المسار : تغيّرت خريطة الاهتمام في الصحافة والإعلام العبري صباح الأربعاء 9 أيلول/سبتمبر، مع انتقال ملف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية من دائرة الجدل الإسرائيلي الداخلي إلى أزمة دبلوماسية مباشرة بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وعدد من حلفائها الغربيين، بالتزامن مع عودة ملف إخفاق 7 أكتوبر بقوة إلى قلب المعركة الانتخابية، واستمرار غزة ولبنان في صدارة الحسابات الأمنية.
وأصبح التطور الأبرز هو الإجراءات التي أعلنتها بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى ضد التجارة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات في الضفة الغربية. وتربط هذه الدول خطواتها بتسارع الاستيطان وعنف المستوطنين وتهجير الفلسطينيين، معتبرة أن هذه السياسات تقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
وتكتسب الإجراءات الجديدة أهمية إضافية لأنها لم تعد تقتصر على عقوبات تستهدف أفرادًا من المستوطنين، بل بدأت تنتقل إلى النشاط الاقتصادي للمستوطنات نفسها، في تطور يأتي بعد أيام من الكشف عن مشاريع استيطانية واسعة، بينها مخطط E1، وإقامة مستوطنات جديدة، وتوسعات في «عميحاي»، ومحاولات العودة إلى منطقة «عمونا».
وردت حكومة الاحتلال الإسرائيلي بإجراءات دبلوماسية غير مسبوقة تجاه بريطانيا، إذ أعلن وزير الخارجية جدعون ساعر إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، بالتنسيق مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
وشمل الرد الإسرائيلي أيضًا وقف مشاركة بريطانيا في آلية تنسيق تقودها الولايات المتحدة بشأن قطاع غزة، وإنهاء مشاركتها في تدريب قوات تابعة للسلطة الفلسطينية، إضافة إلى منع مسؤولين وشخصيات بريطانية من دخول دولة الاحتلال.
وبذلك، لم يعد الخلاف محصورًا بملف المستوطنات، بل امتدت تداعياته إلى القدس وغزة والسلطة الفلسطينية، في مؤشر على اتساع الأزمة بين حكومة نتنياهو ودول غربية كانت تعد من أبرز حلفائها.
وتولي الصحافة العبرية أهمية خاصة لإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، بالنظر إلى دورها التاريخي في إدارة العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين، ما يمنح الخطوة أبعادًا سياسية تتجاوز الخلاف التجاري حول منتجات المستوطنات.
ويبرز في هذا السياق أيضًا البعد الانتخابي، بعد اتهام ساعر بريطانيا بمحاولة التأثير في العملية السياسية الإسرائيلية قبيل الانتخابات، ما يجعل ملف الاستيطان حاضرًا في الوقت نفسه كأزمة خارجية وورقة داخل الصراع الانتخابي.
وفي الضفة الغربية، تتزامن الضغوط الغربية مع حالة تأهب عسكري إسرائيلي مرتفعة. وكانت تقارير عبرية قد تحدثت عن تعليمات من نتنياهو بإخلاء بعض البؤر الاستيطانية غير المرخصة، في ظل ضغوط أميركية متزايدة بسبب اعتداءات المستوطنين.
ويكشف ذلك عن تناقض متصاعد داخل سياسة حكومة الاحتلال: فمن جهة تدفع باتجاه إقامة مستوطنات جديدة وتوسيع البنية الاستيطانية، ومن جهة أخرى تواجه ضغطًا أميركيًا وأوروبيًا بسبب البؤر غير المرخصة وتصاعد اعتداءات المستوطنين.
وتبقى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منشغلة بتطورات الضفة، مع استمرار الاهتمام بعملية عقابا في طوباس، التي زعمت قوات الاحتلال خلالها اعتقال عشرة فلسطينيين والعثور على قذيفة صاروخية وأسلحة، إلى جانب تعزيز القوات في الضفة قبيل موسم الأعياد اليهودية.
وفي غزة، يبرز حديث جاريد كوشنر عن وجود تفاهم أميركي–إسرائيلي بشأن «الصورة النهائية» للقطاع، رغم إشارته إلى أن الانتخابات الإسرائيلية تؤثر في قرارات الحكومة. كما تحدث عن صعوبة تنفيذ مسار نزع سلاح حركة حماس، في ظل التعقيدات الأمنية والسياسية القائمة.
لكن أزمة المستوطنات وصلت بدورها إلى ملف غزة، بعدما قررت حكومة الاحتلال استبعاد بريطانيا من آلية التنسيق التي تقودها واشنطن بشأن القطاع، في خطوة تربط للمرة الأولى بصورة مباشرة بين العقوبات على المستوطنات وترتيبات «اليوم التالي» في غزة.
أما في القدس، فقد تحول المشهد من الإجراءات الأمنية والاقتحامات اليومية إلى مستوى دبلوماسي أوسع، مع إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية ودخول المدينة في صلب المواجهة بين لندن وحكومة الاحتلال.
وفي موازاة ذلك، عاد ملف ما كان يعرفه نتنياهو قبل هجوم 7 أكتوبر 2023 ليلاحقه سياسيًا. وتتفاعل في الإعلام العبري تقارير تتحدث عن تحذيرات تلقاها قبيل الهجوم بشأن نوايا يحيى السنوار واحتمال وقوع عملية واسعة، وهي قضية باتت جزءًا أساسيًا من المواجهة حول مسؤولية القيادة السياسية عن الإخفاق.
وهاجم غادي آيزنكوت نتنياهو متهمًا إياه بتلقي تحذيرات عديدة وعدم التعامل معها بالشكل المطلوب، بينما دعم نفتالي بينيت صحة أجزاء من المعلومات المنشورة، ما يضع القضية في قلب الحملة الانتخابية المتصاعدة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع إغلاق قوائم المرشحين للكنيست ودخول الأحزاب مرحلة أكثر حدة من المنافسة، وسط تركيز واضح على ملفات غزة والضفة والجيش ومسؤولية 7 أكتوبر في تحديد توجهات الناخب الإسرائيلي.
وفي الجبهة الشمالية، يبقى جنوب لبنان حاضرًا في الصحافة العبرية بعد الغارات الإسرائيلية الأخيرة، فيما تتحدث وسائل إعلام إسرائيلية عن هشاشة وقف إطلاق النار واحتمال تجدد التصعيد إذا استمرت المواجهات والضربات المتبادلة.
وبذلك، تكشف متابعة الإعلام العبري صباح اليوم عن ثلاثة ملفات رئيسية تتقدم المشهد: تحول الاستيطان إلى أزمة دولية، تصاعد المواجهة الدبلوماسية مع بريطانيا، وعودة ملف 7 أكتوبر لملاحقة نتنياهو مع اقتراب الانتخابات، في وقت تبقى فيه غزة والضفة ولبنان ملفات مفتوحة على تطورات أمنية جديدة.

