بقلم أحمد زكي العريدي: جهات ليبية تطالب الفلسطينيين بالرحيل… هل بات الوجود الفلسطيني مستهدفًا أينما حلّ؟

الفلسطيني ليس عيبًا على العرب… هل يُقدَّم الفلسطيني قربانًا للتطبيع مع إسرائيل؟
المسار: تتواصل التساؤلات حول مطالبة جهات ليبية فلسطينيين بمغادرة ليبيا، في قضية تتجاوز حدود الإقامة والترحيل لتلامس كرامة الإنسان الفلسطيني ومكانته في محيطه العربي، وتفتح الباب أمام تساؤلات سياسية لا يمكن تجاهلها.
وبحسب المعلومات التي بحوزتي ، فإن وزيرة الخارجية الفلسطينية طالبت، خلال زيارتها الأخيرة إلى ليبيا قبل نحو أسبوع، الجهات الليبية بوقف أي إجراءات تستهدف ترحيل الفلسطينيين أو مطالبتهم بالمغادرة.وتعكس هذه التفاصيل حجم القلق الفلسطيني من تداعيات هذه القضية، وتؤكد ضرورة الحصول على موقف ليبي رسمي يوضح حقيقة الإجراءات المتخذة، وأهدافها، والفئات التي قد تشملها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، وبكل مرارة: هل أصبح الفلسطيني عيبًا على بعض الدول العربية الشقيقة، كما تحاول بعض الأوساط الإسرائيلية تصوير وجوده باعتباره مشكلة ينبغي التخلص منها؟
أي منطق هذا الذي يجعل الفلسطيني، الذي دفع أثمانًا باهظة من أرضه ودمه ومستقبل أبنائه، موضع اتهام لمجرد أنه فلسطيني؟ وأي عدالة هذه التي تحمّل الضحية مسؤولية المأساة التي صنعها الاحتلال، ثم تطالبه بالرحيل من مكان آخر بحثًا عن ملاذ آمن؟
الفلسطيني الذي ساهم في بناء الدول العربية
لا يجوز أن ننسى الدور الذي أدّاه الفلسطينيون في بناء المجتمعات العربية وتطوير مؤسساتها، ولا سيما في مجالات التعليم والصحة والإدارة والإعلام والهندسة والاقتصاد.
فقد حمل الفلسطينيون معهم، رغم التهجير واللجوء، خبراتهم العلمية والمهنية، وساهموا في إعداد الأجيال، وتأسيس المؤسسات، وتطوير قطاعات حيوية في عدد من الدول العربية. وكان المعلم والطبيب والمهندس والصحفي والأكاديمي الفلسطيني حاضرًا في مسيرة التنمية العربية، في وقت كانت فيه دول كثيرة تشق طريقها نحو بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
ولم يكن الفلسطيني يومًا مجرد طالب للضيافة أو المساعدة؛ فقد أعطى بقدر ما استطاع، وعمل، وعلّم، وبنى، وشارك في نهضة البلدان التي عاش فيها. ولم يكن ينتظر مقابلًا سياسيًا لعطائه، بل كان يبحث عن حياة كريمة إلى أن يتمكن شعبه من استعادة حقوقه الوطنية.
فكيف يُختزل هذا التاريخ الطويل في سؤال عن بقاء الفلسطيني أو رحيله؟ وكيف يتحول الإنسان الذي ساهم في بناء المؤسسات إلى عبء، بدل أن يُنظر إليه بوصفه شريكًا في مسيرة التنمية؟
هل يُستفَز الفلسطيني تمهيدًا للتطبيع؟
الأكثر خطورة في هذه القضية هو ما يُثار من تساؤلات بشأن احتمال وجود ضغوط إسرائيلية، مباشرة أو غير مباشرة، تدفع بعض الجهات إلى التضييق على الفلسطينيين في ليبيا، أو استفزازهم، أو جعل إقامتهم موضع نزاع سياسي.
وتذهب بعض التقديرات إلى الربط بين هذه التطورات واحتمالات التقارب الليبي الإسرائيلي. غير أن هذا الربط، مهما بدا مثيرًا للقلق، يحتاج إلى أدلة موثقة ومعلومات مستقلة قبل اعتباره حقيقة سياسية ثابتة.
ومع ذلك، فإن السؤال السياسي يظل مشروعًا: هل يمكن أن يتحول الفلسطيني إلى ورقة ضغط في حسابات التطبيع؟ وهل يصبح التضييق عليه وسيلة لإرسال إشارات سياسية إلى إسرائيل أو لتهيئة الأجواء لعلاقات معها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يدفع الفلسطيني ثمن علاقات لا يقررها، وأن يتحول إلى ضحية إضافية لصراعات المصالح الإقليمية. فالتطبيع، إن جرى بين أي دولتين، لا ينبغي أن يكون على حساب كرامة الفلسطيني أو حقوقه أو أمنه واستقراره.
لا يجوز أن يكون الفلسطيني قربانًا لأي علاقة سياسية، ولا ورقة تفاوض في أي صفقة إقليمية.
فمن يريد إقامة علاقات مع إسرائيل، إن اختار ذلك، يتحمل مسؤولية قراره السياسي، ولا يملك أن يجعل من الفلسطيني هدفًا لتلك العلاقة أو وسيلة لإرضاء أي طرف.
وتبرز في هذا السياق، بحسب ما يُتداول، اسم ثريا الطويبي، التي تُنسب إليها مواقف تدعو إلى مغادرة الفلسطينيين ليبيا، حيث كان لها لقاءات سابقة مع إسرائيليين. لكن خطورة القضية لا تسمح بالتعامل معها باعتبارها شأنًا عابرًا أو خلافًا سياسيًا محدودًا.
الفلسطيني الذي يطارده الاحتلال في وطنه، هل يُلاحَق أيضًا في بلاد العرب؟
إن الفلسطيني لا تنقصه الهموم، ولا تنقصه الحواجز والبوابات العسكرية، ولا تنقصه سياسات الاحتلال التي تحاصره في أرضه، وتضيّق عليه سبل العيش، وتقتلع أشجار زيتونه، وتهدد بيته وأرضه ومستقبل أبنائه. فهل يُراد له، بعد كل ذلك، أن يواجه مخاوف جديدة تتعلق بحقّه في الإقامة والعيش الكريم في البلدان العربية التي لجأ إليها أو أقام فيها عبر سنوات طويلة؟
إن الحديث عن مطالبة الفلسطينيين بالرحيل،يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الحالة الليبية إلى قضية الوجود الفلسطيني في الشتات، ومدى شعور الفلسطيني بالأمان والاستقرار في محيطه العربي، في ظل غياب الدولة الفلسطينية المستقلة القادرة على احتضان أبنائها وجمع شتاتهم.
هل أصبح الفلسطيني الحلقة الأضعف في المعادلات العربية والدولية؟
إن مأساة الفلسطيني تكمن في أنه لا يملك حتى الآن دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، يستطيع من خلالها حماية مصالح شعبه، ورعاية أبنائه في الداخل والخارج، وضمان عودتهم إلى وطنهم. فهو يعيش تحت الاحتلال في فلسطين، ويواجه تحديات اللجوء والإقامة والعمل في بعض بلدان الشتات، فيما تتقاذفه الأزمات والصراعات والتجاذبات السياسية.
لكن من الضروري التمييز بين مواقف بعض الجهات أو الشخصيات وبين مواقف الشعوب العربية بأكملها. فالفلسطينيون ليسوا غرباء عن الأمة العربية، وقضيتهم ليست عبئًا على أحد، كما أن حقوقهم الإنسانية وكرامتهم لا ينبغي أن تكونا موضع مساومة أو تصفية حسابات سياسية.
إن المطلوب اليوم من القيادة الفلسطينية تحرّك دبلوماسي عاجل لتوضيح حقيقة ما يجري في ليبيا، والتواصل مع السلطات الليبية لضمان عدم اتخاذ أي إجراءات تعسفية بحق الفلسطينيين، وحماية حقوقهم القانونية والإنسانية، بعيدًا عن حملات التحريض والتجاذبات السياسية.
كما أن المطلوب من المؤسسات العربية المعنية أن تتعامل مع هذه القضية بمسؤولية، وأن ترفض تحويل الفلسطينيين إلى ضحايا إضافيين للأزمات السياسية، وأن تضمن معاملتهم بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم، وفق القوانين والاتفاقيات ذات الصلة.
فلسطين ليست مجرد أرض، والفلسطيني ليس رقمًا في سجلات اللاجئين.
إنه إنسان اقتُلع مئات الألف من أبناء شعبه من أرضهم، ولا يزالون ينتظرون اليوم الذي يعودون فيه إلى وطنهم بحرية وكرامة. وليس من العدل أن يتحول فقدانهم وطنًا آمنًا إلى سبب إضافي لتهديد استقرارهم في أماكن إقامتهم.
ذاكرة التسعينيات… ومحاولة دفع الفلسطينيين نحو معبر السلوم
وللقضية ذاكرة تاريخية مؤلمة أيضًا. ففي تسعينيات القرن الماضي، شهدت العلاقة بين السلطات الليبية والفلسطينيين أزمة ارتبطت بمحاولات دفع فلسطينيين إلى مغادرة ليبيا باتجاه معبر السلوم الحدودي مع مصر، وفق روايات وشهادات متداولة عن تلك المرحلة.
وتستدعي هذه الوقائع التاريخية مراجعة دقيقة للوثائق والشهادات لتحديد تفاصيلها وأعداد المتضررين والقرارات التي اتُّخذت آنذاك. لكنها، في الذاكرة الفلسطينية، تظل تذكيرًا بما يمكن أن يواجهه اللاجئ حين تصبح إقامته رهينة التحولات السياسية.
إن إعادة فتح هذا الملف اليوم ليست استدعاءً للماضي من أجل تأجيج الخلاف مع ليبيا أو شعبها، بل تحذير من تكرار مآسٍ دفع الفلسطينيون ثمنها من استقرارهم وأمن أسرهم ومستقبل أبنائهم.
والشعب الليبي، بتاريخه ومواقفه المتعددة تجاه القضية الفلسطينية، ليس كتلة واحدة يمكن اختزالها في موقف جهة أو شخصية. ولذلك فإن المطلوب هو الفصل بين الشعب الليبي الشقيق وبين أي سياسات أو إجراءات قد تستهدف الفلسطينيين، مع ضرورة توضيح حقيقة ما يجري عبر القنوات الرسمية.
أين الموقف الفلسطيني والعربي؟
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق القيادة الفلسطينية، التي ينبغي ألا تكتفي بالاتصالات الدبلوماسية المغلقة، بل أن تسعى إلى ضمانات واضحة تحول دون اتخاذ إجراءات تعسفية بحق الفلسطينيين، وأن تطالب بتوضيح رسمي بشأن أي قرارات أو تعليمات تتعلق بإقامتهم.
كما أن الجامعة العربية مطالبة بالتعامل مع القضية باعتبارها مسألة تمس كرامة الإنسان العربي وحقوق اللاجئين، لا مجرد خلاف إداري بين دولة ومقيمين على أراضيها.
ومن حق ليبيا، شأنها شأن أي دولة، تنظيم شؤون الإقامة وفق قوانينها والتزاماتها، لكن ذلك يجب أن يتم بإجراءات قانونية واضحة، وضمانات إنسانية، ومن دون تمييز تعسفي أو تحريض على أساس الهوية الوطنية.
أما الفلسطينيون، فلا ينبغي أن يُتركوا لمواجهة هذه الأزمات وحدهم، ولا أن يصبحوا الحلقة الأضعف في كل معادلة سياسية عربية أو دولية.
فلسطين ليست عبئًا… والفلسطيني ليس متهمًا
إن المأساة الفلسطينية لا تبدأ عند حدود فلسطين ولا تنتهي عند حدود الدول التي تستضيف اللاجئين. إنها قضية شعب حُرم من حقوقه الوطنية، وما زال يسعى إلى الحرية والاستقلال والعودة، ويعيش أبناؤه بين الاحتلال واللجوء والقيود السياسية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن أي مطالبة بمغادرة الفلسطينيين ليبيا، يجب أن تُدرس في ضوء القانون والحقوق والظروف الإنسانية، بعيدًا عن المزايدات والضغوط الخارجية والتوظيف السياسي.
الفلسطيني ليس عيبًا على العرب، وليس عبئًا على من احتضنه، وليس قربانًا للتطبيع مع إسرائيل.
لقد ساهم الفلسطيني في بناء المدارس والجامعات والمستشفيات والمؤسسات، وحمل علمه وهويته أينما ذهب، وظل متمسكًا بحقه في وطنه. وليس من العدل أن يُعاقَب على تمسكه بهويته، أو أن يُطلب منه دفع ثمن صراعات لم يخترها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسمعه الجميع: إذا كان الفلسطيني يُحاصَر في وطنه، ويُقتلع من أرضه، وتُهدَّد أشجاره ومصادر رزقه، ثم يجد نفسه أمام مخاوف جديدة في بعض أماكن اللجوء، فمن يحمي حقه في الحياة الكريمة؟
إن الجواب لا يكون بمطالبة الفلسطيني بالرحيل مرة أخرى، بل بإنهاء أسباب مأساته، واحترام حقوقه، وتمكينه من العيش بكرامة إلى أن يأتي اليوم الذي يعود فيه إلى وطنه حرًا مستقلًا.
فلا تجعلوا الفلسطيني يدفع ثمن التطبيع، ولا تجعلوا من اللجوء جريمة، ولا تنسوا أن من حق هذا الشعب أن يعيش بكرامة حتى يعود إلى أرضه.
جميع المقالات تعبر عن رأي صاحبها وليس عن رأي المسار الإخباري
Share This Article