بقلم”وسام زغبر”حين تصبح طائرة ورقية ذريعة للحرب: غزة في مواجهة آلة التبرير الإسرائيلية

المسار :في الحروب، لا تبدأ المعارك دائمًا بإطلاق النار؛ أحيانًا تبدأ بصناعة الرواية التي تبرر إطلاقه. وحين تتحول طائرة ورقية يطلقها طفل فلسطيني في مخيم نزوح إلى «تهديد أمني» في الخطاب الإسرائيلي، فإن المسألة تتجاوز مجرد توصيف عسكري مبالغ فيه، لتكشف عن محاولة لصناعة ذريعة سياسية وإعلامية يمكن استخدامها لتبرير التصعيد، وتهيئة الرأي العام لاحتمال العودة إلى الحرب.

السؤال هنا ليس عن الطائرة الورقية بحد ذاتها، بل عن المنظومة السياسية والعسكرية التي تستطيع أن تنظر إلى طفل يعيش في خيمة نزوح باعتباره جزءًا من «الخطر الأمني». والسؤال الأكثر إلحاحًا: هل يبحث الاحتلال عن الأمن، أم عن مبرر جديد للحرب؟

من لعبة طفل إلى «تهديد أمني»

بعد سنوات من الحرب والحصار والدمار والنزوح، يعيش أطفال غزة في بيئة حُرمت فيها الطفولة من أبسط مقوماتها. المدرسة غائبة أو مدمرة، المنزل لم يعد آمنًا، والملعب تحول إلى مساحة للنزوح، فيما أصبح صوت الطائرات الحربية جزءًا من الذاكرة اليومية لجيل كامل.

في هذا السياق، تصبح الطائرة الورقية أكثر من لعبة. إنها محاولة لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية، ونافذة صغيرة يفتحها الطفل على السماء بعدما حُرم من كثير من تفاصيل طفولته.

لكن تحويل هذه اللعبة إلى «تهديد أمني» يعكس، في جوهره، انقلابًا في تعريف الضحية والجاني؛ فالطفل الذي ينبغي أن يكون موضع حماية يصبح في الخطاب العسكري مصدر خطر، بينما يُعاد تقديم القوة القائمة بالاحتلال باعتبارها الطرف الذي يمارس «حق الدفاع عن النفس».

وهنا تحديدًا تكمن خطورة الرواية.

فالذريعة، مهما بدت صغيرة، قد تصبح كبيرة عندما توضع داخل ماكينة سياسية وإعلامية وعسكرية قادرة على تحويل حادثة محدودة إلى مبرر لتصعيد واسع

حين تحتاج الحرب إلى رواية تسبقها

الحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده. إنها تُخاض أيضًا في مجال الرواية، وفي تشكيل وعي الجمهور، وفي تحديد من يُنظر إليه باعتباره ضحية ومن يُقدَّم باعتباره تهديدًا.

ومن هذه الزاوية، فإن تضخيم قضية الطائرات الورقية يستحق التوقف عنده، ليس لأن الطائرة الورقية تمثل خطرًا عسكريًا حقيقيًا، وإنما لأن تحويلها إلى قضية أمنية قد يؤدي وظيفة سياسية وإعلامية تتجاوز حجم الواقعة نفسها.

إن صناعة الخطر تبدأ أحيانًا بإعادة تسمية الأشياء.

اللعبة تصبح «تهديدًا»، والطفل يصبح «مشتبهًا به»، ومخيم النزوح يتحول إلى «منطقة عمليات»، ثم يصبح الرد العسكري، تدريجيًا، أمرًا يمكن تبريره أمام الرأي العام.

وهذه ليست مسألة فلسطينية فقط، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة المجتمع الدولي على التمييز بين الأمن بوصفه حماية للمدنيين، والأمن بوصفه ذريعة لممارسة القوة.

غزة ليست ورقة في الحسابات السياسية الإسرائيلية

لا يمكن قراءة التهديدات المتكررة ضد قطاع غزة بعيدًا عن المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل، حيث تتداخل اعتبارات الأمن بالحسابات الحزبية والانتخابية، وتصبح الجبهة العسكرية جزءًا من النقاش السياسي الداخلي.

لقد أظهرت التجربة أن القضايا الأمنية تحتل موقعًا مركزيًا في السياسة الإسرائيلية، وأن تصعيد التوتر الخارجي يمكن أن يعيد ترتيب الأولويات داخل المجتمع، ويضع الخلافات السياسية في مرتبة ثانية أمام خطاب «الخطر الوجودي».

لكن الفلسطينيين لا يمكن أن يكونوا وقودًا للأزمات السياسية الإسرائيلية.

فحياة المدنيين في غزة ليست أداة في أي صراع انتخابي، والدم الفلسطيني ليس ورقة تفاوض، والطفل الذي يبحث عن مساحة للعب لا ينبغي أن يتحول إلى جزء من حسابات حكومة أو حزب أو ائتلاف سياسي.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو: هل يُطلب من الفلسطينيين أن يدفعوا ثمن الصراعات السياسية داخل إسرائيل؟

الشعر الفلسطيني شاهد على حق الحياة

في هذه اللحظة، تبدو استعادة صوت الشعر الفلسطيني أكثر من استدعاء أدبي؛ إنها عودة إلى جوهر القضية: الإنسان الفلسطيني وحقه في الحياة والحرية والكرامة.

كتب محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»؛ وهي عبارة تختصر جوهر المأساة الفلسطينية. فالأرض ليست مجرد جغرافيا، والحياة ليست مجرد البقاء البيولوجي، بل حق الإنسان في أن يعيش طبيعيًا، وأن يحلم، ويحب، ويتعلم، ويلعب.

ولذلك، فإن الطائرة الورقية التي يرفعها طفل من فوق خيمة نزوح يمكن أن تُقرأ بوصفها صورة مكثفة لهذا الحق في الحياة.

وفي تجربة سميح القاسم، حضرت فلسطين باعتبارها هوية ووجودًا وتشبثًا بالأرض. أما فدوى طوقان، فقد منحت الألم الفلسطيني بعدًا إنسانيًا عميقًا، وجعلت الصمود في مواجهة القهر جزءًا من فعل البقاء.

ومن عبد الرحيم محمود إلى معين بسيسو وكمال ناصر، وصولًا إلى غسان كنفاني، ظل الأدب الفلسطيني يؤكد أن الإنسان ليس هامشًا في القضية، بل هو مركزها.

ولذلك فإن استحضار هؤلاء الشعراء والكتاب اليوم لا يعني استدعاء الماضي فقط، بل تذكير العالم بأن فلسطين ليست ملفًا أمنيًا، وأن الفلسطيني ليس رقمًا في تقارير الحرب.

غسان كنفاني: الإنسان قبل الخريطة

في أعمال غسان كنفاني، لم تكن فلسطين مجرد قضية حدود أو جغرافيا؛ كانت قضية إنسان اقتُلع من مكانه وحُمّل تبعات جريمة لم يرتكبها.

وفي «عائد إلى حيفا»، تتحول العودة إلى مواجهة مع أسئلة الهوية والذاكرة والمسؤولية والمستقبل. وهذا المعنى يصبح أكثر إلحاحًا في غزة اليوم.

فما معنى أن يُقال للفلسطيني إن عليه أن يعود إلى منزله، بينما لم يعد المنزل قائمًا؟

وماذا تعني إعادة الإعمار إذا بقي خطر الحرب قائمًا؟

وكيف يمكن أن تبدأ عملية التعافي إذا ظلت حياة المدنيين رهينة قرار عسكري جديد أو ذريعة أمنية أخرى؟

إعادة إعمار غزة ليست مسألة إسمنت وحديد فقط؛ إنها إعادة بناء شروط الحياة نفسها.

عبد الرحيم محمود: التضحية ليست غاية

ارتبط اسم عبد الرحيم محمود بقصيدة «سأحمل روحي على راحتي»، وبصورة الشاعر الذي جعل من فلسطين قضية تستحق التضحية.

لكن استحضار هذا الإرث اليوم ينبغي ألا يتحول إلى تمجيد للموت، بل إلى تذكير بالغاية التي من أجلها قدم الفلسطينيون تضحياتهم.

فالهدف لم يكن الموت، وإنما الحرية.

لم تكن التضحية غاية في ذاتها، بل وسيلة من أجل أن يأتي يوم يستطيع فيه الفلسطيني أن يعيش آمنًا على أرضه، وأن تكون لأطفاله حياة لا يطاردها الخوف.

وهنا تحديدًا تصبح طائرة الطفل الورقية ذات دلالة عميقة: إنها صورة لفلسطيني يريد الحياة لا الموت، ويبحث عن سماء مفتوحة لا عن جبهة قتال.

معين بسيسو: غزة التي تحوّل الألم إلى ذاكرة

ومن غزة، يظل صوت معين بسيسو حاضرًا بوصفه واحدًا من الأصوات التي منحت المدينة والإنسان الفلسطيني مساحة واسعة في الأدب والمقاومة الثقافية.

غزة التي عرفها بسيسو لم تكن مجرد جغرافيا محاصرة، بل مجتمعًا يمتلك ذاكرة وهوية وقدرة على تحويل الألم إلى فعل ثقافي وإنساني.

وهذا ما ينبغي ألا يغيب عن العالم اليوم.

فخلف كل صورة للدمار إنسان.

وخلف كل خيمة نازح عائلة.

وخلف كل طفل يحمل لعبة قصة حياة.

وخلف كل طائرة ورقية حلم صغير بالعودة إلى الحياة الطبيعية.

وقف إطلاق النار يحتاج إلى حماية لا إلى بيانات

إذا كان وقف إطلاق النار هو المدخل الضروري لوقف النزيف وبدء التعافي، فإن حمايته يجب ألا تبقى رهينة التصريحات السياسية.

المطلوب آليات واضحة للمراقبة والمساءلة، وضمانات دولية تمنع العودة إلى الحرب، وتحرك فوري من الوسطاء والدول الضامنة ومجلس الأمن الدولي عند ظهور أي مؤشرات على محاولة تقويض الاتفاق.

فالبيانات وحدها لا تحمي المدنيين.

والإدانة بعد وقوع الضحايا لا تمنع سقوطهم.

وحين يكون المدنيون مهددين، تصبح المسؤولية الدولية فعلًا مطلوبًا لا مجرد موقف دبلوماسي.

كما أن إدخال الترتيبات المتفق عليها لإدارة قطاع غزة، والبدء في مسار التعافي وإعادة الإعمار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، تمثل خطوات ضرورية لمنع تحويل الأزمة الإنسانية إلى أداة ضغط سياسي.

لا لتهجير غزة ولا لتكريس الاحتلال

إن حماية وقف إطلاق النار يجب أن تترافق مع رفض واضح لأي مشاريع تهدف إلى تهجير سكان قطاع غزة أو تكريس الاحتلال والسيطرة على الأرض.

فغزة ليست مساحة فارغة يمكن إعادة هندستها وفق مصالح القوة المحتلة، وليست ورقة تفاوضية، وليست «ساحة خلفية» لأي حكومة إسرائيلية.

إنها جزء أصيل من الأرض الفلسطينية، وشعبها جزء من الشعب الفلسطيني، وحقوقه في الحرية والاستقلال وتقرير المصير ليست موضوعًا قابلًا للمساومة.

السؤال ليس: ما الذريعة المقبلة؟

قد يكون السؤال الأكثر أهمية في هذه اللحظة ليس: ما الحرب التي يمكن أن تبدأها إسرائيل؟

بل: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يمنع تحويل أي ذريعة إلى حرب جديدة؟

فهذه هي المسألة التي ينبغي أن تشغل الوسطاء والدول الضامنة ومجلس الأمن والمؤسسات الدولية.

لأن المشكلة ليست في الطائرة الورقية.

المشكلة في العقل الذي يستطيع أن يرى فيها هدفًا.

والمشكلة ليست في طفل يحاول أن يرفع لعبته إلى السماء.

المشكلة في منظومة سياسية وعسكرية يمكن أن تجعل من أبسط مظاهر الحياة الفلسطينية مادةً للاتهام والتجريم.

غزة تريد أن تعيش

في النهاية، ربما لا تحتاج غزة إلى خطاب أكثر تعقيدًا من صورة طفل يرفع طائرة ورقية فوق خيمة نزوح.

إنه طفل لا يريد أن يكون جنديًا، ولا يريد أن يكون رقمًا في نشرة الأخبار، ولا يريد أن يصبح ورقة في انتخابات، ولا يريد أن يكون جزءًا من معادلات القوة.

إنه يريد أن يلعب.

يريد أن يذهب إلى المدرسة.

يريد أن يعود إلى بيته.

يريد أن يرى والديه آمنين.

ويريد أن ينظر إلى السماء دون أن يخاف مما قد يأتي منها.

وهنا يعود صوت محمود درويش ليذكّرنا بأن «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».

 

فإذا كانت الطائرة الورقية تخيف الاحتلال، فربما ليس لأنها تحمل خطرًا، بل لأنها تحمل معنى أكثر قوة من الحرب: أن غزة، رغم كل ما أصابها، ما زالت تتمسك بحقها في الحياة.

 

وهذا الحق ليس منّة من أحد، ولا هدية من حكومة، ولا امتيازًا تمنحه قوة محتلة.

 

إنه حق إنساني أصيل.

 

والتحدي أمام العالم اليوم ليس أن يفسر لماذا يطير طفل بطائرته الورقية، بل أن يضمن أن يبقى هذا الطفل حيًا، وأن تظل سماؤه مفتوحة، وأن يصبح اللعب فعلًا طبيعيًا لا ذريعة لحرب جديدة.

 

غزة لا تحتاج إلى مزيد من الذرائع. غزة تحتاج إلى السلام، والحرية، والكرامة، والحياة.

Share This Article