كتب “اسماعيل جمعه الريماوي”رام الله بلا حصانة.. الاحتلال يستبيح مقر السلطة ويعيد رسم خرائط السيطرة في الضفة

المسار :  ليست الاعتداءات المتصاعدة التي ينفذها المستوطنون، بالتزامن مع اقتحامات قوات الاحتلال الإسرائيلي لمناطق متفرقة في محافظة رام الله والبيرة، مجرد حوادث أمنية عابرة، ولا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع الذي تتحرك فيه الحكومة الإسرائيلية لفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية ، فحين تتزامن هذه الاعتداءات مع الذكرى السنوية السابعة لهجوم السابع من أكتوبر، وخلال فترة الأعياد اليهودية، فإن المشهد يطرح أسئلة تتجاوز طبيعة الاعتداءات وأهدافها المباشرة، لتصل إلى مستقبل السلطة الفلسطينية، وحدود دورها، وما تبقّى من اتفاقيات أوسلو ومفهوم الإدارة الفلسطينية للمناطق المصنفة «أ» و«ب».

وتكتسب هذه التطورات دلالة استثنائية عندما تطال رام الله، التي تشكّل المقر السياسي والإداري للسلطة الفلسطينية، وتضم مؤسساتها الرسمية، فحين تمتد الاعتداءات والاقتحامات إلى محيط مركز السلطة، فإن الرسالة لا تتوقف عند ترهيب المواطنين أو الاعتداء على ممتلكاتهم، بل تتجاوز ذلك إلى اختبار قدرة المؤسسات الفلسطينية على حماية السكان، وإظهار حدود صلاحياتها على الأرض، والتأكيد أن الاحتلال ما زال يمتلك أدوات التدخل العسكري وفرض الوقائع في أي منطقة من مناطق الضفة الغربية.

رام الله ليست مجرد مدينة مستهدفة، بل عنوان سياسي لما تبقّى من المشروع الإداري للسلطة الفلسطينية، ومن هنا، فإن استباحة محيطها، إلى جانب الاعتداءات على القرى والبلدات المحيطة بها، تحمل أبعاداً تتصل بمكانة السلطة نفسها، وبقدرتها على ممارسة دورها، وبالفجوة المتزايدة بين وجود مؤسسات فلسطينية قائمة وبين امتلاكها سلطة فعلية على الأرض.

تقويض السيادة.. حين تصبح الجغرافيا أداة سياسية

تقوم إحدى الرسائل الأساسية التي يمكن قراءتها في هذا التصعيد على إفراغ مفهوم السيادة الفلسطينية من مضمونه العملي ان وجد، فالسلطة الفلسطينية، وفق ترتيبات أوسلو، تمارس صلاحيات متفاوتة في المناطق المصنفة «أ» و«ب»، لكن هذه الصلاحيات لا تعني امتلاك سيادة كاملة، في ظل استمرار الاحتلال وتحكمه في جوانب رئيسية من الحركة والأمن والجغرافيا الفلسطينية.

غير أن اتساع الاقتحامات والاعتداءات إلى المدن والبلدات التي يفترض أن تخضع لإدارة فلسطينية يضاعف التناقض بين الصلاحيات المعلنة والقدرة الفعلية على حمايتها، ويصبح المواطن الفلسطيني أمام واقع يومي يرى فيه مؤسساته حاضرة إدارياً، لكنها لا تستطيع منع اقتحام أو وقف اعتداء أو ضمان حرية الحركة.

وفي هذا السياق، لا يحتاج الاحتلال إلى إعلان إلغاء ترتيبات أوسلو رسمياً كي يفرغها من مضمونها؛ إذ يمكنه، عبر فرض الوقائع العسكرية والاستيطانية، تقليص المساحة التي تتحرك فيها السلطة، وتحويل صلاحياتها إلى إدارة محدودة لشؤون السكان، بينما تبقى السيطرة الحاسمة على الأرض والحدود والحركة بيد الاحتلال.

والأخطر أن تكرار هذه الوقائع يبعث برسالة مفادها أن المستوطنين، تحت حماية جيش الاحتلال أو في ظل عجزه عن منع اعتداءاتهم، قادرون على التحرك وفرض إرادتهم في مناطق يفترض أنها ليست خاضعة للإدارة الإسرائيلية المدنية المباشرة ، وهكذا تتحول القوة الميدانية إلى أداة لإعادة تعريف حدود السيطرة، بعيداً عن أي اتفاق سياسي أو تفاوضي.

استهداف السلطة.. بين الضغط المالي والتضييق الميداني

لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن السياسات الإسرائيلية التي تضغط على السلطة الفلسطينية مالياً وسياسياً وأمنياً. فاحتجاز أموال المقاصة، وتقييد الحركة، وتوسيع الاستيطان، وتضييق المجال أمام النشاط الفلسطيني، كلها عوامل تؤثر في قدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار في أداء وظائفها.

وقد ارتبطت مواقف مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، بينهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، بدعوات وإجراءات تستهدف توسيع السيطرة الإسرائيلية وتقليص فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة ، وفي ظل هذه التوجهات، يبرز سؤال جوهري: هل يجري التعامل مع السلطة الفلسطينية باعتبارها طرفاً يمكن أن يؤدي دوراً في تسوية سياسية، أم باعتبارها كياناً إدارياً مطلوباً منه تحمل أعباء السكان من دون امتلاك الأدوات اللازمة لحمايتهم أو التحكم بمستقبل أرضهم؟

إن الجمع بين الضغط المالي والتوسع الاستيطاني والتدخل العسكري يضع السلطة أمام معادلة شديدة التعقيد ، فهي مطالبة بالحفاظ على المؤسسات والخدمات والاستقرار الداخلي، في وقت تتقلص فيه مواردها وصلاحياتها، وتتزايد فيه الاعتداءات على المواطنين والأراضي والممتلكات.

لكن هذه الضغوط لا تعني بالضرورة أن انهيار السلطة بات أمراً حتمياً؛ فذلك يتوقف على عوامل فلسطينية وإسرائيلية وإقليمية ودولية متعددة ، غير أن استمرار المسار الحالي يهدد بتآكل قدرتها على أداء وظائفها، ويزيد من أزمة الثقة بينها وبين المواطنين، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني برمته.

إرهاب المستوطنين.. فرض الوقائع بالترهيب والتهجير

في القرى والبلدات المحيطة برام الله، لا تنحصر آثار اعتداءات المستوطنين في الخسائر المباشرة التي تلحق بالمنازل والمركبات والأراضي الزراعية. فحين يتعرض المواطن للاعتداء أثناء وصوله إلى أرضه، أو يخشى على منزله وأطفاله، أو يُمنع من ممارسة حياته الطبيعية بسبب الحواجز والطرق المغلقة، يصبح الاعتداء جزءاً من ضغط متواصل يدفع السكان إلى الشعور بأن البقاء في أرضهم بات أكثر صعوبة.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تترافق مع توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وإغلاق الطرق، وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية خاصة مع بدء موسم قطف الزيتون، فهذه الإجراءات، مجتمعة، قد تسهم في تفكيك التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، وتضييق المساحات المتاحة للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتهيئة ظروف تدفع بعض السكان إلى الرحيل القسري أو التخلي عن أراضيهم.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الاعتداء الفردي إلى سؤال يتعلق بطبيعة المشروع الاستيطاني وأثره في الجغرافيا الفلسطينية ، فالأرض لا تُنتزع دائماً بقرار مصادرة معلن؛ فقد تتآكل السيطرة الفلسطينية عليها تدريجياً عبر الترهيب ومنع الوصول وتقطيع الطرق وفرض واقع أمني يجعل الحياة اليومية أكثر مشقة وخطورة.

أما دور جيش الاحتلال في هذا المشهد، فيستدعي التدقيق في مدى قيامه بمنع الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها، بدلاً من ترك السكان الفلسطينيين عرضة للعنف أو التعامل مع تحركات المستوطنين باعتبارها أمراً واقعاً ، فحماية المدنيين ومنع الاعتداء على ممتلكاتهم مسؤولية لا يمكن تجاوزها تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية.

الحواجز والإغلاقات.. حصار يتجاوز الأمن إلى الحياة اليومية

تتضاعف آثار الاعتداءات مع القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، وإغلاق مداخل القرى والبلدات، ونصب الحواجز العسكرية التي تعرقل الوصول إلى أماكن العمل والمستشفيات والمدارس والجامعات.

وتكشف هذه القيود عن جانب آخر من السيطرة على الأرض؛ إذ لا يقتصر التحكم بالجغرافيا على إقامة المستوطنات أو السيطرة على مساحات واسعة، بل يشمل أيضاً التحكم في حركة السكان وقدرتهم على التواصل مع محيطهم، وعندما تصبح رحلة قصيرة بين قريتين خاضعة لاحتمالات الإغلاق والتأخير والمنع، فإن الجغرافيا الفلسطينية تتحول إلى مساحات متقطعة، تتراجع فيها قدرة المجتمع على ممارسة حياته بصورة طبيعية.

وفي محيط رام الله، تتخذ هذه الإجراءات أهمية مضاعفة بسبب الدور الذي تؤديه المدينة مركزاً إدارياً واقتصادياً وسياسياً، فتعطيل الحركة من القرى والبلدات المحيطة وإليها لا ينعكس على المواطنين وحدهم، بل يؤثر أيضاً في النشاط الاقتصادي وفي قدرة المؤسسات على تقديم خدماتها، ويعمّق الشعور بأن المجال المتاح للحياة الفلسطينية يتقلص باستمرار.

وبذلك، يصبح الضغط الميداني جزءاً من معادلة سياسية أوسع، تتداخل فيها السيطرة على الطرق مع السيطرة على الأرض، ويتحول فيها الأمن إلى عامل يعيد تشكيل العلاقات بين التجمعات الفلسطينية ومراكزها الحضرية.

السلطة أمام اختبار يتجاوز البيانات والإدانات

في المقابل، تضع هذه التطورات القيادة الفلسطينية أمام اختبار حقيقي، فالمطلوب لا يقتصر على إصدار بيانات الإدانة أو التحذير من مخاطر الاستيطان، بل يتصل بقدرة المؤسسات الفلسطينية على حماية المواطنين ضمن حدود صلاحياتها، وتوثيق الاعتداءات، وتوفير الدعم للمتضررين، وتفعيل المسارات القانونية والدبلوماسية، وبناء موقف فلسطيني موحد قادر على مواجهة التحديات.

كما أن استمرار الاعتداءات في محيط مقر السلطة يفرض سؤالاً سياسياً لا يمكن تجاهله: ما قيمة المؤسسات إذا ظل المواطن يشعر بأنه وحيد في مواجهة المستوطنين والاقتحامات والحواجز؟ وكيف يمكن استعادة الثقة الشعبية إذا اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه الناس؟

غير أن تحميل السلطة وحدها مسؤولية هذا الواقع يتجاهل حقيقة أن الاحتلال هو الطرف الذي يمتلك السيطرة العسكرية الفعلية، وأن صلاحيات السلطة مقيدة بترتيبات سياسية وأمنية لا تمنحها سيادة مستقلة، ومع ذلك، فإن هذه الحقيقة لا تعفي القيادة الفلسطينية من مسؤوليتها عن تطوير أدوات المواجهة السياسية والقانونية والشعبية، وتعزيز صمود المواطنين، ومراجعة السياسات التي عمّقت أزمة الثقة والتمثيل.

إن مواجهة هذا المسار تحتاج إلى تحرك فلسطيني يتجاوز الانقسام، وإلى استراتيجية واضحة تربط حماية الناس بالدفاع عن الأرض، وتعيد الاعتبار للمشاركة الشعبية والمساءلة السياسية، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والسياسية.

رام الله ليست تفصيلاً.. إنها عنوان المعركة على مستقبل فلسطين

إن ما يجري في محافظة رام الله والبيرة يعيد طرح السؤال المركزي بشأن مستقبل الضفة الغربية: هل تبقى المناطق الفلسطينية تجمعات منفصلة، تدير شؤونها مؤسسات محدودة الصلاحيات، فيما يتحكم الاحتلال بمفاصل الأرض والحركة والأمن؟ أم أن الفلسطينيين قادرون على تحويل هذا الواقع إلى قضية سياسية وقانونية دولية لا يمكن تجاوزها؟

إن استهداف رام الله، سواء عبر الاقتحامات المباشرة أو الضغط على محيطها أو التضييق على القرى والبلدات المرتبطة بها، يحمل دلالة تتجاوز حدود المحافظة ، فالمدينة التي تضم مقر السلطة ومؤسساتها

تصبح، بحكم موقعها السياسي، مرآة للتناقض بين وجود كيان إداري فلسطيني وبين استمرار الاحتلال في التحكم بمساحات واسعة من حياة الفلسطينيين ومستقبلهم.

وإذا كانت إسرائيل قادرة على فرض وقائع ميدانية جديدة، فإن تحويل هذه الوقائع إلى تسوية دائمة ليس أمراً محسوماً ، فذلك يظل مرتبطاً بقدرة الفلسطينيين على حماية وجودهم على الأرض، وبمدى فاعلية التحرك الدولي، وبإرادة سياسية تتعامل مع الاستيطان والاقتحامات باعتبارهما جزءاً من قضية واحدة تتصل بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

فالمعركة في رام الله ليست معركة على مدينة فحسب، بل على معنى السلطة وحدودها، وعلى حق الفلسطيني في أن يكون صاحب القرار على أرضه. وحين تصبح الاعتداءات قريبة من مقر السلطة ومؤسساتها، فإن الرسالة الأشد وضوحاً هي أن وجود المؤسسات وحده لا يصنع السيادة، وأن حماية المشروع الوطني تتطلب ما هو أبعد من البقاء الإداري: تتطلب إرادة سياسية موحدة، ومساءلة حقيقية، واستراتيجية تحمي الإنسان والأرض، وتعيد للقضية الفلسطينية جوهرها بوصفها قضية حرية وحق في تقرير المصير.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار 

Share This Article