المسار : يصعب تماماً أن يكون كبار المسؤولين في شركة الملابس الرياضية أديداس غافلين عن الإشكاليات السياسية والإنسانية، ولكن الأخلاقية أيضاً، حين وقع اختيارهم على الجندي الإسرائيلي شاليف بيتون كي ينوب عن ملايين مبتوري الأعضاء في العالم بأسره، لتصوير حملتها الترويجية «خدمة الحذاء الواحد» الهادفة إلى تمكين الأشخاص الذين فقدوا أحد أطرافهم من شراء حذاء واحد بسعر مخفض بدلاً من زوج كامل.
فالجندي المذكور فقد ساقه خلال الخدمة في لواء المشاة ناحال الذي كان رأس حربة في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة سنة 2021، وانطوت مهامه على قنص الفلسطينيين أو التسبب في بتر أعضائهم وإصابتهم بإعاقات دائمة، خلال جولة من حروب الإبادة الإسرائيلية أسفرت آنذاك عن استشهاد 232 فلسطينياً، بينهم 65 طفلاً و39 سيدة و17 مسناً، وإصابة نحو 1900 آخرين في القطاع.
وعن سابق قصد وتصميم، كما يقول المنطق السليم، تجاهل منظمو الحملة حقائق دامغة تشير إلى أن أكثر من 10,000 شخص بُترت أطرافهم في القطاع نتيجة حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة هناك منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتقديرات الأمم المتحدة تؤكد أنّ واحداً من كل خمسة مبتوري أطراف في القطاع هو طفل، بينما تؤكد مجموعة «أنقذوا الأطفال» أن 10 أطفال يفقدون ساقاً واحدة أو كلتيهما يومياً.
تاريخ أديداس حافل بوقائع الانحياز لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ولعلّ الأشهر في هذا الملف قرار الشركة سحب العارضة الأمريكية من أصول فلسطينية بيلا حديد من حملتها الدعائية SL72 سنة 2024، رضوخاً لمجموعات ضغط يهودية مناصرة لدولة الاحتلال. وبالتالي لا يُنتظر من أديداس أن تساوي بين الجندي الإسرائيلي وآلاف الفلسطينيين من معاقي حروب الإبادة الإسرائيلية، ولكن كان منتظراً أن تتحلى الشركة بالحدّ الأدنى من الأخلاق، أو بالأحرى لا تُظهر كلّ هذا المستوى السافر من قلّة الأخلاق، فتحصر وضعية مبتوري الساق في قناص إسرائيلي ليس بريئاً من صفة مجرم الحرب.
بهذا المعنى فإن سؤال مقاطعة أديداس وسائر منتجاتها، الذي بادرت إليه شخصيات عالمية بارزة على شاكلة الممثل الإسباني خافيير بارديم والكاتبة الباكستانية فاطمة بوتو والمؤثر الأمريكي غاي كريستنسن، يصبح مشروعاً تماماً وليس ببعيد عن واجب الحد الأدنى في فضح هذه الممارسات الشائنة، وردع تكرارها هنا وهناك في ميادين الرياضة والحياة العامة إجمالاً.
ذلك لأن مبدأ المقاطعة في حالات مثل هذه، سافرة وفاضحة وأقرب إلى الصفعة المعلنة في وجه الإنسانية جمعاء، لا يقتصر على ردات الفعل المعنوية والعاطفية والإعلامية، ولن يتوقف عند تفضيح الجهة المقاطَعة على وسائل التواصل الاجتماعي والرأي العام فحسب، بل يشمل عواقب اقتصادية وتجارية وإنتاجية وخيمة جُرّبت مراراً مع شركات عالمية عابرة للقارات، وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة خصوصاً.
وقد لا يُثار كبير شكّ في أن أديداس استوجبت على نفسها مقاطعة منتوجاتها، وربما لأنها أيضاً لم تضرب عرض الحائط بالسوية الأخلاقية وحدها، بل انتهكت سموّ الروح الرياضية ذاتها أولاً وأخيراً.
المصدر … القدس العربي

