(فيديو) باحثة فلسطينية : الجهات الرسمية الفلسطينية تتساهل في ملف المناهج لصالح ملف استقرار وجودها

المسار:  عن القدس العربي – ترى الدكتورة أسماء الشرباتي، وهي باحثة وأكاديمية فلسطينية بارزة، أن ما تتعرض له المناهج الفلسطينية هي حرب حقيقية بفعل الضغوط الدولية والتي تشهد استجابة فلسطينية رسمية وهو ما يجعلها أقل تمثيلا للشعب الفلسطيني.
ورأت الشرباتي، وهي شخصية عامة في العمل المجتمعي والسياسي المحلي، وهي تُعد أول امرأة تشغل منصب نائب رئيس بلدية الخليل، ثم تولت رئاسة البلدية بالإنابة عقب اعتقال رئيسها من سلطات الاحتلال، أن سياق وزمان نظام التعليم الفلسطيني الجديد الذي يحمل اسم «مصادر التعليم المفتوحة» يجعله مسألة أبعد ما تكون عن «جودة التعليم الفلسطيني».
وتحمل الشرباتي درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة بيرزيت عن أطروحة حملت عنوان «تمثلات الهوية الفلسطينية في الكتب المدرسية الفلسطينية: استراتيجيات الاحتواء والإقصاء».
وترى أن الفلسطينيين بعد نحو 26 عام من تدريس منهاجهم الخاص بدأوا يعودون لمرحلة الصفر، حيث أصبحنا «لا ندرس منهاجا فلسطينيا خاصا وبأٌقلام فلسطينية، إنما نعود لمنهاج يضعه الآخر ليعلمنا خوفاً من توقف مال المانحين»، وهو أمر يعزز مشاعر خوف الشرباتي التي ترى «أن الجهات الرسمية الفلسطينية تتساهل جدا في ملف المناهج لصالح ملف استقرار السلطة الوجودي».

وفيما يلي نص الحوار:
○ الموضوع الأهم فلسطينياً هذه الأيام هو مشروع مصادر التعليم المفتوحة، ما رأيك بالمشروع من ناحية المبدأ؟
• فكرة التعليم المعتمد على مصادر التعليم المفتوحة لا يُؤخذ خارج السياق والزمان الفلسطيني اليوم، أنا أراه خطِيرا جداً، ولا أستطيع عزله أو التفكير فيه كمنهجية فيها نوع من التطور والحداثة بقدر ما أراه إطارا له علاقة بضغوط خارجية ومرتبطة بالمانحين وكيف يريدون إعادة تشكيل المواطن الفلسطيني من خلال المناهج الفلسطينية.
○ وكأنه من حيث المبدأ قرار جيد، لكنك تقولين إنه لا يمكن تجاهل السياق والزمان؟
• ويمكن أن يكون فخا في ظل أن ظاهر المشروع تقديمه ضمن سياق رفع جودة التعليم، لكنه كمنهجية جيدة شريطة أن تضاف للكتاب المدرسي ولا تلغيه. أما في السياق الفلسطيني فهناك أمور إشكالية مثل: سرعة تنفيذ القرار، لاحظنا أن هناك مباغتة للمجتمع بهذا القرار خلال أقل من عام، إلى جانب ضعف البحث الذي بني عليه القرار، فنحن لم نقرأ عن المدارس الـ64 التي خضعت للتجريب العام الماضي، كما أن مسألة تعميمها بهذه السرعة لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن الاشتراطات التي وضعت عام 2024 و2023، حيث تم اشتراط تمويل السلطة الفلسطينية بتعديل المناهج.
في هذا السياق، نرى أن تبني خطاب جودة التعليم مسألة خطرة، فالصيغة والبيئة والزمن والتوقيت كلها تشير لموضع آخر بعيد عن الجودة، تشير لأداة استخدمت للتخلص من المنهاج المُحدث وهذا لا يحدث لأول مرة، ففي عام 2000 عندما أصدر أول منهاج فلسطيني، كان هناك أيضا نقد دولي عالي المستوى بضبط المناهج الفلسطينية، إذ صدر كتابان تعليميان للصف الأول والسادس، وفي نهاية شهر أيلول/سبتمبر صدر تقرير دولي صادر عن مركز مراقبة تأثير السلام «CMIP»، والذي تحول اسمه لاحقاً إلى «IMPACT-se»، هذا التقرير تبناه الاتحاد الأوروبي والبرلمانات الأوروبية والكونغرس الأمريكي، وبناء عليه وضعت لجان جديدة مبنية على التقرير كمرجع أول باللغة الإنجليزية لتقييم المناهج، وكان التقييم سلبي جداً في تحليله للنصوص المدرسية، وأوقف على إثر التقرير تمويل المناهج الفلسطينية، ومن الجدير بالذكر ان من كتب التقرير هو مستوطن إسرائيلي كان يعيش في مستوطنة «أفرات».
○ سأرجع إلى مشروع وزارة التربية والتعليم، أرى أن أي شخص يحمل وجهة نظر نقدية سيكون لديه تحفظات على المنهاج، وأنت اليوم تدافعين عنه.. البعض يقول إن غياب المنهاج يمكن أن يخدم ويعزز ويعلي من قيمة التعليم البديل وطرق التعليم المتداخل، ما رأيك؟
• دعني أُفند هذا الادعاء، على الصعيد التنفيذي نحن نتحدث عن أضعف مرحلة كانت فيها الإدارة التعليمية على العموم في الضفة الغربية وقطاع غزة قادرة على السيطرة على التعليم وعلى جودته، بحكم وجود إضرابات المعلمين وعدم إعطائهم رواتبهم، وبحكم الدوام يومين أو ثلاثة فقط في الأسبوع، إلى جانب خروجنا قبل سنوات قليلة من تجربة جائحة كورونا. وبالتالي هناك مساءلة كبيرة لفكرة قدرة النظام التعليمي على تحقيق جودة التعليم خلال السنوات الماضية والقادمة، لقد كان النظام التعليمي حقل تجارب بسبب التغيرات التي حدثت فيه، الوضع عموما غير مستقر أكاديمياً، بالإضافة إلى غياب برامج تدريب حقيقية للمدرسين بهذه الفترة القصيرة، وكذلك العجز عن تقديم التدريب الكافي، إلى جانب البنية التحتية التكنولوجية الضعيفة في المدارس، كل ذلك يقول إن هناك عدم جاهزية لإدارة هذا الملف المهم، وكل ذلك ليس قضيتي. فالبُعد الآخر وهو الأهم، مرتبط بسياق إنتاج هذا النظام، المنهج الذي صدر عام 2000، احتاج ست سنوات من أجل إدخاله في العملية التعليمية، ما نرصده أن كل المؤشرات لا تدلل على أن الهدف أو المحور الرئيسي للوزارة كان جودة التعليم، وهذا يجعلنا نقول إن هذا القرار لا يؤخذ بذاته، لأن العنوان بما يحوي من أدوات تشير إلى تحسين الجودة فيها بريق لامع يمكن أن يلفت النظر، لكن، القضية تؤخذ في سياقها السياسي العام، وأرى أن سياقها خطير.
○ البعض يقول إن وزارة التربية والتعليم «ذكية جدا»، حيث حولت النقاش من تعديل المناهج بفعل الضغط الدولي إلى نقاش نظام التعليم مفتوح المصادر برأيك أيضاً هل هو قرار ذكي؟
• أنا أرى أن هذه مناورة، وهو قرار أكبر من وزارة التربية والتعليم، هذا توجه حكومي، وهناك اشتراطات سياسية ضخمة على السلطة الوطنية ومعلن عنها من عام 2023 و2024، أو سابقاً، وبآخر تعديل ألزمت الوزارة في تعديل الكتب المدرسية وأعتقد أن التعديلات التي حدثت عام 2020 كانت بناءً على إلزام المانحين، وعلى رأسها تقرير مؤسسة «جورج إيكرت» الألمانية وهي تعديلات كانت مخجلة، حيث يتم الخضوع لتعديلات في بعض النصوص التي لها علاقة بتمثيل الاحتلال ولها علاقة بمفردات تتعلق بالشهادة والجهاد أو المقاومة الفلسطينية على اختلاف أشكالها السلمي وغير السلمي.
بالنسبة لي فإن تنفيذ الحكومة للكثير من التغيرات عام 2020، كانت مؤشرا على أن الأمور ذاهبة باتجاه الأسوأ، أنا الآن أدافع عن منهاج لا أراه جيدا بتمثيل الهوية الفلسطينية، وبالعكس، عندي انتقادات محورية على محتوى المنهاج، ولكن، إلغاءه مناورة من الحكومة للتخلص من الضغط المجتمعي في ظل وجود تغييرات إضافية تتعلق بمحو مكونات الهوية الفلسطينية داخل المنهاج، وهو أمر كان سيعرض الحكومة لمزيد من الحرج السياسي، لقد خضعوا العام الماضي وابتكروا نظام الكراسات أو الرزم التعليمية.
إن المجتمع الفلسطيني يقدس التعليم ولن يقبل بسهولة التغييرات الفجة المطلوبة من الحكومة تغييرها خلال الفترة الماضية، أعتقد، ولا أتكلم بناءً على أدلة حاسمة، ولكن، قراءة المشهد تشير إلى أن الحكومة تستعمل النظام الجديد كمناورة للتخلص من مشكلتين، الحرج الدولي بلزومية التغيير، والحرج المجتمعي الفلسطيني بأننا لا نقبل بهذه التغييرات، وما يحقق ذلك هو الذهاب إلى منهج المصادر المفتوحة وإزاحة الكتاب كله.
○ في المؤتمر الصحافي الذي عقد قبل فترة، أكدت الوزارة أن الكتاب-المنهاج سيكون موجودا؟
• لاحظ أن هذا تغيير في الخطاب، لأن من تحدثت في المؤتمر الصحافي مستشارة وزير التربية والتعليم عليا العسيلي هي نفسها أكدت قبل شهر أن المصادر المفتوحة لن تعتمد على الكتاب الفلسطيني ولا توجد مرجعية للكتاب المدرسي.
○ تأكيدا على كلامك، لقد تقصيّت كصحافي من مدرسين ومدرسات تلقوا مؤخرا تدريبات على النظام الجديد، وأكدوا أن التعليمات التي وجهت إليهم نصت على منع وجود الكتاب في المدرسة؟
• بالضبط. موضوع الرزم التعليمية كانت مرحلة انتقالية حاولوا فيها قياس الموقف من إجراء تغييرات في الرزم التعليمية، فالتغييرات الجديدة غير موجودة في الكتب، وهذا خلق ممانعة أقل لدى المجتمع في ردة فعله على الحكومة أو الوزارة. حاليا ما نلاحظه أن الضغوط الدولية عالية جداً على الحكومة، بالإضافة إلى التقارير الدولية التي نشرت في شهر آذار/مارس وشباط/فبراير وكانون الثاني/يناير والتي أشارت بوضوح عن تفاعل إيجابي من الطرف الفلسطيني في تقبل الاشتراطات المتعلقة في المنهاج والعمل على تغييرها، وبالتالي هذا يدلل على قبول الحكومة الفلسطينية بتنفيذ ما ورد من اشتراطات دولية قبل الحصول على التمويل الأخير.
○ كأنك تقولين إن فكرة عدم ثقة المجتمع أو الأهالي بوزارة التربية والتعليم مسألة مبررة؟
• الموضوع حساس، وله تاريخ طويل، هذه ليست المرة الأولى التي نتعرض فيها للابتزاز من خلال الكتب المدرسية، وليست المرة الأولى التي يتم فيها التعديل بناءً على ضغط المانحين، هذه تجربة مررنا بها عام 2000، وكتب فيها العديد من الأكاديميين حيث رصدوا التغييرات والتعديلات.
أصلاً المنهاج الذي صدر عام 2000، كان عبارة عن منهاج هجين، الفلسطينيون لم يرو فيه منهاجا ممثلا لهم ولهويتهم الفلسطينية، غلاف بعض الكتب حمل خريطة أوسلو، والمميز فيها فصل الضفة عن غزة عن مناطق الداخل الفلسطيني. لاحظت أنه في عام 2017 تعلمت المؤسسات التعليمية الرسمية أن تكون أكثر احترافية في إخفاء النقاط الجدلية، بمعنى، أصبحت تملك خبرة حول النصوص التي قد تثير الممولين، وبنفس الوقت، تعلمت كيف ترضي المجتمع وذلك عبر المناورات، وأنا أراها أخطر مما حدث للكتاب المدرسي عام 2000، حيث كانت التعديلات فظة مثلا لقد كانت كلمة القدس مفلترة، كلمة مفردة النكبة حيث حضرت مرات قليلة جداً، التاريخ النضالي لفلسطين شبه غائب، الخريطة كان عليها جدل كبير، أما عام 2017، فكانت التعديلات أكثر احترافية في إخفاء المناطق الجدلية، لم يضع حدود أوسلو على الخريطة، الخريطة كانت نسبياً هي خريطة فلسطين التاريخية لكن النص ثبتَّ الحدود والحواجز، وأكد على الفوارق ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل الفلسطيني، ولم يتحدث عن فلسطين الوطن، إنما تحدث عن فلسطين الدولة، وبالتالي تجنب ردود الفعل المجتمعية، وبنفس الوقت تقبله المجتمع الدولي، والأخير ما زال يقوم بمراجعات سنوية للمنهاج الفلسطيني، في نهاية 2025، صدرت آخر مراجعة عبر تقرير دولي وكانت النتائج سلبية جداً، حتى أن بعض التقارير الدولية انتقدت بعضها عندما قال تقرير كتب بلغة راديكالية إن التقرير الدولي الأخير متساهل مع المناهج الفلسطينية!
○ في العودة إلى المشروع الجديد، وحتى لو قلنا بعدم تسييس الموضوع، فالطريقة والواقع الذي تمر فيه المدارس، يتطلب ألا نعتمد المشروع في هذه الفترة بهذه الكثافة، وهو موقف ائتلافات تربوية وخبراء.. ما رأيك؟
• المسألة حتى على صعيد تنفيذها مخلة بالعمل العام التربوي الذي تستحقه أي منطقة، أي مشروع كي ينجح يجب أن يخضع للتجريب.. أبسط أداة منهجية جديدة يمكن أن تدخل على القطاع التربوي تحتاج إلى عمل احترافي. أنت تريد تغيير نظام تربوي بالكامل بطريقة غير احترافية، عدد أيام دوام المدرسين قليل، وغير مدربين على الأسلوب الجديد، والمسألة تقوم على ضميره وقدرته وإبداعه في العودة إلى المصادر غير المحددة، قد تكون مصادر المدرسين الجدد (الشات جي بي تي) مثلاً، بالتالي أنت ستذهب لواجبات سريعة من الذكاء الاصطناعي للتدريس البديل في مادة خالية من المفاهيم الوطنية. إنهم يتحدثون عن دعاية إعلامية بأننا سنتحدث عن فلسطين أكثر مما كانت في السابق وهذا غير مضمون بالنسبة لنا.
○ لماذا.. البعض يقول إنه يمكن أن يكون المشروع مدخلا للحديث عن فلسطين أكثر، طالما لا يوجد منهاج، ولا يوجد من يراقبنا، وبالتالي ستكون الضغوطات أقل.. ما رأيك؟
• كيف ستفحص، ما هي الأدوات التي أدخلتها لضمان دخول مفردات وطنية حقيقية جاهزة على المنهاج، لا يوجد معيار أصلاً لقدرتك على رصد نجاح أو فشل هذه التجربة خلال الشهور القادمة، السرعة والعجلة التي تنفذ الوزارة فيها هذا الموضوع مقلقة جداً جداً.
بالنسبة لي، إما أن يكون للمجتمع موقف موحد للدفع بإيقاف هذا المشروع، والآن تحديدا أو لا يوجد لاحقا، نحن نتحدث عن فترة أقل من شهر، وعلى المدراس أن تكون ملزمة بالتنفيذ، أنا مع أن يتحرك المجتمع وأولياء الأمور لصالح أبنائهم، فنحن أمام مسألة لها علاقة فعلاً بمستقبل أولادنا، هنا، وفي حاول زاد الضغط المجتمعي يمكن للحكومة أن تتذرع بالموقف الجماهيري أمام مجتمع المانحين، لتكن ذريعة للحكومة امام المجتمع الدولي.
لا أخفيك، أنا اليوم خائفة، أنا أرى وزارة التربية والتعليم وكذلك الحكومة متساهلة جدا في هذا الملف لصالح ملف استقرارها الوجودي (السلطة) وذلك في ظل الأزمات الكثيرة التي تمر بها البلد.
○ لكن، سأقول إن هناك أملا.. ربما تنفيذ السياسات الرسمية يخلق رد فعل جماهيري وهذا جيد؟
• هناك أمور مبشرة في هذا الموضوع، هناك باحث غربي كتب عن المناهج الفلسطينية مقولة تفتح مجال الأمل، ومفادها أنه طول عمرنا ندرس مناهج الآخر، وحتى عندما درسنا المناهج الأردنية أو المناهج الفلسطينية كان هناك سيطرة احتلالية مباشرة عليها، حتى أننا لم نكن نرى اسم فلسطين على الخارطة، أنا بالذات من جيل الثمانينيات والتسعينيات، لقد درسنا مناهج عليها سيطرة كبيرة من الاحتلال، لكن رغم ذلك خرج جيل الانتفاضة الأولى والثانية وقيادات الوطن المختلفين. وبالتالي ليس بالضرورة ان تكون نتيجة المنهاج الجديد حتمية السبب والنتيجة، أي أن يتخرج طلبة مشوهو الهوية في حال كان الكتاب مشوها.
نحن خائفين على الكتاب أو المناهج في ظل أنها بالمطلق كتب سياسية وليست كتب محايدة، لكن، ولا مرة سنفقد الأمل، الكتاب وطبيعته ليس نتيجة حتمية بأن ما يُراد لنا أن نفهم أو نصنع من خلاله سوف نكون كذلك.
○ الرئيس الفلسطيني محمود عباس أعلن الموافقة على موائمة مناهجنا لتعليمات ومبادئ اليونيسكو، وأعتقد أن هناك 14 بندا ووثائق كثيرة، لكن، من الواضح أن مبادئ اليونيسكو ليست محايدة ولا بريئة وقد لا تتناسب مع دولة تمر باستعمار كما هو الحال في فلسطين؟
• معايير اليونيسكو فيها مجموعة من العناوين التي لا يوجد فيها مشكلة في تطبيقها مثل موضوع حقوق الإنسان ومعايير التنمية المستدامة وموضوع التغير المناخي والمجتمع المدني، ومفاهيم المواطنة والانفتاح والحرية الدينية وبالذات التعايش. لكن، الأخطر والذي سيكون الموضوع الجدلي، لكونها معايير فضفاضة هو كيف ستكون قراءة النصوص النابذة للعنف والمؤيدة للسلام، كيف ستقرأ في ظل وجود دولة مستعمَرة استعمار استيطاني واحتلال مباشر مثل فلسطين؟ كيف ستتم عملية قياسها؟ نقطة ثانية، تعريف الاحتلال كاحتلال فيه مشكلة بالتقارير الدولية الآن، إنها تطالب السلطة بأن تعيد تعريف الاحتلال بطريقة لا تجعله «الآخر المنبوذ».
○ هناك دراسة جديدة حول معايير اليونيسكو، جاء في أحد البنود أن مشكلة المعايير هذه هو انها «تنحو نحو نزع التسييس التدريجي للمنهاج»، رغم أن المنهاج ليس شيئا محايدا، المنهاج هو كتاب سياسي بالضرورة..
• هو كتاب سياسي، هو عبارة عن لغة السلطة، لا يهم المعرفة التي يتضمنها، إنما معرفة من هي الموجودة في الكتب المدرسية.
○ نقاط كثيرة أثارتها دراسة فلسطينية حديثة أشارت إلى أن الضغوط الخارجية التي تمارس على التربية والتعليم وعلى المناهج الفلسطينية، لا تعمل دائماً عبر الحذف المباشر بل عبر الرقابة الذاتية والترويض الخطابي، كما تم التنويه إلى مسألة ازدواجية المعايير الدولية، فهي تشير إلى أن المنهاج الفلسطيني يفحص بصرامة، بينما لا يطبق نفس الأمر على المنهاج الإسرائيلي، وبالتالي ما يفتخر به البعض على أنه شيء جيد ويتضمن معايير اليونيسكو هو بالحقيقة يمكن أن يكون خطير على مجتمع يعاني من احتلال..
• بالضبط، حالة الاحتلال الوحيدة الموجودة في العالم في فلسطين يجب أن تؤخذ بفرادة وهو أمر ينطبق على المنهاج، سياق تقبل الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، بالعموم لكل الاتفاقيات الدولية، ومن ضمنها معايير اليونيسكو في هذا الملف، مسألة تأخذ بخطورة متزايدة، وهي ترتبط بحالة عدم الثقة بين المجتمع والحكومة.
اليونيسكو تخرج كل عدة سنوات بإعلان مستوى التزام السلطة الفلسطينية بالمعايير التي تحددها، وأخر إعلان أشار إلى وجود مؤشرات جيدة من الطرف الفلسطيني، وسؤالي بصفتي ولية أمر وليس تربوية أو باحثة، ما هي المعايير التي لها علاقة بتعريف العنف والسلام التي قبلتها اليونيسكو وتتحدث عن مؤشرات تفاعل إيجابي من الجهات الفلسطينية، من حقي أن أعرف ما الذي تغير؟
○ المشكلة هنا، أن الاتحاد الأوروبي، قرر ربط مساعداته للسلطة الفلسطينية بمدى التزامها ممثلة بوزارة التربية والتعليم بمعايير اليونيسكو..
• قراءة معايير اليونيسكو هي المشكلة، أنا لدي مشكلة بمن وضعوا لعملية تقييمها، الاتحاد الأوروبي يضع معياره ومرجعيته في قراءة تقييم تنفيذ الفلسطينيين لمعايير اليونيسكو، وهو يظهر في تقرير «جورج إكريت».
○ أطالب الجمهور بقراءة التقرير الدولي وملخصات حوله في صفحة «الحق في المنهاج» على فيسبوك، قراءة ما يريدونه منا بصراحة يعتبر شيء مهين جداً..
• هناك ما يدعو للخوف مثال: كيف انتقد الفلسطينيون مشهدا معينا وكيف تمت عملية انتقاده من جماعة التقارير الدولية، ذكر دلال المغربي في كتب الدراسات الاجتماعية، النقد الذي نتحدث عنه فلسطينياً مفاده انه لم يتم ذكر النساء المناضلات أو الثائرات أو الفدائيات في تاريخ فلسطين بالمطلق، ولا حتى الأسيرات ولا الحركة الأسيرة ولا الحركة الثورية على اختلاف الأحزاب السياسية، إلا شخصية واحدة وهي دلال المغربي، وأنا أقول أن النص (بحسب الدراسة) لم يمجدها بقدر ما أدانها، لو تبحث في الصفحة عن عدد كلمة مقاومة في النص لن تجد، إلا كلمة احتلال، أثر الاحتلال، هناك صورة دلال المغربي ومكتوب أنها قامت بعملية الساحل التي على أثرها تم اجتياح جنوب لبنان، وأكملوا الحديث عن جنوب لبنان، فأنت هنا تتحدث عن عواقب الفعل المقاوم.
أما كيف قرأ تقرير «جورج إيكريت» هذه الصفحة حيث رأى أنها تمجيد للمقاومة. المرجعية الوحيدة للصورة النسائية داخل المنهاج الفلسطيني هي دلال وبالتالي رأى أن الدرس يحرض على العنف، هذا التقرير الذي يعتبر هو المرجعية الأوروبية والدولية حول مدى التزمت السلطة الفلسطينية في معايير اليونيسكو.
أما التقرير الصهيوني الأكثر خطورة والذي يتقاطع جداً مع تقرير جورج إيكرت، هو تقرير IMPACT-se، وهو تقرير يكتب فعلياً بأقلام صهيونية وله صدى دولي واسع جداً، وهو يعتبر مراجعة سنوية متخصصة للمناهج الفلسطينية.
○ لقد قرأت مثلا: فكرة نشر صورة الجدار الفاصل ووجود فلسطيني يحلم بالبحر الذي خلفه، على أنها دعوة تدعو للعنف وتحرير فلسطين!
• صحيح، هذه التقارير اعتبرت صورة يد مكلبشة للأسير داخل الأسر أنها تعكس النظر للحرية والاشتياق للحرية اعتبروا فيها معايير تمجيد للأسرى الإرهابيين. هذه مسألة تستحق الانتباه.
○ أعجبني تعبير في وصف ما يراد للمنهاج الفلسطيني أن يكونه وفق الضغوطات الدولية المختلفة، وهو «منهاج للنسيان»!
• طوال عمرنا ندرس منهاجا مصدره الآخر، الفترة الوحيدة الذي تشكلت فيها نواة لمنهاج بأقلام فلسطينية، وبغض النظر عن النقد الداخلي عليه، من عام 2000-2026، أي فترة طولها 26 عاما، والآن يبدو أننا سنعود لمرحلة الصفرية، بأننا لا ندرس منهاج خاص بأٌقلام فلسطينية، إنما سنعود للبحث عن الآخر لتعليم القيم/ خوفاً من مال المانحين وإيقافه عن الفلسطينيين.
○ سنذهب لأطروحتك لنيل درجة الدكتوراه، وهي تتقاطع مع كل هذا النقاش، لماذا ذهبت إلى هذا الموضوع؟
• لقد كنا نقرأ وندرس مناهج كنا نتمنى أن يكتب عليها اسم فلسطين أثناء الدراسة، عندما كنت في المدرسة، كان يمنع كتابة اسم فلسطين على الخريطة، كنا نشعر بالظلم ونحن نقرأ كتابا يفترض أن يعبر عن صوتنا، الآن وأنا أدرس أبنائي مناهجنا الفلسطينية لا أجد أن الذات الفلسطينية تم تمثيلها بحضور قوي، لقد حاولت تحليل النصوص في الكتب التي صدرت عام 2016_2017، درست المناهج من الصف الأول للصف العاشر المتعلقة بالدراسات الاجتماعية (تربية وطنية ومدنية)، درستها مستخدمة منهجية تسمى تحليل الخطاب النقدي، ليس بالضرورة التوقف عند النص الظاهر، إنما الباطن، وهناك أدوات، بالإضافة إلى تحليل متعدد الأنماط، وهو تحليل الوسائط، تحليل الصورة، النص من أَظهر بقوة ومن أَضعف، ما الضمائر المستخدمة، فعل مبني للمجهول، فعل مبني للمعلوم، هل كان هناك فواعل أو مفعول به، من القوي ومن الضعيف، كيف تم تمثيل الفلسطيني وكيف تم تمثيل الاحتلال أو أي آخر، من هو الآخر في الكتاب المدرسي.
كانت هذه البداية التي بدأت فيها، وكنت أبحث عن التناقضات، بمعنى، هل هناك انسجام بين النص والصورة؟ وكيف تم تمثيل الفلسطيني.. الخ. عندما بدأت الدراسة، بدأت بدراسة كيفية تمثيل الاحتلال، لكن لاحقا ضبطت البوصلة وكان عليّ دراسة من هو الفلسطيني داخل الكتاب المدرسي، لأنني وجدت أنه حتى تعريف الفلسطيني، خصوصاً الفئات الهشة والمهمشة التي لها علاقة بالهوية هي أكثر استباحة مثل: اللاجئين والأسرى والشهداء.
○ في إحدى نتائجك استخدمت مصطلح «الآخرية الداخلية»، حيث أظهرت الدراسة أن الكتب المدرسية كرست وجود آخر داخلي داخل الصفوف الفلسطينية عبر إقصاء أو تهميش فئات فلسطينية!
• عند الحديث عن تحليل الخطاب النقدي نحن لا نعتمد على نص ونعمم عليه، إنما أدرس كل النصوص وأحللها ضمن الفعل والفاعل والمفعول به، أجرد تفاصيلها والقواعد والضمائر والارتباطات الدلالية في المصطلحات وارتباطها في الصور، بعد ذلك أبدأ برؤية المسارات العامة، درست كل النصوص المتعلقة بمفهوم معين في 20 كتابا مدرسيا، 10 مستويات دراسية وكل مستوى دراسي فيه فصلان دراسيان، في كتاب الصف الثالث مثلا، كتاب يتحدث عن التجمعات السكانية، عنوان الدرس الأول كان: مدينتي، الطالب يتحدث كأنه من أهل المدينة، وهذا شيء جيد، والعنوان الثاني قريتي جميلة، أنا ابن القرية وأتحدث بلغة أنني أمتلكها، الدرس الثالث: لاجئٌ في المخيم، أصبح هناك شخص اسمه لاجئ ولست أنا، ولا أتحدث بضمير المتكلم كما في الدوس الأول والثاني، هو لاجئ بعيد عني وأشير عليه، وأصفه بلاجئ بدون ال التعريف، وكأنه كيان مجهول هناك أشير عليه، والدرس الرابع: رحلة إلى البادية، البادية لا يوجد فيها إنسان أوجه إليه، كإنها نقاط سوداء في خيمة موجودة على الطريق، وغير مرتبطة بالفلسطينيين.
أما كيف تم تمثيل اللاجئ؟ أنا أرى أنه كان هناك إقصاء مضاعف للاجئين، وإقصاء مضاعف للأسرى، واستثنائية في كيفية تمثيل الشهداء داخل الكتب المدرسي، اللاجئين ببساطة كان هناك تنميط، وربطهم في الخطاب الإنساني وليس السياسي، اللاجئ الفلسطيني كان يتم التعامل معه بلغة العوز والمعاناة ونقص الملبس والمشرب. تم تنميط اللاجئ من خلال التحدث عنه بلغة الأرقام والنسب والاحصائيات، وليسن من خلال القرب بحادثة أو حدث أو صوت اللاجئ نفسه. لقد كان هناك نوع من اللغة الاستشراقية الخطيرة، مثل: نبحث عن لاجئ في منطقتنا ونتحدث معه عن التحديات التي يعيشها، أصبح هناك آخر فلسطيني وأختار الوقت المناسب لي لأتحدث معه عن معاناته لأنني لا أعرفها، والبدو سأذهب إليهم في رحلة لأتعرف عليهم، هذا جانب بسيط من النتائج.
○ من إحدى النتائج أيضا ذكرت أنه تم التركيز على المعاناة أكثر من الفاعلية..
• بالضبط، وهذه ظهرت بشكل واضح في اللاجئين، لكن ظهرت بشكل جليّ وخطير في موضوع الأسرى أيضا.
○ أرى أن بعض وسائل الإعلام الفلسطينية تقدم تغطيات صحافية للأحداث وفق تلك الآلية، التركيز على المعاناة وليس الفاعلية..
• وفقط، معاناة اللاجئ، معاناة الأسير، معاناة كل الأطياف التي تعتبر الأكثر استباحة في سياق التعرض للاحتلال، لا يوجد إلا خطاب المعاناة، وهي جزء مهم من المشهد، لكن التوقف عندها، مسالة غير بريئة. لقد وصل التركيز على المعاناة وتغييب الفاعل لدرجة التركيز على إعدام البطولة.
○ في العودة إلى نتائج الدراسة، يوجد نتيجة تقولين فيها: فلسطين تختزل إلى الدولة أكثر من الوطن، ويوجد من يقول ما المشكلة بذلك؟ ما تعقيبك؟
• تعريف الفلسطيني وفلسطين في الكتاب المدرسي، مرتبطة بفلسطين الدولة وليس بفلسطين الوطن، بمعنى سؤال من هو الفلسطيني؟ يصبح الجواب عليه هو من يعيش في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأنوه هنا أن غزة أيضاَ مشكوك بمدى تمثيلها في الكتاب المدرسي، فالفلسطيني من يعيش في الضفة الغربية. أيضا اللاجئين، يعرفهم المنهاج كآخر ولا نعطيهم نفس الحق الذي نعطيه لسكان المدن والقرى الفلسطينية، التي هي ضمناً تعريفها الضفة الغربية.
مفارقة صغيرة لها علاقة بعز الدين القسام، أو ثورة عز الدين القسام، كنت محللة هذا النص وانتقد بأن النص الذي تحدث عن المقاومة، ميع المقاومة ووضح العواقب، مثلاً: عز الدين ورفاقه الذين قاموا بعمليات عسكرية ضد الوجود البريطاني والحركة الصهيونية، هذا أكبر تعريف بماذا قام عز الدين ورفاقه، مشهد قتل أو استشهاد عز الدين القسام: استشهد هو ورفاقه، ووضع بالفعل المضارع مشهد هروب البقية إلى الأحراش، أنت كمشهد تمثيلي لا تستطيع تخيل ماذا فعل، لكن، تستطيع تخيل مشهد الهروب، تم تجسيده بشكل واضح، بالمقابل، إدانة شديدة لمجرد الاستشهاد بهذه الثورة داخل الكتب المدرسية من المانحين ومن التقارير الدولية باعتبار بأنها مناهضة للسلام وتدعو للعنف، وتذكير المجتمع الفلسطيني بقادة يدعموا الإرهاب والقتل والدمار.
○ يبدو لي أن المنهاج أصبح ساحة صراع وساحة حرب في السياق الفلسطيني؟
• تاريخياً، طوال عمره المنهاج عبارة عن مسرح صراع لإثبات وجهة نظر من يكتب ومن يتحكم فيه، أفضل وسيلة للتأثير في الجموع الجديدة أو الأطفال هي المنهاج، فالصراع السياسي يكون حول من يكتب المنهاج، وما هي رؤيته. لكن، يوجد حد أدنى بما هو مقبول وما هو مرفوض وطنياً. ولكوننا شعب تحت الاستعمار فإن الخصوصية والحساسية الوطنية والذهاب لمعايير فيها إجماع وطني يعتبر بمثابة مسؤولية مجتمعية، لكن هل يعقل أن يكون هناك كتاب مدرسي يحذف مصطلح الشهيد عن كل من مات بعد عام 1948، هذه مخالفة كبيرة، نلحظ أن هناك اكثارا من كلمة استشهد والشهداء في العصر الإسلامي الأول، أما في فترة الثلاثينيات والأربعينيات فإن كلمة شهيد واستشهد تستخدم بحذر، وتسقط عمداً بعد عام 1948، وتستبدل بكلمات أعدم وقتل، الوحيد الذي ارتبط اسمه بلقب الشهيد بعد عام 1948 هو الشهيد ياسر عرفات فقط.
○ إذاً، لا يجب أن نتباكى أو نزعل على المنهاج!
• النقد الداخلي بيننا هو عبارة عن حالة صحية طبيعية يجب أن تستمر، وتكون أكثر حدة وهذا طبيعي، المجتمعات التي تحترم أنفسها ترفض أن تكون مثل القطيع، دائماً الخطاب النقدي مفيد، حتى للمؤسسات التي يتم انتقادها، وبالرغم من كل النقد الذي نقدمه لمضمون الكتاب المدرسي، فإننا نطالب ببقاء الكتاب. فحذفه يعني محاولة أكثر وضوحاً للمحو والإزالة للرواية الفلسطينية.

Share This Article