انتخابات الكنيست الـ26.. معركة إسقاط نتنياهو تصطدم بصعود اليمين المتطرف وأزمة تشكيل الحكومة

ومن بين جميع الأحزاب اليهودية، أجرت ثلاثة أحزاب فقط انتخابات تمهيدية لتسمية قوائمها الانتخابية؛ هي حزب الليكود، وحزب الديمقراطيين، وحزب “الصهيونية الدينية”. أما بقية الأحزاب، فقد عيّن قادتها قوائمها الانتخابية. وفي مقابل ذلك، انتخبت الأحزاب العربية كلها قوائم مرشحيها.

قائمة الليكود ومحاولات تنظيم صفوف أحزاب الائتلاف الحكومي

انتخب حزب الليكود قائمته الانتخابية للكنيست في 17 آب/ أغسطس 2026، وحرص زعيم الحزب، بنيامين نتنياهو، على الدفع بالمقربين منه، ممَّن يؤيدون سياساته بشأن الانقلاب القضائي الذي بادرت إليه حكومة نتنياهو عام 2023، إلى مراكز متقدمة في القائمة الانتخابية، في حين عمل على إبعاد العديد من قادة الليكود، ممن لديهم تطلعات إلى قيادة الحزب، إلى مراكز متأخرة في القائمة؛ ما يقلل من فرص انتخابهم[2]. وسمح مؤتمر حزب الليكود لنتنياهو بتعيين ثمانية مرشحين في قائمة الحزب لانتخابات الكنيست. لكن نتنياهو فشل في استمالة شخصيات ذات أهمية انتخابية، ما جعله يُعيّن شخصيات لا تحظى بشعبية في قواعد الليكود؛ من بينها وزير الأمن يسرائيل كاتس، ووزير الخارجية جدعون ساعر، والمعلق الشعبوي اليميني المتطرف يعقوب باردوغو، ومرشحون من عائلات القتلى والجرحى في حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة[3]. وبذلك، أحكم سيطرته على قائمة المرشحين على نحو يتيح له مواصلة قيادته المعارضة في حال خسارته الانتخابات. وتتوقع استطلاعات الرأي العام أن يحصل حزب الليكود على ما يراوح بين 20 و23 مقعدًا في الكنيست، مقارنة بـ 32 مقعدًا يشغلها الحزب حاليًّا.

ويواجه نتنياهو صعوبات في تنظيم معسكره، بما في ذلك إقناع بعض أحزاب اليمين المتطرف الشريكة في ائتلافه الحكومي بعدم المجازفة في خوض انتخابات الكنيست منفردة؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى تشتيت الأصوات، ويُعرّضها للفشل في اجتياز عتبة الحسم. وقد فشل نتنياهو في سعيه للتوفيق بين حزب “الصهيونية الدينية” بقيادة بتسلئيل سموتريتش وحزب القوة اليهودية بقيادة إيتمار بن غفير بشأن خوض الانتخابات بقائمة انتخابية مشتركة بينهما[4]. وفشل أيضًا في إقناع عوفر فينتر، وهو عميد متقاعد في الجيش الإسرائيلي، ذو ميول فاشية، يقود حاليًّا حزب “عمخا يسرائيل” (شعبك إسرائيل)، بخوض الانتخابات بقائمة مشتركة مع حزب “الصهيونية الدينية” الذي كان ينتمي إليه سابقًا، لكنه نجح في إقناع سموتريتش وموشيه فايغلين، رئيس حزب “زيهوت” (هوية) في تشكيل قائمة مشتركة لخوض انتخابات الكنيست.

قوائم الأحزاب اليمينية المتطرفة

تخوض أربعة أحزاب يمينية فاشية انتخابات الكنيست في ثلاث قوائم انتخابية، وتدعو جميعها، في برامجها الانتخابية، إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، إلى خارج فلسطين، وضمّ هذه المناطق إلى إسرائيل. وتدعم هذه الأحزاب الانقلاب القضائي، وإقامة نظام حكم تسلطي يكون خاليًا من الكوابح والتوازنات (ولا سيما القضائية) التي تحد من عسف سلطة الحكومة. وتشمل هذه القوائم كلًّا من حزب القوة اليهودية بقيادة بن غفير، وقائمة حزبَي “الصهيونية الدينية” و”زيهوت” بقيادة كل من سموتريتش وفايغلين، وقائمة حزب “عمخا يسرائيل”.

ويرأس بن غفير قائمة حزب “القوة اليهودية”، يليه في القائمة عدد من غُلاة المتطرفين، وأبرزهم عضو الكنيست طالي غوتليف التي انتقلت إليه من حزب الليكود؛ وذلك عقب خلافها مع نتنياهو، واتهامها إيَّاه بالتدخل ضدها في انتخابات قائمة الليكود للكنيست[5]. وتتوقع استطلاعات الرأي العام أن يحصل “حزب القوة اليهودية” في انتخابات الكنيست على ما يراوح بين 7 و8 مقاعد.

وقد توصَّل سموتريتش وفايغلين، في 1 أيلول/ سبتمبر 2026، بمساعدة نتنياهو، إلى اتفاق لخوض الانتخابات بقائمة مشتركة لضمان عبور عتبة الحسم. ويرأس سموتريتش قائمة “الصهيونية الدينية-زيهوت”، يليه فايغلين، الذي يحتل حزبه المركزين العاشر والحادي عشر من هذه القائمة[6]. وينافس فايغلين سموتريتش في تطرفه وعنصريته، إذ دعا في أثناء حرب الإبادة على قطاع غزة إلى طرد آخر فلسطيني منه وتحويل مدينة غزة إلى مدينة يهودية، ودعا كذلك إلى احتلال جنوب لبنان حتى نهر الزهراني، وطَرْد اللبنانيين منه وضمّه إلى إسرائيل[7]. وتتوقع استطلاعات الرأي العام أن تحصل هذه القائمة على ما يراوح بين 4 و5 مقاعد في الكنيست.

أما حزب عمخا يسرائيل الذي تأسس في أواخر آب/ أغسطس 2026، لخوض انتخابات الكنيست، فقد أعلن في خطاب تأسيس حزبه رفضه القاطع إنشاء دولة فلسطينية، وأن “الحل في غزة هو الهجرة”. ويسعى رئيسه فنتير إلى الحصول على تأييد غُلاة المتطرفين في إسرائيل؛ من بين المتدينين والعلمانيين على حدٍّ سواء[8]. وتتوقع استطلاعات الرأي العام أن تحصل قائمة عمخا يسرائيل على 4 مقاعد في الكنيست.

أما الأحزاب الدينية التقليدية، فهي تنتظم في قائمتين انتخابيتين يمثلهما حزب شاس وحزب يهدوت هتوراه. ويقود أرييه درعي قائمة حزب شاس الانتخابية، وقد شهد في الفترة الأخيرة تراجعًا في قوته الانتخابية بالنظر إلى أزمة تجنيد اليهود الحريديين في الجيش الإسرائيلي، والخلاف بين درعي والحاخام يتسحاق يوسف، ابن مؤسس شاس، وقائدها الروحي الحاخام عوفاديا يوسف. وكان شاس قد حصل على 11 مقعدًا في انتخابات الكنيست عام 2022. وتتوقع استطلاعات الرأي أن يحصل على 7 مقاعد في انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر المقبل. ويستند شاس إلى دعم معسكرين مختلفين من اليهود الشرقيين، هما: المعسكر التقليدي الذي يؤدّي قسم كبير من أبنائه الخدمة العسكرية في الجيش، ومعسكر الحريديين الذين يرفضون أداء هذه الخدمة في الجيش. وقد أفضى فرضُ عقوبات على الحريديين الذين يتهربون من الخدمة في الجيش إلى سخط معسكر اليهود الحريديين من أصول شرقية على قيادة شاس؛ لعجزها عن منع ذلك من جهة، وأفضى تشدد قيادة شاس في رفض تجنيد الحريديين إلى امتعاض معسكر اليهود الحريديين الذين يخدم أبناؤهم في الجيش من جهة أخرى. وفي محاولة للتخفيف من حدة الأزمة، اعترف درعي بالحاخام يوسف قائدًا روحيًّا لحركة شاس، في حين ظل هو زعيمًا سياسيًّا للحركة[9].

أما حزب يهدوت هتوراه، الذي يشمل حزبَي ديغل هتوراه وأغودات يسرائيل، ويمثلان اليهود الحريديين الغربيين، فيُتوقَّع أن يحافظ على قوته الانتخابية؛ إذ تمنحه استطلاعات الرأي العام نحو 8 مقاعد في الكنيست.

قوائم الأحزاب المناوئة لنتنياهو

تخوض الانتخابات البرلمانية أربع قوائم انتخابية تنتمي إلى المعسكر المناوئ لنتنياهو، هي: حزب “يشار” (مستقيم) بقيادة رئيس أركان الجيش الأسبق غادي آيزنكوت، و”بياحد” (معًا) بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، و”الديمقراطيون” بقيادة نائب رئيس الأركان الأسبق يائير غولان، وحزب “إسرائيل بيتنا” بقيادة أفيغدور ليبرمان.

وتتفق أحزاب معسكر اليمين المتطرف على قيادة نتنياهو، في حين يتنازع قادة المعسكر المناوئ القيادة في ما بينهم على القيادة. لكن استمرار تفوّق حزب “يشار” بقيادة آيزنكوت على منافسيه في استطلاعات الرأي العام يجعل منه المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة، في حال فوز هذا المعسكر في الانتخابات.

وعلى الرغم من اختلاف منطلقات الأحزاب المناوئة لنتنياهو، وتباين مواقفها من القضايا السياسية والاجتماعية، فإنها تتفق على عدائها له وإصرارها على إسقاطه، ومعارضتها إيّاه، حتى إن كان ذلك بدرجات متفاوتة؛ بالنظر إلى الانقلاب القضائي، وتمسكها بمقولة “إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية”، وعزمها على تشكيل لجنة تحقيق قضائية رسمية للتحقيق في “فشل” 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وإصرارها على تجنيد اليهود الحريديين في الجيش الإسرائيلي. أما بخصوص القضية الفلسطينية، فتتَّفق أحزاب هذا المعسكر، عمومًا، على إبقاء المستوطنات اليهودية في الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلة تحت حكم إسرائيل، في أيّ حلٍّ نهائي مع الفلسطينيين، وعلى تهميش القضية الفلسطينية، والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة في حدود 4 حزيران/ يونيو 1967. وتسعى هذه الأحزاب لتشكيل حكومة تضم أحزابًا يهودية صهيونية حصرًا، وهي لا تعارض دخول حزب عربي إلى الائتلاف الحكومي فحسب، باستثناء حزب “الديمقراطيين”، بل ترفض أيضًا (حتى الآن على الأقل) الاستناد إلى دعم أحزاب عربية للحكومة، حتى لو كان ذلك من خارج الائتلاف الحكومي؛ أي إنها تؤكد الاستناد إلى أغلبية يهودية في الكنيست، وهو أمرٌ لا يبدو أنها قادرة على تحصيله حتى الآن.

وقد حرص مؤسس حزب “يشار” آيزنكوت أن تشمل قائمته الانتخابية للكنيست قطاعات مختلفة من المجتمع الإسرائيلي؛ فهي تتشكل بالتساوي، من الرجال والنساء، وتشمل شخصيات ذات خبرة في مؤسسات الدولة، خاصة في المؤسسة العسكرية والأمنية، وشخصيات من رجال الأعمال، وشخصيات أخرى من قطاع التكنولوجيا الرفيعة، فضلًا عن خبراء اقتصاديين، وقادة في الحكم المحلي، وممثلين عن حركات الاحتجاج، ومرشحين من عائلات القتلى والأسرى في حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وأعضاء كنيست كانوا في حزب “يوجد مستقبل”، وحزب “كاحول لافان”؛ من بينهم حيلي تروبر، الذي انشق عن حزب كاحول لافان، في الفترة الأخيرة، وأسَّس حزب “البيت الصهيوني”، بيد أنه آثر الانضمام إلى قائمة حزب “يشار” في مركز متقدّم، خشية عدم تمكُّن حزبه من عبور عتبة الحسم[10]. وقد موضع آيزنكوت حزبه في مركز الخر​يطة الحزبية الإسرائيلية، وهو يطرح نفسه بديلًا من حكومة نتنياهو، وخاصة في معالجة القضايا الداخلية الملحّة. وتتوقع استطلاعات الرأي العام أن تحصل قائمة حزب “يشار” الانتخابية على ما يراوح بين 23 و25 مقعدًا في الكنيست.

ويقود بنيت ولبيد القائمة الانتخابية بياحد، التي أسَّساها في 26 نيسان/ أبريل 2026، بتحالف حزبيهما “بنيت 2026” و”يوجد مستقبل”، في الفترة التي كانت فيها استطلاعات الرأي العام تمكّنهما من الحصول، مجتمعَين، على نحو 26 مقعدًا في الكنيست. بيد أن التأييد الذي حصلت عليه القائمة في هذه الاستطلاعات سرعان ما تراجع، إلى أن استقر في الفترة الأخيرة على ما يراوح بين 12 و14 مقعدًا في الكنيست.

ويقود غولان قائمة حزب “الديمقراطيين” الذي تشكّل من اتحاد حزبي العمل وميرتس، في حزيران/ يونيو 2024، في محاولة منهما لوقف انحسار اليسار الصهيوني التقليدي وتلاشي إمكانية حصوله على تمثيل انتخابات الكنيست. وقد انتخب قائمته الانتخابية في 20 تموز/ يوليو 2026، وتتوقع استطلاعات الرأي العام أن تحصل على ما يراوح بين 10 و11 مقعدًا في الكنيست.

ويرأس ليبرمان قائمة حزب “إسرائيل بيتنا”، الذي لا يزال يشكّل المهاجرون اليهود الروس – في الهجرة المليونية من دول الاتحاد السوفياتي سابقًا إلى إسرائيل، في تسعينيات القرن العشرين – قاعدته الانتخابية الأساسية. وتتوقع استطلاعات الرأي العام أن تحصل القائمة على ما يراوح بين 9 و10 مقاعد في الكنيست.

قوائم الأحزاب العربية

تخوض الأحزاب العربية الانتخابات بقائمتين، هما: القائمة العربية المشتركة، والقائمة الموحدة (الحركة الإسلامية). وتتشكل القائمة العربية المشتركة من ثلاثة أحزاب، هي: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير. أما القائمة الموحدة فقد تحالفت مع العميد المتقاعد في الشرطة الإسرائيلية يوآف سيجالوفيتش الذي يحتل المركز الثاني في قائمتها الانتخابية. وعلى الرغم من الضغط الشعبي والجهود الكثيرة التي بُذلت لتشكيل قائمة انتخابية بالنسبة إلى جميع الأحزاب العربية، فقد رفضت القائمة الموحدة ذلك، وأصرَّت على خوض الانتخابات بالتحالف مع سيجالوفيتش؛ وذلك في سياق سعيها الدؤوب إلى الانضمام إلى الائتلاف الحكومي بعد ظهور نتائج الانتخابات. وتتوقع استطلاعات الرأي العام أن تحصل القائمة العربية المشتركة الثلاثية على ما يراوح بين 8 و9 مقاعد في الكنيست، وأن تحصل القائمة الموحدة على ما يراوح بين 4 و5 مقاعد في الكنيست.

خاتمة

​تُعَدّ انتخابات الكنيست المقبلة من أهم الانتخابات في تاريخ إسرائيل؛ لأنها قد تطيح أحدَ أطول رؤساء حكومات إسرائيل حكمًا على الإطلاق، وأشدهم تطرفًا. وتشير استطلاعات الرأي العام إلى أن أحزاب المعسكر المناوئ لنتنياهو ستتفوق على معسكره في عدد المقاعد في الكنيست، من دون أن يكون واضحًا إذا ما كانت ستحصل على 61 مقعدًا؛ أي العدد اللازم لتشكيل الحكومة. ولكن في ضوء تَفشِّي العنصرية في أجزاء واسعة من المجتمع الإسرائيلي، ورفض معظم أحزاب المعسكر المناوئ لنتنياهو الاستناد إلى حزب من الأحزاب العربية أو أكثر، فإن تشكيلها الحكومة من دون تغيير موقفها سيكون صعبًا إن لم يكن مستحيلًا.

Share This Article