المسار : أعادت إزاحة الستار، مطلع آب الماضي، عن تمثال يوناتان نتنياهو، شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عند مدخل مبنى الركاب القديم لمطار عنتيبي، تسليط الضوء على التمدّد الإسرائيلي المستمرّ في قلب أفريقيا. فالاحتفاء الأوغندي بذكرى الضابط الإسرائيلي الذي قُتل خلال عملية إنقاذ رهائن طائرة «إير فرانس» قبل خمسين عاماً (اختُطفت الطائرة عقب إقلاعها من أثينا، حيث توقّفت آتيةً من تل أبيب، وحُوّلت وجهتها إلى المطار الأوغندي)، تزامَن مع تحرّكات تقودها دول أفريقية عدّة، وفي مقدّمها بوروندي والكاميرون، لتعميق علاقاتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية بإسرائيل. وهي تحرّكات تحظى بدعم إثيوبي وإماراتي واسع النطاق، الأمر الذي يعزّز فرضية تبلور «تحالف» يربط هذه الأطراف في دوائر البحر الأحمر والقرن الأفريقي ووسط القارّة الأفريقية. وتستضيف أديس أبابا، على سبيل المثال، مقرّ السفارة الإسرائيلية المعتمَدة لدى بوروندي، فيما تدعم أبو ظبي نظام الرئيس الأوغندي، يوويري موسيفيني، وتحرّكاته الإقليمية في ملفات السودان وجنوب السودان ومياه النيل.
ويأتي ذلك فيما تظلّ صِلة النخب الأفريقية بالقضية الفلسطينية محكومة بإشكالية تاريخية، تتمثّل في تبنّي معظمها، بشكل لافت، السردية الاستعمارية الرسمية، التي قدّمت فلسطين باعتبارها «أرضاً بلا شعب»، أو على أنها أرض تفتقر إلى تاريخ حقيقي خارج الروايات الصهيونية واليهودية. وكانت ظهرت هذه السردية في كتابات شخصيات أفريقانية بارزة، من بينها كتابات أحد أبرز روّاد الحركة الأفريقانية المناهضة للاستعمار، الرائد الترينيدادي جورج بادمور (1903- 1959)، في ما رواه عن فترة وجوده في فلسطين إبّان الانتداب البريطاني؛ وكذلك لدى الرئيس الغاني الأسبق، كوامي نكروما، الذي بلغ عمق علاقته بإسرائيل حدّ تسخير أسطول شركة «بلاك ستار» الغانية لخدمة تجارة الكيان المارّة في قناة السويس – خلال خمسينيات القرن الماضي -، علماً أن نكروما ظلّ، حتى إطاحته في انقلاب شباط 1966، متمسّكاً بضرورة فصل القضايا الأفريقية عن قضية فلسطين.
ولئن اختلفت أسباب هذه الإشكالية أو تماثلت – باختلاف الحالات أو تماثلها -، فالأكيد أن كثيراً من الحكومات والأنظمة الأفريقية لا تستند في الأساس إلى شرعية شعبية حقيقية، ولا حتى إلى حالة دستورية رسمية، إنما تعتمد على الدعم الخارجي لضمان بقائها وتمرير سياساتها «التنموية»، التي باتت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأدوات «الاستعمار الجديد»، وكفيلة باستدامة نهب موارد شعوب القارّة مقابل أثمان زهيدة للغاية. وفي ضوء ذلك، تجاوزت الهيمنة الإسرائيلية في عدد من الدول الأفريقية مرحلة العمل على تأمين التأييد الأيديولوجي والسياسي للكيان، إلى إشراكها في تأمين نجاح السياسات الإسرائيلية في فلسطين، وخصوصاً في قطاع غزة. وفي هذا السياق، أعلنت أوغندا وبوروندي عزمهما المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» التي يشرف عليها «مجلس السلام»، بدعم إسرائيلي – أميركي كامل، والمُزمع نشرها في القطاع، فيما أفاد مسؤولون عسكريون من البلدَين، عقب محادثات مشتركة أُجريت في إسرائيل أواخر آب، بأنه جرى بالفعل اختيار العناصر المرشّحة للمشاركة في المهمّة، علماً أن الدولتَين تمتلكان خبرة واسعة في مثل تلك المهمّات، بعدما أسهمتا بأعداد كبيرة من الجنود في بعثات «حفظ السلام» في الصومال طوال أكثر من عقد.
من جهتها، أعلنت حكومة يوري موسيفيني الأوغندية، في 24 آب، التزامها بتقديم 1200 جندي أوغندي لـ«قوة الاستقرار»، فيما تشير مصادر متنوّعة إلى أن كمبالا تضع اللمسات الأخيرة على مشاركتها تلك. أمّا بوروندي، فلم يتحدّد بعد حجم القوة التي تعتزم إرسالها إلى غزة، فيما من المتوقّع أن يبلغ عديدها نحو 20 ألف جندي، بما يتجاوز نظيرتها الأوغندية، علماً أن حسم القرار، حتى الآن، يرتبط بالمقابل الذي ستحصل عليه غيتيغا لقاء المشاركة في «القوة الدولية»، وفقاً لمراقبين. وكانت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» تحدّثت، في منتصف آب، عن زيارة ضباط كبار من الجيشَين الأوغندي والبوروندي مدينة رفح جنوبي القطاع، في إطار عملية مسح ميداني للموقع قبل الانتشار؛ الأمر الذي يعزّز احتمال اقتراب غيتيغا من حسم قرارها، ربطاً باستكمال بنود الصفقة مع إسرائيل. وفي غضون ذلك، توحي طبيعة المناقشات العسكرية الجارية، والتنسيق القائم بين أوغندا وبوروندي، بأن القوات الأفريقية ستُكلّف بمهمات محدّدة، عملياتياً وجغرافياً، وسيتركّز انتشارها في مدينة رفح بمحاذاة الحدود المصرية. وحتى الساعة، لا يُعرف مستوى التنسيق مع القاهرة في هذا الشأن، مع الأخذ في الحسبان أن الخطوة تحظى بدعم أميركي كامل، وربّما تشمل تحرّكاً من واشنطن لتأمين تمويل خليجي إضافي بغية تحفيز مشاركة القوات الأفريقية.
من «مشروع أوغندا» إلى «تحالف عنتيبي»
في ذروة التمدّد البريطاني في شرق أفريقيا، طرحت الإمبراطورية البريطانية، في نيسان 1903، ما عُرف بـ«مشروع أوغندا» أو «برنامج أوغندا البريطانية». وإذ جاء هذا الطرح وقتذاك عقب اجتماعات مطوّلة حضرها تيودور هرتزل في لندن، منذ تشرين الأول 1902، وبعد زيارة خاطفة أجراها وزير المستعمرات البريطاني حينها، جوزيف تشامبرلين، إلى مومباسا، فقد قضى بإقامة مستوطنة يهودية تتمتّع بقدر من الحكم الذاتي، على مساحة تقارب 13 ألف كيلومتر مربّع (نحو نصف مساحة فلسطين قبل عام 1948)، في قلب محميّة شرق أفريقيا البريطانية. غير أن تحفّظات جماعات يهودية على المشروع، أبرزها الروسية، حال دون استكماله. ومع ذلك، وصلت نحو 80 عائلة يهودية بصورة منفردة إلى مومباسا، ومنها إلى هضبة أوسين غيشو (موقع المستوطنة)، قبل أن يُطوى المشروع بصورة شبه كاملة عقب صدور «وعد بلفور».
تجاوزت الهيمنة الإسرائيلية في عدد من الدول الأفريقية مرحلة العمل على تأمين التأييد للكيان
شكّلت هذه الخلفية التاريخية، أساساً – وإن كان زائفاً في جوهره – لبناء علاقات وطيدة بين إسرائيل وأوغندا منذ استقلال الأخيرة عام 1962. ويرى مؤرّخون إسرائيليون أن أوغندا، إلى جانب كينيا، احتلّتا موقعاً أساسياً في استراتيجية ديفيد بن غوريون المعروفة بـ«حلف الأطراف»، إذ لعبت الأولى الدور الأبرز في تمرير الأسلحة الإسرائيلية إلى جنوب السودان بين عامَي 1967 و1969. ثم عزّز الديكتاتور، عيدي أمين دادا، علاقات بلاده بإسرائيل على نحو غير مسبوق، بعدما كان أبدى إعجاباً كبيراً بها خلال تولّيه وزارة الدفاع في عهد سلفه، ميلتون أوبوتي، قبل انقلابه عليه واستيلائه على السلطة (1971-1979)، بدعم إسرائيلي. وعلى خُطى سلفه أمين، ينظر موسيفيني إلى العلاقة مع إسرائيل باعتبارها ضمانة لاستمرار حكمه، ثمّ لإنجاز مشروع توريث ابنه، الجنرال موهوزي كاينيروغابا، قائد القوات المسلّحة الأوغندية. وكان الأخير أعلن، في 25 آب، استعداده لتولّي منصب رفيع عام 2031، وذلك بعد أيام من حضوره حفل إزاحة الستار عن تمثال يوناتان نتنياهو في مطار عنتيبي، فيما تشير تقارير أوغندية إلى أن كاينيروغابا يتولّى مهمّة تعميق العلاقات مع إسرائيل، ضمن مجموعة من الملفات التي يديرها استعداداً لخلافة والده، وتشمل ترسيخ ما يُعرف بـ«تحالف عنتيبي» بين تل أبيب وكمبالا، تحت عنوان محاربة إيران.
وسبق للقائد الأوغندي أن أعلن، في تصريحات لافتة في آذار الماضي، أنه «فيما يريد العالم وضع نهاية للحرب في الشرق الأوسط، فإن أيّ حديث عن تدمير إسرائيل أو هزيمتها سيدفع أوغندا إلى القتال في جانبها»، مؤكداً عمل بلاده على إقامة تمثال ليوناتان نتنياهو – وهو ما تَحقّق أخيراً -، كخطوة لتوطيد ما سمّاه «أواصر الدم (الأوغندي) مع إسرائيل». وللمفارقة أيضاً، فإن موسيفيني، الذي استضافت بلاده قمّة «دول عدم الانحياز» في كمبالا عام 2024، ثمّ قمّة المراجعة في نهاية 2025، ورفع صوته بمناهضة الاستعمار وإرثه في العالم، ينخرط اليوم في خدمة الإمبريالية الأميركية – الإسرائيلية، وذلك عبر وضع «قوات الدفاع الشعبية» الأوغندية في تصرّف مشروع يهدف إلى نزع سلاح المقاومة الفلسطينية بمختلف فصائلها، وتحويل فلسطين إلى مستعمرة أميركية. واللافت أن هذه السياسة تحظى بدعم ديني ملحوظ في أوغندا، ولا سيما من رجال دين مرتبطين بمؤسّسات الدولة الرسمية؛ وهذا ما عبّرت عنه مثلاً – منتصف آب – مواقف جون نامبيشي، القائم بأعمال رئيس «منصة الوحدة الوطنية»، التي أيّدت بدورها قرار المشاركة، وإن عبّرت، خلال مداولات البرلمان الأوغندي، عن مخاوف تتعلّق بالإجراءات والرقابة والظروف التي ستعمل فيها القوات.
وهكذا، تكشف مواقف موسيفيني، الأب والابن، عن دورة جديدة من خدمة المصالح الإسرائيلية في وسط أفريقيا وشرقها، والاستعداد لتقديم كلّ ما يلزم في هذا السياق؛ من دعم «قوات الدعم السريع» سياسياً ولوجستياً، إلى تهديد مصالح مصر في الوصول الآمن والمستدام إلى مياه النيل، مروراً بتعزيز المشروع الإماراتي الهادف إلى نهب موارد جمهورية الكونغو الديمقراطية، وغيرها من المسائل. واللافت أن كلّ ذلك يترافق مع رفع شعارات أيديولوجية مُجرّبة، من قبيل الدعوة إلى ضرورة تداول السلطة، وهو الشعار نفسه الذي رفعه موسيفيني الأب قبل أكثر من أربعة عقود عند وصوله إلى الحكم.
إسرائيل وبوروندي: ضبط الجغرافيا
تكشف خطوة مشاركة قوات بوروندية في القوة التابعة لـ«مجلس السلام» في غزة، عمق العلاقات بين غيتيغا وتل أبيب، إذ توفّر الأخيرة دعماً للأولى في مجالات التعليم (خصوصاً في «جامعة بوروندي»)، بالإضافة إلى مجالات الزراعة والدفاع وإنتاج الطاقة والصحة، وذلك من خلال «الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي» (ماشاف) التابعة لوزارة الخارجية، والتي تتولّى إدارة جانب أساسي من هذه الأنشطة. ولا تبدو الحركة الإسرائيلية في بوروندي، والاستجابة الإيجابية التي تبديها الأخيرة، منفصلةً عن نشاط إسرائيل وأذرعها المختلفة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تقدّم أحياناً دعماً مشروطاً لطرفَي الصراع. والجدير ذكره، هنا، أن خبراء إسرائيليين انخرطوا، في ربيع عام 2026، في النزاع عبر شركة «بلاك ووتر»، بعدما أعلن مؤسّس الأخيرة، إريك برنس، نشر قوة أمنية خاصة لتشغيل طائرات مُسيّرة ومساعدة كينشاسا في تأمين مدينة أوفيرا الاستراتيجية، الواقعة على الحدود مع بوروندي، في مواجهة المتمرّدين المدعومين من رواندا.
وبصورة أعمّ، يمكن النظر إلى الحركة الإسرائيلية النشِطة في وسط أفريقيا وغربها، بالتوازي مع النشاط الدؤوب في القرن الأفريقي، باعتبارها مساراً مترابطاً يهدف إلى تكريس نفوذ إسرائيلي متّصل جغرافياً، يبدأ من إقليم «أرض الصومال» شرقاً، ويمتدّ عبر إثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا ورواندا وبوروندي، ثمّ جمهورية أفريقيا الوسطى والكاميرون، وصولاً إلى عدد من دول غرب أفريقيا. وإذ يؤسّس هذا المسار لما يمكن تسميته «الحزام الإسرائيلي» في أفريقيا، فهو ينبئ بما يتجاوز استعادة سياسة «حلف الأطراف» التي انتهجها بن غوريون – القائمة على اختيار «نقاط ارتكاز» عند أطراف العالم العربي -، إلى محاولة إقامة طوق جغرافي متجانس، يلتفّ حول هذا «العالم» بشكل خانق، وربّما يفتح الباب، لاحقاً، أمام تآكل ما تبقّى من تماسكه وأمنه القومي، بل ومقوّمات وجود بعض دوله.

