المسار : في تطور قد يضيف تهديدا جديدا إلى حركة الملاحة في مضيق هرمز، كشفت تقارير عن تعديل إيران منصات إطلاق صواريخ “فجر-5” بما يتيح استخدامها لإطلاق ألغام بحرية من اليابسة، بما يقلل الحاجة إلى إرسال زوارق أو سفن إلى المياه لزرعها.
وجاء الكشف بعد أيام من إعلان الولايات المتحدة إزالة الألغام البحرية من المسارات الملاحية الدولية في مضيق هرمز، إذ قالت القيادة المركزية الأمريكية إن قواتها قصفت الأحد منصتي إطلاق صواريخ إيرانيتين، بعد رصد أفراد من الحرس الثوري يستعدون لإطلاق صواريخ تحمل ألغاما بحرية في المضيق.
وبحسب تقرير لموقع “فرانس 24″، فإن تعديل منصات إطلاق “فجر-5” يمنح إيران وسيلة مختلفة لتهديد الملاحة، عبر نشر الألغام من البر ثم تحريك منصات الإطلاق، بدلا من الاعتماد على وسائل تقليدية مثل السفن والغواصات والطائرات والقوارب الصغيرة.
لغم ينطلق من اليابسة
تعد القدرة على إطلاق لغم بحري بواسطة صاروخ مدفعي أمرا غير مألوف، لكنها ليست جديدة تماما بالنسبة إلى إيران. ففي حزيران/يونيو 2024، أفادت مجلة “Maritime Executive” بأن طهران عرضت خلال مناورات بحرية نسخة معدلة من صاروخ “فجر-5” قادرة على إطلاق لغم عائم في المياه.
وخلال المناورة، أظهرت صور بثها التلفزيون الإيراني استخدام النظام لنشر ألغام بحرية في مياه الخليج.
وتقوم الفكرة على استبدال الرأس الحربي التقليدي للصاروخ بلغم بحري، ينفصل عن جسم الصاروخ بعد إطلاقه وعلى مسافة محددة من الهدف، ثم يستقر في المياه مستفيدا من صمام تقاربي وجزء من هيكله يعمل كعوامة.
وتسمح هذه الآلية، بحسب المادة، بنشر الألغام على نطاق واسع وفي عمق استراتيجي، من دون تعريض وسائل زرعها التقليدية للكشف والاستهداف المباشر.
ماذا نعرف عن “فجر-5″؟
ظهر صاروخ “فجر-5” ضمن منظومة “فجر” الإيرانية خلال ثمانينيات القرن الماضي، واستخدمت عائلة “فجر” لاحقا من جانب عدد من حلفاء إيران في المنطقة، مع تطوير نماذج ونسخ مختلفة منه.
ويعتمد الصاروخ على الإطلاق من راجمات متعددة المنصات، بما يسمح بتنفيذ رشقات كثيفة خلال فترة قصيرة وإغراق المناطق المستهدفة بعدد كبير من المقذوفات.
وصمم “فجر-5” أساسا لضرب الأهداف الثابتة أو واسعة المساحة، مثل المنشآت العسكرية والمطارات ومراكز القيادة والتجمعات والمناطق الصناعية، وليس لتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف صغيرة ومتحركة.
كما يتميز بحجمه الكبير مقارنة بصواريخ المدفعية التقليدية، ما يسمح له بحمل رأس حربي ذي وزن مرتفع وإحداث تأثير تدميري واسع في منطقة الهدف.
مواصفات وقدرات الصاروخ
يبلغ عيار “فجر-5” نحو 333 ملم، وطوله حوالي 6.48 أمتار، ويقدر وزنه بنحو 915 كيلوغراما، فيما يصل وزن الرأس الحربي إلى نحو 175 كيلوغراما، بينها 90 كيلوغراما من المواد شديدة الانفجار.
ويقدر مدى النسخة الأساسية بنحو 75 كيلومترا، مع اختلاف المواصفات والأرقام بحسب النماذج.
وتوجد منه نسختان، أحادية المرحلة وثنائية المرحلة؛ ويبلغ المدى الفعال للأولى نحو 75 كيلومترا، بينما يصل مدى الثانية إلى نحو 190 كيلومترا.
كما توجد نسخة “ثيرموباريك” تقدر قوتها الانفجارية بنحو مرة ونصف قوة مادة “تي إن تي”، ما يزيد نطاق التدمير والتأثير الحراري.
ولا يمتلك الصاروخ نظام توجيه، بل يعتمد على الإحداثيات المحددة مسبقا وزاوية الإطلاق والمدى الباليستي، ما يجعل دقته أقل من الصواريخ الموجهة الحديثة.
ويعمل بمحرك صاروخي يعتمد الوقود الصلب، ما يتيح سرعة الاستجابة وسهولة التخزين والاستعداد للإطلاق خلال دقائق، فيما تسمح راجماته متعددة المنصات بتنفيذ رشقات مركزة ضد مساحات واسعة.
تهديد أكبر من حجم اللغم
رغم أن ناقلات النفط الحديثة ذات الهيكل المزدوج قادرة على تحمل ثقوب صغيرة نسبيا، فإن الألغام العائمة قد تفرض تهديدا مختلفا يتمثل في حالة عدم اليقين بشأن سلامة مسارات الملاحة، وقد تدفع إلى عمليات بحث وإزالة ألغام حتى في حال نشر عدد محدود منها.
وتقدر صحيفة “نيويورك تايمز” أن اللغم الذي يمكن إطلاقه بواسطة “فجر-5” قد يحمل عشرات الأرطال من المتفجرات، وهي كمية أقل بكثير من الألغام البحرية الكبيرة التي تحمل مئات الأرطال، بسبب القيود التي يفرضها حجم الصاروخ.
ومع ذلك، يمكن للغم صغير أن يلحق أضرارا بسفينة حربية، فيما يمثل تهديدا أكبر لقوارب الصيد والسفن الصغيرة.
ولا يقتصر الخطر على الانفجار، إذ يمكن للألغام التي تطلقها الصواريخ أن تنجرف بعد دخولها المياه بفعل الرياح والتيارات، بخلاف الألغام الأكبر المثبتة أو المستقرة في قاع البحر، ما قد يؤدي إلى انتقالها إلى طرق الشحن أو المحيط المفتوح أو حتى وصولها إلى الشاطئ.
لماذا ظهر هذا السلاح الآن؟
يأتي هذا التطور في توقيت حساس بالنسبة إلى مضيق هرمز، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 25 آب/أغسطس تطهير المياه الدولية في المضيق من الألغام، محذرا من أن السفن الإيرانية التي تحاول زرع ألغام جديدة ستتعرض للتدمير.
وفي ظل ذلك، تبدو لدى إيران مصلحة في إيجاد وسيلة أخرى لإيصال الألغام إلى المياه من دون تعريض وسائل زرعها التقليدية للاستهداف المباشر.
ولا يعني امتلاك هذه القدرة بالضرورة أن طهران تستطيع إغلاق مضيق هرمز بالكامل، لكن إغلاقه بصورة كاملة قد لا يكون ضروريا لتحقيق تأثير اقتصادي واسع.
فمجرد وجود احتمال لوجود ألغام عائمة في مسارات الشحن قد يجبر السفن التجارية وشركات النقل على التعامل مع المضيق باعتباره ممرا غير آمن، وإجراء عمليات بحث وإزالة ألغام، ما يؤدي إلى إبطاء حركة الملاحة ورفع كلفة النقل وزيادة حالة عدم اليقين.
وبذلك، قد يكون التأثير الاستراتيجي لهذا السلاح أكبر بكثير من حجم شحنته المتفجرة؛ إذ لا تكمن خطورته فقط في قدرته على إلحاق الضرر بالسفن، وإنما في قدرته على إبقاء السؤال مفتوحا حول ما إذا كان مضيق هرمز آمنا ومفتوحا فعلا أمام الملاحة الدولية.

