والأهداف والسياسات الإسرائيليّة على الفلسطينيّين. ولا يقلّ أهمّيّة عن هذا أنّ الأحزاب الإسرائيليّة -سواء في ذلك المشارِكةُ في التحالف الحكوميّ أو المعارِضةُ- لا تَعْرض أيّ بديل عن الأدوات الأمنيّة والعسكريّة التي تستخدمها الحكومة، وبخاصّة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، ولا تقترح مشاريع سياسيّة لإنهاء الاحتلال والاستيطان أو حرب الإبادة. بِذا، فإنّ الإجماع حول دعم الحرب مشترَك لدى المجتمع والأحزاب ومراكز الأبحاث والإعلام في إسرائيل.
هذه الأجواء توفّر بيئة داعمة للحكومة، بل إنّها تحفّزها على الاستمرار في تَبَنّي وتفضيل الحلول العسكريّة والأمنيّة، لأنّ هذا يعكس أيضًا قناعاتِ مركِّبات التحالف الحكوميّ ويخدم مصالحه العقائديّة والسياسيّة والانتخابيّة، وكذلك لأنّ التحالف الحكوميّ، الذي يقرأ هو كذلك مواقفَ المجتمع الإسرائيليّ، يعتقد أنّ الحلول الأمنيّة والعسكريّة يمْكنها أن تحسّن مكانته السياسيّة والانتخابيّة لكونها تَلقى دعمًا واسعًا في المجتمع الإسرائيليّ.

