أكثر من ألف طبيب يغادرون دولة الإحتلال منذ السابع من أكتوبر

المسار : تواصل الأوساط السياسية الإسرائيلية إبداء قلقها من تزايد الهجرة العكسية لليهود من “إسرائيل”، إلا أن ما يزيد من حدة المخاوف أن هذه الهجرة باتت تشمل الكفاءات العلمية والمهنية، وفي مقدمتها الأطباء.

وذكر مراسل موقع /واللا/ الإسرائيلي، أفيخاي حاييم، أنه “بين عامي 2023 و2025، غادر 1370 طبيبًا إسرائيل لمدة عام على الأقل، بزيادة قدرها 94% مقارنة بالفترة نفسها قبل عقد من الزمن”. معتبراً أن هذه الزيادة تمثل “مؤشرًا مقلقًا”، لا سيما أن نسبة كبيرة من المغادرين هم أطباء مخضرمون وذوو خبرة، ما يثير مخاوف من إلحاق ضرر يصعب تداركه بقدرة “إسرائيل” على التعافي.

وأضاف حاييم، في تقرير صحفي، أن دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة “تل أبيب” أظهرت ارتفاعًا مقلقًا في معدلات هجرة الأطباء من “إسرائيل”، فضلًا عن تغير ملحوظ في التركيبة العمرية للأطباء المغادرين.

وبحسب الدراسة، غادر 416 طبيبًا “إسرائيل” عام 2023، و530 طبيبًا عام 2024، ونحو 419 طبيبًا عام 2025، مع الإشارة إلى أن رقم عام 2025 لا يزال تقديريًا وأوليًا ولم يُحسم بصورة نهائية.

وتعكس هذه الأرقام زيادة بنسبة 94% مقارنة بالفترة نفسها قبل عقد، أي بين عامي 2013 و2015، حين غادر “إسرائيل” 705 أطباء فقط.

وأُجريت الدراسة من قبل البروفيسور إيتاي آتر، من كلية كولر للإدارة ومنتدى “روش” للاقتصاديين من أجل الديمقراطية، والبروفيسور ناتاي بيرغمان، رئيس كلية بيرغلاس للاقتصاد، ودورون زامير، طالب الدكتوراه في كلية كولر للإدارة، وجميعهم من جامعة تل أبيب.

وأُنجزت الدراسة في إطار مشروع “تيسير الوصول إلى المعلومات للباحثين” التابع للمكتب المركزي للإحصاء، من خلال الربط بين بيانات السجل السكاني وسجل التعليم وملف التراخيص المهنية.

ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن 281 طبيبًا تبلغ أعمارهم 45 عامًا فأكثر غادروا “إسرائيل” خلال الفترة بين 2023 و2025 لمدة عام على الأقل، وهو ما يمثل نحو 20% من إجمالي الأطباء المغادرين، أي طبيبًا واحدًا من كل خمسة.

وبالمقارنة، بلغت نسبة الأطباء المخضرمين الذين غادروا “إسرائيل” خلال العقد السابق نحو 14%، أي طبيبًا واحدًا من كل سبعة.

هجرة الأطباء بحسب التخصص

وأظهر تحليل البيانات وفق التخصصات أن 215 طبيبًا باطنيًا غادروا “إسرائيل” خلال السنوات الثلاث الماضية، بما يعادل 3.9% من إجمالي أطباء الباطنة في “إسرائيل”.

كما غادر 188 جراحًا، بما يعادل 6% من إجمالي الجراحين، فيما غادر 116 طبيبًا من تخصصات العيون والجلدية والأنف والأذن والحنجرة، بما يعادل 6.2% من إجمالي الأطباء في هذه التخصصات.

وبلغ عدد المغادرين في التخصصات المساندة، بما فيها التخدير والأشعة وعلم الأمراض، 98 طبيبًا، بنسبة 3.9%.

كما غادر 94 طبيبًا من أطباء الأطفال، بما يعادل 6.2% من إجمالي أطباء الأطفال، و81 طبيبًا من تخصص طب الأسرة والمجتمع، بنسبة 2%، و72 طبيبًا من تخصص أمراض النساء والتوليد، بنسبة 4%، و51 طبيبًا في الطب النفسي، بنسبة 3.2%، و39 طبيبًا في تخصصي العناية المركزة وطب الطوارئ، بنسبة 4.7%.

وعند النظر إلى الأطباء الذين تقل أعمارهم عن 60 عامًا، سُجلت أعلى معدلات المغادرة بين أطباء العيون والجلدية والفيزيولوجيا الكهربية للقلب، إذ بلغت نسبتهم 9.4% من إجمالي الأطباء في هذه الفئة العمرية.

وجاء الجراحون في المرتبة التالية، إذ بلغت نسبة من غادروا منهم، ممن تقل أعمارهم عن 60 عامًا، نحو 8.8%. كما سجل طب الأطفال نسبة هجرة ملحوظة، إذ غادر 6.4% من أطباء الأطفال دون سن الستين خلال الفترة بين 2023 و2025.

تل أبيب في صدارة المناطق المتضررة

وعلى المستوى الجغرافي، تصدرت “تل أبيب” المناطق من حيث عدد الأطباء المغادرين، إذ غادرها 429 طبيبًا خلال الفترة نفسها، بما يعادل 5.4% من إجمالي أطباء المنطقة، فيما بلغت النسبة بين الأطباء الذين تقل أعمارهم عن 60 عامًا نحو 7.4%.

وجاءت المنطقة الوسطى في المرتبة التالية، بـ290 طبيبًا مغادرًا، تلتها حيفا بـ190 طبيبًا، ثم القدس بـ132 طبيبًا، والمنطقة الجنوبية بـ125 طبيبًا.

خسارة صافية متزايدة

وأكد حاييم أنه حتى بعد استبعاد الأطباء الإسرائيليين الذين عادوا إلى”إسرائيل”، فقدت البلاد 509 أطباء خلال عامي 2023 و2024، بمتوسط يبلغ نحو 255 طبيبًا سنويًا.

ويعادل هذا المعدل نحو خمسة أضعاف المتوسط السنوي المسجل خلال العقد السابق، بين عامي 2010 و2019، حين بلغ صافي العجز نحو 54 طبيبًا سنويًا.

ومن المرجح أن تؤثر زيادة هجرة الأطباء ذوي الخبرة سلبًا في جودة الخدمات الطبية، فضلًا عن تأثيرها في تدريب الجيل الجديد من الأطباء.

ولا يكمن الخطر، وفق الدراسة، في العدد الحالي للأطباء المغادرين فحسب، وإنما في احتمال استمرار هذا الاتجاه وتفاقمه، بما يهدد باستنزاف رأس المال البشري في إسرائيل.

ويُعد هذا الأمر مؤشرًا مقلقًا، خصوصًا أن بعض الأطباء يغادرون بصورة دائمة، بينما قد يتحول رحيل آخرين، الذي بدأ بهدف التدريب المؤقت، إلى قرار بالاستقرار والعمل في الخارج. ويزداد هذا الاحتمال مع ارتفاع نسبة الأطباء المخضرمين وذوي الخبرة بين المغادرين خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يعزز المخاوف من أن الهجرة لا ترتبط فقط بأغراض التدريب أو التطوير المهني.

وخلصت الدراسة إلى أن “إسرائيل” منذ عام 2023 تفقد أفضل كوادرها، محذرة من أن استمرار هذا الاتجاه ستكون له انعكاسات مباشرة على النظام الصحي.

فوجود عدد أقل من الأطباء قد يعني فترات انتظار أطول لإجراء العمليات والحصول على الرعاية الطبية، فضلًا عن تراجع القدرة على تقديم الخدمات الصحية بالكفاءة المطلوبة، وهو ما قد ينعكس في نهاية المطاف على جودة حياة السكان.

ومع استمرار هذا الاتجاه، تتزايد المخاوف من إلحاق ضرر طويل الأمد بقدرة “إسرائيل” على الحفاظ على كوادرها المهنية والعلمية، وعلى التعافي من الأزمات التي تواجهها.

ومع مرور الوقت، تتكشف مزيد من نقاط الضعف التي قد تؤثر في البنية الاجتماعية والاقتصادية الإسرائيلية، إذ تؤدي الهجرة المتزايدة للكفاءات إلى استنزاف رأس المال البشري، ولا سيما في القطاعات الحيوية، بما قد ينعكس على مستوى الخدمات ومستوى المعيشة، ويعزز النقاش الداخلي بشأن قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بكفاءاتها على المدى البعيد.

Share This Article