المسار : حملت اقتحامات المسجد الأقصى المبارك، في ثالث أيام ما يسمى “عيد العُرش” اليهودي، رسائل تحريضية علنية، بعدما تعمّد مستوطنون ارتداء قمصان تحمل عبارات ورموزًا تدعو إلى هدم الأقصى وإقامة ما يسمى “الهيكل” على أنقاضه، في مشهد يعكس تصاعد الدعوات الرامية إلى تغيير واقع المسجد.
وأظهرت الصور مستوطنين يرتدون قمصانًا تحمل عبارات توراتية، من بينها “إلى بيت الرب نذهب” و”ستدوّي فيه المطارق”، مرفقة برسومات لرافعات ومعدات وآليات ثقيلة، تُوحي بأعمال هدم وتشييد وتغيير لمعالم الأقصى، في رسائل رمزية علنية تتضمن دعوات إلى هدم الأقصى وإقامة “الهيكل” مكانه.
في المقابل، ظهر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، خلال اقتحامه المسجد الأقصى اليوم، وهو يرقص ويغني مع مستوطنين في الساحة الغربية، بمحاذاة قبة الصخرة المشرفة، مرددًا عبارة: “سيُبنى الهيكل وستمتلئ مدينة صهيون”، وذلك عقب قيادته صلوات للمستوطنين في الساحة الشرقية.
وترافقت حملة التحريض مع تصاعد لافت في اقتحامات المسجد الأقصى منذ أمس الأحد، وارتفاع أعداد المستوطنين المقتحمين، الذين أدوا طقوسًا وصلوات تلمودية، تخللتها رقصات وهتافات داخل باحاته، ولا سيما في المنطقة الشرقية منه، بالتزامن مع تشديدات إسرائيلية وقيود على دخول المصلين إلى المسجد.
ويعتقد اليهود أن “هيكل سليمان” كان مبنيًا مكان قبة الصخرة المشرفة، وأن الصخرة التي بُنيت عليها القبة هي أساس الكون وأنها “قدس الأقداس”، لكن علماء آثار إسرائيليين يعتبرون أن المزاعم بوجود “الهيكل” مكان الصخرة “محض افتراء”.
تطور خطير
رئيس مركز القدس الدولي حسن خاطر يرى أن ما يجري حاليًا داخل المسجد الأقصى والتحريض على بناء “الهيكل” المزعوم مكانه، يمثل تطورًا خطيرًا وغير مسبوق.
ويوضح خاطر، في حديث له ، أن الانتهاكات وصلت إلى مستويات لم تعد فيها أي خطوط حمراء أو اعتبارات لحرمة المسجد الأقصى، باعتباره مقدسًا إسلاميًا يخص العالم الإسلامي بأكمله.
ويقول: إن “اتساع الاقتحامات التي يقودها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، بمشاركة شخصيات دينية وسياسية إسرائيلية، بالتزامن مع اقتحام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزيري المالية بتسلئيل سموتريتش والجيش يسرائيل كاتس لحائط البراق، يدل على أن دولة الاحتلال، بمؤسساتها وشخصياتها وسياساتها العامة، باتت تستهدف المسجد الأقصى بشكل واضح وصريح”.
ويضيف أن “استهداف المسجد الأقصى كان يتم سابقًا، بدرجة أكبر من خلال شخصيات أو منظمات تمثل تيارات معينة، لكنه بات اليوم يحظى بمشاركة مؤسسات الدولة وقياداتها السياسية والدينية”.
وهذا ما يُؤشر إلى أن المسجد المبارك أصبح مستهدفًا بشكل منظم ووفق سياسات ممنهجة من قبل حكومة الاحتلال، وليس من قبل منظمات أو شخصيات عادية.
أبعاد سياسية
ومن وجهة نظر خاطر، فإن هذا التطور يتجه نحو مستويات أكثر خطورة، لا سيما مع الإعلان عن أهداف تتعلق ببناء “الهيكل”، ورفع الشعارات والرموز المرتبطة به، إلى جانب إدخال “كتب الصلاة والأبواق والأعلام” إلى المسجد الأقصى، معتبرًا أن هذه الممارسات تعكس توجهًا نحو تحويل المسجد فعليًا إلى “مقدس يهودي”.
ويشير إلى أن ما يجري في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل يمثل نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يؤول إليه الوضع في الأقصى، قائلًا: إن “تهويد المسجد الإبراهيمي يسبق المسجد الأقصى بخطوات، وإن ما وصل إليه الحال هناك بات واضحًا للجميع”.
ويحمل تصاعد الدعوات إلى بناء “الهيكل” المزعوم مكان الأقصى، خلال الأعياد والمناسبات اليهودية، أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب الديني. وفق خاطر
ويؤكد أن الاحتلال يسعى إلى توظيف شعار “الهيكل” بوصفه رمزًا جامعًا في ظل ما وصفه بالتناقضات والأزمات الداخلية والخارجية التي تواجهها “إسرائيل”، وتوظيف هذه الرمزية الدينية لإعطاء دفعة لمشروعه السياسي واستقطاب مزيد من الدعم الخارجي، سواء من الولايات المتحدة أو من يهود العالم.
ويتابع أن “الرمزية الدينية تؤدي دورًا مهمًا في مثل هذه المشاريع، لا سيما في ظل ارتفاع كلفة استمرار المشروع الإسرائيلي على المستوى الدولي، وتزايد المخاوف لدى قطاعات من الإسرائيليين بشأن تداعياته”.
مخاوف من التنفيذ
ويحذر خاطر من أن استمرار الصمت العربي والإسلامي تجاه ما يجري في المسجد الأقصى قد يزيد من خطورة التطورات، متسائلًا عن إمكانية وصول مشروع بناء “الهيكل” إلى مرحلة التنفيذ إذا استمر الواقع الحالي، في ظل اضطهاد الشعب الفلسطيني، واستمرار فرض الوقائع داخل المسجد المبارك.
ووفقًا لرئيس مركز القدس الدولي، فإن استمرار هذه الظروف، إلى جانب غياب موقف عربي وإسلامي فاعل تجاه ما يجري في فلسطين، يجعل الأمر مرتبطًا بقرار الاحتلال ومدى جرأته على الانتقال إلى خطوات أكثر خطورة.
ويحذر من أن إقدام الاحتلال على المساس ببنيان المسجد الأقصى، سواء بهدم أجزاء منه أو السيطرة على أخرى ومنع الفلسطينيين من دخولها، وصولًا إلى تقسيمه جغرافيًا، ستكون لذلك تداعيات كارثية على المسجد.
ولا يتوقع خاطر أن تكون هناك ردود فعل رسمية عربية أو فلسطينية تتناسب مع خطورة هذه الخطوة، مرجحًا في المقابل بروز ردود فعل شعبية فلسطينية عليها.



