البداوي.. مخيم يواجه الاكتظاظ والأزمات ويتمسّك بفلسطين وحق العودة

المسار : تدخل مخيم البداوي، فيلفتك قبل أي شيء حضور فلسطين على الجدران. شعارات، رايات، وصور آلاف الشهداء من مختلف الفصائل الفلسطينية، تمتدّ على مداخل المخيم وأزقته، كأنها تحاول أن تختصر حكاية المكان ودوره في مراحل الكفاح الفلسطيني. هنا، لا تبدو فلسطين مجرد قضية سياسية بعيدة، بل جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، ومن ذاكرة أجيال وُلدت في المخيم ولم ترَ البلاد التي تتحدّر منها عائلاتها.

في مساحة لا تتجاوز نحو كيلومتر مربّع، يعيش نحو 38 ألف نسمة، في واحدة من أعلى حالات الاكتظاظ السكاني. منازل متلاصقة، أزقة ضيقة بالكاد تتسع لسيارة واحدة، ودرّاجات نارية تتنقّل بلا توقف، منذ ساعات الفجر وحتى ما بعد منتصف الليل.
على جانبي الطرق والأزقة، تنتشر محالّ تجارية وأسواق شعبية توفر تقريباً كل ما يحتاج إليه سكان المخيم، بل وحتى لبنانيون وسوريون من المناطق المحيطة، وصولاً إلى طرابلس ومناطق شمالية أخرى، بحثاً عن أسعار أقل من تلك السائدة خارجه. وفي المخيم معامل لإنتاج الشوكولا والحلويات ومياه الشرب، باتت مُنتجات بعضها تصل إلى أسواق واسعة في الشمال ولبنان.

مخيم يتّسع للنازحين والأزمات

بلغ الاكتظاظ السكاني ذروات إضافية في محطتين أساسيتين. الأولى مع نكبة مخيم نهر البارد، حين لجأ قسم كبير من سكانه إلى البداوي، والثانية مع الأزمة السورية، التي دفعت أعداداً من الفلسطينيين النازحين من مخيمات دمشق ومدن سورية أخرى إلى اللجوء إلى مخيمات لبنان.

ومع تزايد السكان، ازدادت الضغوط على البنى التحتية والخدمات والمساحات المُتاحة. ويقول مسؤول فلسطيني إن أعداداً من اللبنانيين والسوريين انتقلوا أيضاً إلى المخيم بحثاً عن كلفة معيشية أقل، سواء على مستوى الإيجارات أو اشتراكات الكهرباء والمياه أو أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، وحتى كلفة الاستشفاء والطبابة.
لكنّ انخفاض كلفة الحياة لا يعني أن الحياة سهلة. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تضرب لبنان انعكست بقوة على المخيم، فيما تقلّصت الخدمات والمساعدات التي كانت تشكل شبكة أمان أساسية للفلسطينيين. ويشير مسؤول فلسطيني إلى أن المساعدات الاجتماعية التي كانت مُتاحة عبر «الأونروا» وغيرها تراجعت إلى حدّ كبير، بما فيها المساعدات المرتبطة بالأمراض المُزمنة، بحيث بات بعض المرضى عاجزين عن تأمين أدويتهم.

35 معبراً أُغلقت

لا تتوقف معاناة المخيم عند الخدمات. فقد أدّى إغلاق الجيش اللبناني 35 معبراً كانت تربطه بمحيطه، إلى تضييق حركة الدخول والخروج. ويوضح مسؤول العلاقات السياسية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو العبد قدورة أن الحركة باتت محصورة بمعبرين أساسيين، هما معبر خليل الرحمن والمدخل الرئيسي، ولا يفصل بينهما سوى نحو 500 متر. وفي مخيم مساحته كيلومتر مربّع ويقطنه عشرات آلاف الأشخاص، تحوّل هذا الواقع إلى عامل إضافي في أزمة الازدحام والحركة.
في البداوي سبع مدارس، تستوعب كل منها بين 500 و600 طالب وطالبة. وبين المؤسسات التعليمية، تبرز مدرسة فرنسية توفّر منحاً جامعية عبر السفارة الفرنسية، يستفيد منها لبنانيون وفلسطينيون.

أمّا في المجال الاجتماعي، فتعمل مجموعة من الجمعيات، بينها «النجدة» و«بيت أطفال الصمود» وCBRI، إلى جانب أندية ومؤسسات ثقافية وكشفية. ويقول ناشط فلسطيني إن هذه المؤسسات تؤدّي دوراً يتجاوز تقديم الخدمات، إلى الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية لدى الأجيال الجديدة. ويشير تحديداً إلى «النادي الثقافي الفلسطيني»، و«جمعية كشافة المرشدات الفلسطينيات»، و«النجدة»، و«الصمود»، التي تعمل على تثقيف الأطفال والشباب بتاريخ فلسطين وثقافتها وعاداتها وتقاليدها، وعلى إبقاء حق العودة حاضراً في الوعي العام، لمنع تحوّل القضية الفلسطينية إلى مجرد ذكرى، في ظل محاولات دفع الأجيال الجديدة إلى الابتعاد عن القضية وحق العودة. ويشير إلى أن الفصائل الفلسطينية بدورها تنظّم بصورة مستمرة نشاطات وفعاليات وطنية وقومية، لإحياء المناسبات المرتبطة بفلسطين، يشارك فيها فلسطينيون ولبنانيون.

«الحياة تستمر»

رغم كل شيء، تبدو الحياة في المخيم أكثر نشاطاً مما توحي به ظروفه. هنا يتعايش الازدحام مع الحاجة، والفقر مع الحركة التجارية، والواقع الصعب مع محاولات مستمرة لتأمين الحد الأدنى من الحياة.
لكنّ الفلسطيني، كما يقول أحد المسؤولين، ليس مختلفاً عن اللبناني في حلمه بحياة أفضل. فكما يحلم لبنانيون بالهجرة بحثاً عن فرص وحياة أكثر استقراراً، يحلم فلسطينيون أيضاً بالرحيل، لا لأنهم تخلوا عن فلسطين، بل لأن شروط الحياة في المخيمات باتت أكثر قسوة.

وفي المقابل، هناك من يصرّ على البقاء وعلى إبقاء فلسطين حاضرة في تفاصيل الحياة. صور الشهداء على الجدران، النشاطات الوطنية، الجمعيات، المدارس، والفصائل، كلها تؤدّي وظيفة واحدة: منع المسافة الزمنية والجغرافية من تحويل فلسطين إلى قضية من الماضي.
في البداوي، معركة البقاء ليست أقل حضوراً من معركة الذاكرة. فالسكان لا يملكون ترف انتظار حل سياسي يعيدهم إلى فلسطين، ولا قدرة على تجاهل واقعهم اليومي. لذلك، يعيشون بين الاثنين: حياة يريدون أن تستمر، وقضية يرفضون أن تموت.

Share This Article