كتب نعيم حرب : الانهيار الصامت في الضفة الغربية.. حين تتحوّل الأرقام إلى وجوه

المسار :  لم تعد المؤشرات الاقتصادية مجرّد مؤشرات تُنشر في تقارير البنك الدولي أو بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني أو يستعرضها المحللون والاقتصاديون بالأرقام في اللقاءات الصحفية أو الإذاعية، تحوّلت هذه الأرقام وتقسمها إلى وجوه: أبٍ يبيع أثاث بيته ليُطعم أطفاله، وشابّةٍ تُرجئ زواجها إلى أجلٍ غير مسمّى، وأمٍّ تُقلّب حبة الدواء إلى نصفين كي تكفي شهرًا كاملًا. شاب يترك الوطن للبحث عن حياة كريمة، وآخر يتعرض للموت على جدار الضمّ أثناء محاولات العبور للعمل داخل الخط الأخضر، وآخرون يستقلون سيارة النفايات، وكثيرة هي أوجه المعاناة ومظاهرها في واقع لا يرحم ولا يوجد من يمدّ يد العون للمعالجة. يعيش أكثر من ثلث سكان الضفة الغربية تحت خط الفقر في وقت تجاوزت فيه نسبة البطالة أكثر من 30% في بعض المحافظات التي باتت مختبرًا قاسيًا لتفكك اجتماعي صامت يتفاقم شهرًا بعد شهر وعامًا بعد عام، فيما تُواصل السلطة الوطنية الفلسطينية — التي يُفترض أنها الجهة الراعية الأولى — إدارة الأزمة بعقلية “الحدّ الأدنى” والبقاء على قيد الحياة، بدلًا من مواجهتها بعقلية الدولة وعدالةِ توزيع الموارد والمقدرات.

لا يمكن لأحدٍ إنكار أن الاحتلال الإسرائيلي الذي يُمثّل البنية التحتية الخانقة لأي اقتصاد فلسطيني، حيث حواجز عسكرية تُقطّع أوصال المحافظات، وسيطرة شبه كاملة على المعابر والموارد، واحتجاز متكرر لأموال المقاصة، وتوسّع استيطاني يلتهم الأرض والفرص، وقيود مشدّدة على حركة البضائع والأفراد، وهدم منازل ومنشآت تجارية، وممارسة كل ما من شأنه تدمير الحياة الاقتصادية للشعب الفلسطيني. لكنّ الاختزال في عامل الاحتلال وحده يُعفي السلطة من مسؤولياتها الحقيقية؛ فبعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيسها، لم تنجح السلطة في بناء اقتصاد إنتاجي مستقل، بل أسّست لاقتصاد ريعي يعتمد على المساعدات الخارجية التي تتقلّص عامًا بعد عام، وأموال المقاصة التي تتحكّم فيها إسرائيل وتستخدمها كورقة ابتزاز سياسي، وقطاع عام متضخّم يستنزف أكثر من 60% من الموازنة على الرواتب، من دون أن يقابله إنتاج حقيقي، وغياب سياسة ضريبية عادلة تُثقل كاهل الطبقة الوسطى والصغيرة بينما تُعفي رؤوس الأموال الكبيرة.

ومع تصاعد الإجراءات الإسرائيلية بعد أكتوبر 2023، وإغلاق الأسواق الإسرائيلية أمام العمالة الفلسطينية، واحتجاز أموال المقاصة لشهور متتالية، دخلت الضفة الغربية في حالة شلل اقتصادي شبه كامل، تجلّت في عجز السلطة عن دفع رواتب موظفيها كاملة، وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. بل تركت انعكاساتها الاجتماعية تنخر في الجسم الفلسطيني وبداية تآكل النسيج الإنساني والاجتماعي؛ فالأزمة الاقتصادية لا تبقى في الأسواق والمصارف، بل إنها تتسرّب إلى غرف النوم ومقاعد الدراسة وعيادات الطب النفسي، حيث تفكّك الأسرة وارتفاع نسب العنف الأسري فالضغط المالي المتواصل حوّل البيت الفلسطيني إلى ساحة توتر دائم، وتقارير مؤسسات حقوقية محلية تشير إلى ارتفاع ملحوظ في حالات العنف الأسري والطلاق، لا سيّما في الفئة العمرية الشابة؛ فالأب العاجز عن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات يفقد سلطته المعنوية، والأم المنهكة بين العمل والرعاية تتآكل قدرتها على الاحتواء والشاب الذي يبحث عن حلمه أمام انسداد الأفق الاقتصادي وغياب الفرص، باتت هجرته خيارًا شبه إجباري خصوصًا حاملي الشهادات الجامعية. هذا النزيف البشري يُفرغ المجتمع من طاقته الإنتاجية والإبداعية، ويترك خلفه مجتمعًا مُسنًّا ومُنهكًا، عائلات كثيرة تُخرج أبناءها من الجامعات وأخرى تُوجّههم نحو سوق العمل مبكرًا بدون إتمام الدراسة، فالمدارس الحكومية تعاني من نقص الكوادر بعد إضرابات المعلمين المتكررة احتجاجًا على تأخّر الرواتب والنتيجة جيل يتشكّل وعيه وتصقل شخصية وعقليته على الإحباط لا على الطموح. فالاكتئاب، القلق، فقدان الأمل، وارتفاع نسب الانتحار كلها مؤشرات تتصاعد في الضفة الغربية، لكنّ التعامل الرسمي معها لا يزال خجولًا وموسميًا ولا توجد استراتيجية وطنية للصحة النفسية، ولا مراكز كافية، ولا إدماج حقيقي لهذه القضايا في السياسات العامة، في الوقت الذي تتآكل الطبقة الوسطى بسرعه التي كانت عماد الاستقرار الاجتماعي في المقابل، تتّسع الفجوة بين قلة تستفيد من الاحتكارات والعقود الحكومية، وأغلبية تغرق في الديون والقروض البنكية التي تُثقل كاهلها بفوائد مرتفعة.

ليس الأمر مجرّد قصور في الموارد؛ فالسلطة الوطنية الفلسطينية على مدى سنوات طويلة، اختارت بوعي أو بغياب وعي أن تُدير الظهر للأزمات الاجتماعية، حيث لم تعمل على إيجاد شبكة حماية اجتماعية حقيقية. مخصصات الشؤون الاجتماعية تُدفع بشكل متقطّع، وبمبالغ لا تكفي لسدّ الرمق، آلاف الأسر المُسجّلة على قوائم الانتظار لم تتلقَّ أي دعم منذ سنوات. لا توجد سياسة تشغيل وطنية؛ فبدلًا من استثمار الموارد في مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة، تُوجَّه الموازنة نحو الرواتب والنفقات التشغيلية ورفاهية عيش الطبقة الحاكمة هناك غياب استراتيجية للأمن الغذائي؛ فالضفة الغربية تستورد أكثر من 80% من غذائها، فيما الأراضي الزراعية تُهمل وتُصادر دون خطط بديلة، ربما يظهر هنا عامل خطير جدًّا يتمثل في غياب المساءلة الحقيقية؛ فالفساد الإداري والمالي يستنزف ما تبقّى من موارد، من دون محاسبة جادة أو شفافية في الإنفاق. وتبرز أولويات السلطة في تقديم الأمن على التنمية؛ فالموازنة الأمنية تستحوذ على حصة كبيرة من الإنفاق، فيما تُهمَّش قطاعات الزراعة والتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية. تُواصل السلطة إصدار بيانات وخطط استراتيجية على الورق: “أجندة السياسات الوطنية”، “خطة التنمية بالعناقيد”، موازنة برامج ، موازنة مشاريع وغيرها، لكنّ المواطن في مخيم جنين أو مسافر يطا أو الأغوار لا يرى من هذه الخطط شيئًا توجد فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي الذي باتت هُوّة سحيقة تُغذّي فقدان الثقة بالمؤسسة الرسمية، كما أن هناك خطابًا إعلاميًا منفصلًا عن الواقع ويترك المجال للتأويل مع غياب المسؤول عن المواجهة والتوضيح لما يجري هو هروب وعجز عن مواجهة الحقيقة؛ فلا تكفي دعوات المسؤولين للصمود في ظل غياب مبرمج لمقوماته، ولا دعوات التحمّل والصبر في الوقت الذي يعيش هو وأسرته ومحيطه في واقعٍ آخر تمامًا، بل عالمٍ ثانٍ وليس ذاته الذي يعاني فيه المواطن البسيط.

بدلًا من بناء اقتصاد وطني مستقل أو اقتصاد مقاوم، ظلّت السلطة مرتهنة لاشتراطات المانحين الدوليين، ما جعل قراراتها الاقتصادية والاجتماعية خاضعة لأجندات خارجية ولا تُراعي بالضرورة الأولويات المحلية. بل ارتهانٌ مطلق للمانح الخارجي بعيدًا عن احتياجات وأولويات المجتمع، بل نريد ضخّ مال. لماذا؟ وما هي القيمة المضافة لهذا المال؟ أكيدٌ أنّ الإجابة ليست أولويات الناس وتلبية احتياجاتهم. وأمام كل هذه الصورة الضبابية أو السوداء، فإنّ الخروج من هذه الدوّامة ليس مستحيلًا، لكنه يتطلّب إرادة سياسية صلبة وإصلاحًا بنيويًا لا يُمكن تأجيله على كافة المستويات فعلى مستوى السياسات العامة مثلا من خلال إعادة هيكلة الموازنة العامة لصالح قطاعات الإنتاج والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، مع تقليص النفقات الأمنية والإدارية غير المبررة، وإطلاق برنامج وطني للتشغيل يركّز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والزراعة، والتكنولوجيا، مع إعفاءات ضريبية للسنوات الأولى، وتأسيس صندوق سيادي فلسطيني تُودع فيه عوائد الاستثمارات العامة، بعيدًا عن التصرّف الفردي والمزاجية السياسية، يسوده النزاهة والشفافية والمكاشفة والمحاسبة الفعلية. وإصلاح النظام الضريبي ليكون تصاعديًا وعادلًا، مع مكافحة التهرّب الضريبي والاحتكار.

وعلى مستوى الحماية الاجتماعية يتم بناء شبكة أمان اجتماعي شاملة تشمل التأمين الصحي الشامل، ومخصصات بطالة، ودعمًا مباشرًا للأسر الأشد فقرًا، بتمويل محلي مستدام لا يعتمد على المانح وشروطه. وتفعيل دور البلديات والمجالس المحلية في تقديم الخدمات الاجتماعية، بدلًا من مركزية القرار في رام الله. مع إدماج الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية، وتخصيص موازنة مستقلة لها. وعلى مستوى الحوكمة والمساءلة يجري تفعيل دور ديوان الرقابة المالية والإدارية ونشر تقاريره علنًا. إجراء انتخابات تُعيد الشرعية للمؤسسات وتُتيح للمواطن محاسبة صانع القرار وإشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص والأكاديمي في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بدلًا من احتكار القرار في دائرة ضيقة. وعلى مستوى تعزيز الصمود المجتمعي العمل على دعم التعاونيات الزراعية والعمالية كبدائل اقتصادية تُعزّز التكافل المحلي وتقلّل الاعتماد على السوق الإسرائيلية. الاستثمار في التعليم المهني والتقني لتخريج كوادر قادرة على سدّ احتياجات السوق المحلية. تفعيل دور المؤسسات الأهلية في تقديم خدمات اجتماعية وتعليمية مساندة.

في نهاية المطاف، ليست الأزمة الاقتصادية مجرّد أرقام في تقرير، ولا الانهيار الاجتماعي مجرّد إحصائية. خلف كل نسبة بطالة هناك شابٌّ فقد ثقته بنفسه، وخلف كل أسرة تحت خط الفقر هناك أطفال يكبرون على الإحساس بالنقص، وخلف كل تأخّر في الرواتب هناك موظف يقف عاجزًا أمام صيدلية أو بقّال. فالسلطة الوطنية، التي وُلدت من رحم تضحيات الشعب الفلسطيني، مطالبة بأن تتذكّر أن شرعيتها لا تُستمدّ من الاعتراف الدولي وحده، بل من قدرتها على حماية كرامة مواطنيها وتأمين حدّ أدنى من الحياة الكريمة لهم. والتقاعس عن ذلك ليس فشلًا إداريًا فحسب؛ إنما هو خيانة للعقد الاجتماعي والوطني غير المكتوب بين الحاكم والمحكوم. والأساس القائم والحقيقة الساطعة أن كل الإنجازات هي ثمرة نضال وتضحيات شرائح من هذا الشعب.

الضفة الغربية لا تعيش أزمة عابرة يمكن احتواؤها بمسكّنات مؤقتة أو قروض بنكية إضافية. ما يحدث هو تآكل بطيء لكنه عميق في بنية المجتمع، وإذا استمرّ التقاعس الرسمي، فإن الكلفة لن تُقاس بالأرقام الاقتصادية وحدها، بل بجيل كامل ينشأ على فقدان الأمل، ومجتمع يفقد قدرته على التماسك والمقاومة. ويصبح عرضه للتفكك والانهيار. فالخروج من هذا النفق ليس ترفًا فكريًا ولا بندًا في خطة استراتيجية تُنسى في الأدراج. إنه ضرورة وجودية حيث لم يعد والسؤال هل تستطيع السلطة أن تفعل شيئًا؟ بل: هل تريد أن تفعل؟ والناس، في الأسواق والبيوت والمخيمات، لم يعودوا يملكون رفاهية ال000000000000000000000000000000000000000000000000000000انتظار. الوقت لا ينتظر وعجلته دائمة الدوران…..!!!!

Share This Article