وثائق مسرّبة تكشف تسليح إسرائيل للجيش الأوغندي بالمسيّرات.. هل تمهّد كمبالا لإرسال قوات إلى غزة؟

المسار : كشفت وثائق داخلية مسربة عن برنامج إسرائيلي استمر لسنوات لتطوير قدرات الطائرات المسيّرة في أوغندا، في وقت تستعد فيه كمبالا لإرسال قوات إلى قطاع غزة ضمن قوة دولية مقترحة لـ”تحقيق الاستقرار” في القطاع.

وبحسب تحقيق نشره موقع “دروب سايت نيوز”، فإن شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية “إلبيت سيستمز” زوّدت الجيش الأوغندي بطائرات مسيّرة وأنظمة متطورة للمراقبة والاستخبارات، كما ساعدته في إنشاء بنية تحتية لتشغيل هذه الطائرات وتنفيذ عمليات عسكرية.

ويأتي الكشف عن هذه التفاصيل بالتزامن مع قرار البرلمان الأوغندي، الشهر الماضي، الموافقة على نشر قوات أوغندية في غزة، ضمن قوة دولية اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر ما يُعرف بـ”مجلس السلام”.

وقال وزير الدفاع الأوغندي كيرياوا كيوانيوكا، خلال جلسة برلمانية ناقشت عملية الانتشار، إن “رئيس جمهورية أوغندا مستعد لنشر قوات في قطاع غزة”، مشيراً إلى أن اتفاقاً رسمياً بشأن وضع القوات سيتم التفاوض عليه بعد موافقة البرلمان.

ولم تقدّم الحكومة الأوغندية حتى الآن تفسيراً واضحاً لأسباب تطوعها للمشاركة في المهمة، أو طبيعة الدور الذي ستؤديه قواتها، أو ما الذي تتوقعه كمبالا في المقابل. ونقل التقرير عن النائب المعارض حسن كيروميرا تساؤله خلال النقاش البرلماني: “على أي جانب سيقاتل جيشنا؟”.

تعاون عسكري متصاعد

ويربط التحقيق قرار إرسال القوات الأوغندية إلى غزة بتنامي العلاقات الأمنية والعسكرية بين إسرائيل وأوغندا، والتي شملت توقيع البلدين اتفاقاً للتعاون الدفاعي عام 2022.

واستند “دروب سايت نيوز” إلى أرشيف من رسائل البريد الإلكتروني والوثائق التي تم اختراقها من حسابات في شركة “إلبيت سيستمز”، تعود إلى فيريد حاييموفيتش، وهي ضابطة سابقة في الجيش الإسرائيلي أصبحت في يناير/ كانون الثاني 2021 نائبة لرئيس وحدة أنظمة الطائرات المسيّرة في الشركة.

ونُشر الأرشيف من جانب منظمة Distributed Denial of Secrets، بعد أن قامت مجموعة القرصنة “هاندالا” بتسريبه. وقال الموقع إنه أجرى عمليات تحقق تشفيرية من رسائل البريد الإلكتروني الواردة في الأرشيف، إضافة إلى التحقق من مواد غير متاحة للعامة.

ورفضت “إلبيت سيستمز” التعليق على طبيعة أعمالها مع زبائنها، وقال متحدث باسم الشركة إن المواد التي استند إليها التقرير “لا تعكس بدقة أنشطة الشركة التجارية”. ولم تردّ الحكومة الأوغندية على أسئلة الموقع.

وأصبحت حيازة أوغندا لطائرة “هيرمس 900” الإسرائيلية معروفة علناً في فبراير/ شباط 2022، بعدما نشر موهوزي كاينيروغابا، نجل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني ورئيس أركان القوات المسلحة حالياً، مقطعاً يظهر جنوداً أوغنديين داخل حظيرة طائرات وهم يقفون أمام الطائرة.

وفي ذلك الوقت، حددت مجلة “جينز” المتخصصة في الشؤون العسكرية الطائرة باعتبارها “هيرمس 900″، ووصفتها بأنها قدرة أوغندية لم تكن موثقة سابقاً ومقدّمة من إسرائيل.

وأفادت تقارير لاحقة بأن أوغندا كانت تشغل ما لا يقل عن 24 طائرة من هذا النوع، على الرغم من عدم تقديم أدلة أو معلومات موثقة تؤكد العدد. وفي أغسطس/ آب 2024، تحطمت طائرة مسيّرة تحمل علامات أوغندية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وحددها تقرير لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة باعتبارها طائرة “هيرمس 900”.

عقود بملايين الدولارات

وتشير الوثائق التي اطلع عليها الموقع إلى أن التعاون بين “إلبيت” وكمبالا لم يقتصر على بيع الطائرات، بل شمل بناء منظومة متكاملة للمراقبة والاستخبارات وتطوير قواعد لتشغيل الطائرات المسيّرة.

وتكشف وثيقة مؤرخة في سبتمبر/ أيلول 2021 عن عرض بقيمة 16.1 مليون دولار شمل طائرتين جديدتين من طراز “هيرمس 900″، وأعمال صيانة لطائرة “هيرمس 450” موجودة في أوغندا، وأنظمة للتحكم الأرضي، وتدريباً ودعماً فنياً وقطع غيار، لترتفع القيمة الإجمالية للحزمة إلى نحو 18.4 مليون دولار.

كما تكشف وثائق أخرى أن برنامج الطائرات المسيّرة الأوغندي بدأ في يناير/ كانون الثاني 2019 بتوفير طائرة “هيرمس 450” مجددة، تلتها طائرتان مجددتان في عامي 2020 و2021.

وبموجب اتفاق لاحق لتسوية نزاعات مرتبطة بثلاثة عقود سابقة، كان من المقرر أن تزود “إلبيت” أوغندا بطائرة “هيرمس 450” مجددة وطائرتين جديدتين من طراز “هيرمس 900″، إضافة إلى طائرتين جديدتين من “هيرمس 450″، وترقية أنظمة التحكم والاتصالات الخاصة بالأسطول.

وفي مارس/ آذار 2024، وُقّع عقد بقيمة 52.1 مليون دولار لتزويد أوغندا بأربع طائرات “هيرمس 900″، مجهزة بنظام المراقبة واسع النطاق SkEye، إلى جانب أنظمة مراقبة أرضية.

ووفق الوثيقة، كانت أوغندا قد حوّلت إلى “إلبيت” 14.2 مليون دولار في عام 2021، على أن تُحتسب هذه الأموال ضمن قيمة الصفقة الموسعة.

وتشير الوثائق كذلك إلى أن المعدات المقدّمة لأوغندا شملت نظام AES-210 للاستخبارات الإلكترونية، إضافة إلى نظام SkyStriker، وهو سلاح إسرائيلي من نوع الذخائر المتسكعة، أو ما يُعرف بالطائرات المسيّرة الانتحارية، والمصمم للبحث عن الأهداف ومهاجمتها عبر الاصطدام بها.

وكانت شركة DeepSight Limited هي المشتري المباشر في عقد عام 2024، فيما حدد العقد الحكومة الأوغندية والاستخبارات العسكرية وقيادة القوات الخاصة باعتبارها الجهات المستفيدة النهائية.

قدرات هجومية ومراقبة متطورة

وتظهر الوثائق، بحسب التحقيق، أن التعاون شمل أيضاً تجهيزات متقدمة قادرة على مراقبة مساحات واسعة بصورة مستمرة، واعتراض الاتصالات، وإنتاج صور رادارية خلال الليل وفي ظروف الغطاء السحابي.

كما تشير إحدى العروض الداخلية لشركة “إلبيت” إلى استعدادها لتزويد أوغندا بقدرات هجومية إضافية.

ففي عرض قدّمته إدارة الشركة في يناير/ كانون الثاني 2022، ورد تحت بند خاص بأوغندا أن الشركة كانت تستعد لإجراء “عمليات إسقاط ذخائر”، من بينها نظام Lizard 3، وهو نظام توجيه بالليزر تسوّقه “إلبيت” لتحويل القنابل التقليدية إلى أسلحة موجهة بدقة.

كما تكشف وثائق أخرى عن مساعدة الشركة في تطوير قواعد أرضية لتشغيل طائرات “هيرمس 900″، بما في ذلك أنظمة آلية للإقلاع والهبوط، وقطع غيار ودعم لوجستي.

وتشير الوثائق إلى أن خطط التوسع كانت تتضمّن أيضاً إنفاق نحو 2.3 مليون دولار على قطع غيار لطائرات “هيرمس 900″، إضافة إلى عقود صيانة مستقبلية لأسطول الطائرات.

مشكلات تشغيلية

لكن المراسلات الداخلية تكشف في الوقت نفسه عن مشكلات تشغيلية واجهت استخدام المعدات الإسرائيلية في أوغندا.

ففي رسالة رافقت اتفاقاً أُبرم عام 2021، أبلغ ممثل لشركة Yamasec Ltd.، وهي شركة تعمل في مجال الطيران والأمن بأوغندا، مسؤولي “إلبيت” بأن مقطورة للتحكم الأرضي الخاصة بإحدى طائرات “هيرمس 900” تعرّضت للغرق بالمياه، ما أدى إلى توقف العمليات.

ومع ذلك، اقترحت “ياماسيك” صفقات إضافية لشراء معدات من “إلبيت”، بما في ذلك ربط أسطول الطائرات المسيّرة بأكمله بمركز استخبارات مقترح قادر على معالجة وتحليل المعلومات التي تجمعها الطائرات وتحويلها إلى معلومات استخباراتية قابلة للاستخدام العملياتي.

ولا توضح المراسلات ما إذا كانت جميع الأنظمة والبنية التحتية المطلوبة قد سُلّمت بالفعل.

كما تثير علاقة “ياماسيك” بالبرنامج تساؤلات إضافية، إذ سبق أن اتهمتها منظمة Conflict Armament Research بنقل معدات عسكرية كان يفترض أن يكون الجيش الأوغندي مستخدمها النهائي إلى حكومة جنوب السودان.

وخلص تقرير للمنظمة صدر عام 2018 إلى أن مجموعة من الشركات المرتبطة بمواطنين إسرائيليين وأوغنديين وبريطانيين وأمريكيين، ومقرها أوغندا، حصلت على طائرات لصالح أوغندا، قبل أن تقوم إحدى تلك الشركات، وهي “ياماسيك”، بتزويد قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان بها، إلى جانب التدريب والأطقم.

قوات أوغندية في غزة وعلاقة موسيفيني بإسرائيل

ويأتي التوسع في الدور العسكري الأوغندي في المنطقة وتنامي العلاقات مع شركات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية في ظل انتقادات لسجل بعض الأجهزة الأمنية الأوغندية التي كانت من بين الجهات المستفيدة من المعدات الإسرائيلية.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2021، فرضت الولايات المتحدة عقوبات بموجب قانون “ماغنيتسكي العالمي” على أبيل كانديهو، الذي كان آنذاك قائداً لجهاز الاستخبارات العسكرية الأوغندية، وهو أحد الأجهزة التي حددتها العقود المتاحة كمستخدم نهائي لمعدات “إلبيت”.

وقالت وزارة الخزانة الأمريكية عند فرض العقوبات إن كانديهو ومسؤولين في الاستخبارات العسكرية اعتقلوا واحتجزوا وعذبوا جسدياً أوغنديين بسبب آرائهم السياسية أو جنسيتهم أو انتقاداتهم للحكومة، متحدثة عن الضرب والاعتداء الجنسي والصعق بالكهرباء أثناء الاستجواب.

أما قيادة القوات الخاصة الأوغندية، التي تظهر أيضاً باعتبارها مستخدماً نهائياً للمعدات الإسرائيلية، فتُعدّ من أكثر الأجهزة الأمنية حساسية من الناحية السياسية، وترتبط بحماية الرئيس موسيفيني وعائلته. وكان نجله موهوزي كاينيروغابا يقود هذه القوات قبل أن يتولى قيادة الجيش بأكمله.

وتزامن تعزيز التعاون العسكري مع تقارب سياسي متزايد بين القيادة الأوغندية وإسرائيل.

وفي الأشهر الأخيرة، عبّر كاينيروغابا بصورة متكررة عن دعمه لإسرائيل، ووصل الأمر إلى التهديد بالتدخل إلى جانبها ضد خصومها.

وكتب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في مارس/ آذار الماضي، بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران: “نريد أن تنتهي الحرب في الشرق الأوسط الآن. لقد سئم العالم منها”، مضيفاً أن “أي حديث عن تدمير إسرائيل أو هزيمتها سيدخلنا في الحرب، إلى جانب إسرائيل”.

إرث طويل من التعاون

وتعود العلاقات العسكرية بين إسرائيل وأوغندا إلى السنوات الأولى لاستقلال الدولة الأفريقية عام 1962، عندما ساعدت إسرائيل في تدريب الجيش الأوغندي وتجهيزه.

كما تلقى عيدي أمين، الذي أصبح لاحقاً حاكماً عسكرياً للبلاد، تدريباً عسكرياً في إسرائيل، وحافظ على علاقات وثيقة مع مستشارين إسرائيليين.

وبعد وصول أمين إلى السلطة بانقلاب عام 1971، دعمت إسرائيل حكومته في البداية، قبل أن يقطع العلاقات معها عام 1972 إثر رفضها تزويده بطائرات مقاتلة من طراز “فانتوم” لاستخدامها في صراع محتمل مع تنزانيا. واتجه أمين لاحقاً إلى ليبيا للحصول على الدعم العسكري والمالي، وتبنى خطاباً مؤيداً للقضية الفلسطينية.

وبلغت العلاقات بين إسرائيل وأوغندا أدنى مستوياتها خلال أزمة احتجاز الرهائن في مطار عنتيبي عام 1976، قبل أن يعيد الرئيس يوري موسيفيني العلاقات مع إسرائيل عام 1994.

ومنذ ذلك الحين، تعمّقت العلاقات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية بين الجانبين، وصولاً إلى توقيع اتفاق جديد للتعاون الدفاعي عام 2022.

وقبل أيام فقط من تصويت البرلمان الأوغندي، في السادس من أغسطس/ آب، على إرسال قوات إلى غزة، كشف كاينيروغابا عن نصب تذكاري في مطار عنتيبي تكريماً ليوناتان نتنياهو، شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قُتل خلال عملية تحرير الرهائن في المطار عام 1976.

وفي منشور حُذف لاحقاً، قال كاينيروغابا إن فكرة إقامة النصب التذكاري جاءت، بحسب قوله، بعد “أحلام ورؤى” أخبره فيها المسيح، مضيفاً أنه طُلب منه بناء نصب ليوناتان نتنياهو في عنتيبي “وألا يخاف العالم”.

وخلال مراسم افتتاح النصب، أشاد كاينيروغابا بالعلاقات المتنامية بين كمبالا وتل أبيب، وقال إن النصب التذكارية “أكثر من مجرد حجر وبرونز”، وإنها تحفظ الذاكرة وتعلّم التاريخ وتلهم الأجيال المقبلة.

ويرى التحقيق أن الدعم الذي قدّمته “إلبيت” للقوات الخاصة الأوغندية، ودورها في تعزيز القدرات الأمنية المرتبطة بعائلة موسيفيني، يوفر سياقاً لفهم الدعم المتزايد الذي تبديه القيادة الأوغندية لإسرائيل، والذي قد يتخذ قريباً شكلاً عسكرياً من خلال نشر قوات أوغندية في قطاع غزة.

Share This Article