حين تُغلق الطرق وتُستهدف الأرض، يفتح المنتج الفلسطيني نافذة للأمل؛ لكن الصمود يحتاج إلى ما هو أبعد من المعارض والشعارات.
المسار: اليوم22/10/2026 تستعد فيه بلدة بديا لافتتاح المعرض الاقتصادي الفلسطيني 2026 تحت شعار «صُنع في فلسطين»، في الوقت الذي تقف محافظة سلفيت أمام مفارقة تستحق التوقف عندها، محافظة تمتلك قاعدة صناعية وإنتاجية، وتحتضن منشآت اقتصادية توفر فرص العمل وتسهم في الاقتصاد الفلسطيني، لكنها تواجه في الوقت نفسه إغلاقات خانقة تعزل تجمعاتها، واعتداءات متصاعدة تستهدف المواطنين وأراضيهم وممتلكاتهم، وواقعًا اقتصاديًا يزداد صعوبة بفعل القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الموارد والأسواق.
ليس معرض الصناعات الفلسطينية مجرد فعالية تجارية تُعرض فيها المنتجات وتُعقد خلالها اللقاءات بين الشركات والمستهلكين. إنه فرصة لإظهار وجه آخر لمحافظة سلفيت، لا تختزله الحواجز العسكرية ولا تختصره اعتداءات المستوطنين، بل يكشف عن محافظة تنتج وتعمل وتستثمر، وعن عمال ومهندسين ومزارعين وأصحاب منشآت يواصلون بناء مقومات الحياة رغم الظروف القاسية.
لكن قيمة هذا الحدث لا ينبغي أن تتوقف عند الاحتفاء بالإنتاج الوطني. فالمعرض يطرح، في توقيته ومكانه، سؤالًا أعمق: كيف يمكن لمحافظة تُظهر هذه القدرة على الإنتاج أن تواصل تنميتها فيما تُقيَّد حركة سكانها، وتُعزل بلداتها وقراها، وتتعرض أراضيها الزراعية لاعتداءات تهدد مصادر الرزق والاستقرار؟ ويمزق وحدتها الاستيطان، وتقام على أراضيها أكبر تجمعات صناعية إسرائيلية!! إن الاحتفاء بقدرة سلفيت على الإنتاج يجب أن يقترن بمواجهة الأسباب التي تعرقل هذا الإنتاج، وبمساءلة الجهات الرسمية عن مسؤولياتها في حماية الاقتصاد المحلي وتخفيف أعباء الحصار عن المواطنين. تتجاوز معاناة محافظة سلفيت اليوم مسألة إغلاق مدخل هنا أو إقامة بوابة عسكرية هناك. فالإغلاقات التي تطال مداخل مدينة سلفيت وبلداتها، ومنها حارس وقراوة بني حسان وكفل حارس ومناطق أخرى، إلى جانب القيود المفروضة على الطرق الزراعية، تعيد تشكيل الحياة اليومية للسكان، وتضعف الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين التجمعات.
حين يصبح الانتقال من قرية إلى مدينة رحلة غير مضمونة، لا يكون المتضرر الوحيد هو المواطن الذي يضطر إلى الانتظار أو سلوك طرق أطول؛ بل تمتد الخسائر إلى العامل الذي يتأخر عن عمله، والطالب الذي تتعطل دراسته، والمريض الذي يصعب وصوله إلى العلاج، والتاجر الذي تتراجع حركة الزبائن لديه، والمزارع الذي ترتفع تكلفة نقل إنتاجه أو يتعذر وصوله إلى أرضه.
أما المنشآت الصناعية، فلا تعمل بمعزل عن هذه البيئة. فالصناعة تحتاج إلى حركة منتظمة للعمال والمواد الخام والمنتجات، وإلى طرق تربط المصانع بمورديها وأسواقها. وكلما زادت القيود على الحركة، ارتفعت كلفة التشغيل والنقل، وتراجعت القدرة على التخطيط، وأصبحت استمرارية الإنتاج أكثر تعرضًا للمخاطر. وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين إغلاق الطرق وإضعاف الاقتصاد المحلي. فالاقتصاد ليس مصانع وآلات ومنتجات فحسب؛ إنه شبكة مترابطة من العمال والموردين، والمستهلكين، والأسواق، والخدمات. وعندما تتعرض هذه الشبكة للتقطيع، تصبح الخسائر أوسع من تلك التي يمكن قياسها في فاتورة نقل أو يوم عمل ضائع. ومن منظور العدالة الاجتماعية، لا تتوزع هذه الخسائر بالتساوي. فالمؤسسات الكبيرة قد تمتلك هامشًا أكبر للتكيف مع ارتفاع التكاليف، بينما تجد المنشآت الصغيرة والعمال بأجر يومي والأسر محدودة الدخل أنفسهم أمام خيارات أكثر ضيقًا. ولذلك فإن مواجهة الإغلاقات ليست قضية اقتصادية عامة فقط، بل قضية تتعلق بحماية الفئات الأكثر هشاشة من دفع الثمن الأكبر.
لا يمكن قراءة الواقع الاقتصادي في محافظة سلفيت بمعزل عن اعتداءات المستوطنين على المواطنين، والمزارعين، والأراضي والممتلكات. فالاعتداءات على الأشجار والمحاصيل، وسرقة ثمار الزيتون، والتخريب، والتهديد، والقيود التي تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، لا تمثل أضرارًا منفصلة عن الاقتصاد؛ إنها تضرب مصادر الدخل والإنتاج في صميمها. بالنسبة إلى المزارع، قد تعني خسارة موسم الزيتون فقدان جزء أساسي من دخل أسرته. وقد يؤدي الاعتداء على أرضه أو تخريب أشجاره إلى أضرار تتجاوز موسمًا واحدًا. وحين تتكرر هذه المخاطر، لا يصبح السؤال متعلقًا بكمية المحصول فحسب، بل بقدرة الأسرة على الاستمرار في استثمار أرضها والحفاظ على موردها الاقتصادي. ويزداد المشهد قسوة عندما تجتمع مخاطر الاعتداء مع صعوبة الوصول إلى الأرض بسبب الحواجز والبوابات والطرق المغلقة. فالمزارع الذي يواجه صعوبة في الوصول إلى أرضه، ويخشى الاعتداء أثناء وجوده فيها، يجد نفسه أمام قيود متداخلة تضعف قدرته على الإنتاج والاستمرار. وهذا ما يجعل حماية المزارعين جزءًا من حماية الاقتصاد المحلي، لا مجرد استجابة إنسانية لحوادث متفرقة.
ومن هنا، لا تكفي بيانات الإدانة، ولا تكفي الزيارات التضامنية التي تنتهي بانتهاء الحدث. المطلوب توثيق مهني للانتهاكات، ومتابعة قانونية جدية، وحصر للأضرار وتعويض للمتضررين، وتحرك سياسي ودبلوماسي يطالب بحماية المواطنين وضمان وصولهم إلى أراضيهم ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات. كما أن حماية الزراعة الفلسطينية لا تنفصل عن دعم الصناعات الوطنية؛ فكلاهما جزء من منظومة الإنتاج التي توفر فرص العمل وتحافظ على الموارد وتدعم قدرة المجتمع على الاستمرار.
في هذا السياق، تكتسب استضافة بديا للمعرض الاقتصادي الفلسطيني أهمية تتجاوز حدود النشاط التجاري المعتاد. فالمعرض، الذي يجمع صناعات ومنتجات فلسطينية متنوعة، يتيح التعريف بالإمكانات الإنتاجية للمحافظة، ويخلق فرصًا للتواصل بين الشركات والمستهلكين والمستثمرين، ويفتح المجال أمام بناء علاقات تجارية جديدة. وفي هذا المعرض تتم مشاركة منشآت من قطاعات صناعية متعددة، من بينها الأثاث والأخشاب والحديد والألمنيوم والحجر والرخام، إلى جانب منتجات أخرى. وهذا التنوع يكشف أن سلفيت ليست مجرد محافظة زراعية، بل تمتلك قاعدة صناعية تستحق الترويج والتطوير وفتح الأسواق أمامها. لكن القيمة الأعمق للمعرض تكمن في قدرته على إعادة توجيه الاهتمام نحو حقيقة غالبًا ما تحجبها أخبار الحواجز والاعتداءات، أن وراء كل منتج فلسطيني عمالًا ومهندسين وخبرات ومؤسسات استثمرت في الإنتاج، وأن استمرار هذه المنشآت يعني استمرار فرص العمل والدخل لعائلات فلسطينية.
ومن هذه الزاوية، فإن دعم المنتج الوطني لا ينبغي أن يُختزل في دعوة المستهلك إلى الشراء، على أهمية ذلك، بل يجب أن يشمل بناء بيئة اقتصادية تساعد المنتج على المنافسة والاستمرار. فالمنتج المحلي يحتاج إلى سوق، لكنه يحتاج أيضًا إلى طرق قابلة للاستخدام، ومواد خام يمكن نقلها، وطاقة وخدمات، وتمويل، وقوى عاملة تستطيع الوصول إلى أماكن عملها، وسياسات تحمي المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الأزمات. إن مطالبة المواطن بشراء المنتج الفلسطيني، من دون العمل على تخفيف القيود التي ترفع تكاليف إنتاجه وتسويقه، تبقى معالجة ناقصة. فالمسؤولية لا تقع على المستهلك وحده، بل تشمل المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والغرف التجارية والجهات المعنية بالتنمية والاستثمار. المعرض يستطيع أن يعرّفنا بما تنتجه محافظة سلفيت، لكنه ينبغي أيضًا أن يفتح النقاش حول الشروط التي تسمح لهذا الإنتاج بالنمو والاستمرار.
من الطبيعي أن تُقدَّم إقامة المعرض باعتبارها دليلًا على إرادة الإنتاج والصمود، لكن الصمود لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب يحتفي بقدرة الناس على تحمل الأعباء، بينما تبقى أسباب هذه الأعباء خارج دائرة المعالجة. فليس من العدل أن نحتفي بالمصانع والمنتجات، ثم نتجاهل ما يواجهه العمال من صعوبات في الوصول إلى أماكن عملهم، أو أن نروّج لاقتصاد المحافظة فيما يعاني مزارعوها من مخاطر الاعتداء على أراضيهم ومحاصيلهم، أو أن ندعو إلى الاستثمار من دون نقاش جاد حول أثر الإغلاقات والقيود على بيئة الأعمال. ومن الإنصاف الإقرار بأن المؤسسات الفلسطينية لا تملك السيطرة على الحواجز العسكرية الإسرائيلية، ولا تستطيع بقرار إداري وقف اعتداءات المستوطنين. لكن هذا الواقع لا يعفيها من مسؤولياتها ضمن الصلاحيات والإمكانات المتاحة. فالمحافظة والبلديات والوزارات المختصة والغرفة التجارية تستطيع، بالتنسيق فيما بينها، حصر الخسائر، وتحديد احتياجات المنشآت المتضررة، وتنظيم الاستجابة للحالات الطارئة، وتوفير معلومات دقيقة عن أثر الإغلاقات على حركة العمال والسلع، ومتابعة المطالب مع الجهات الرسمية والدولية، وتطوير برامج دعم تستهدف الفئات الأكثر تضررًا.
فالمواطن لا ينتظر من البلدية أن تزيل حاجزًا عسكريًا، لكنه ينتظر أن تكون هناك خطة لتخفيف آثاره. وصاحب المصنع لا يطلب من الغرفة التجارية أن تنهي الاحتلال، لكنه ينتظر منها أن تنظم مصالح المنشآت، وتحصر خسائرها، وتدافع عن احتياجاتها، وتبني شراكات تفتح أمامها أسواقًا جديدة. أما أن تتحول المؤسسات إلى جهات تنظم الفعاليات وتصدر البيانات، من دون أن تربط هذه الأنشطة بخطط اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس، فذلك يعني تفويت جزء مهم من قدرتها على الاستجابة. إن نجاح المعرض ينبغي أن يكون مناسبة لمساءلة المؤسسات عن الخطوة التالية، ماذا بعد عرض المنتجات؟ كيف ستُترجم اللقاءات إلى عقود وشراكات؟ كيف ستُدعم المنشآت الصغيرة؟ كيف ستُحمى فرص العمل؟ وكيف ستُتابع الأضرار التي يتعرض لها القطاع الخاص نتيجة الإغلاقات والقيود؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية المعرض؛ بل تمنحه معنى تنمويًا أوسع، وتنقل النجاح من مستوى الفعالية المؤقتة إلى مستوى النتائج المستدامة. وكيف يتحول المعرض إلى فرصة اقتصادية حقيقية؟ لكي لا ينتهي أثر معرض بديا بانتهاء أيامه، ينبغي البناء عليه من خلال برنامج عمل واضح يجمع بين الترويج التجاري والتنمية الاقتصادية وحماية سبل العيش.
أولًا: تحويل اللقاءات إلى شراكات تجارية فعلية: ينبغي أن تتولى الغرفة التجارية متابعة الاتصالات التي تنشأ خلال المعرض، وتوثيق فرص التعاون بين الشركات والمشترين والموزعين والمستثمرين، وإنشاء قاعدة بيانات للمنتجات والمنشآت المشاركة، ومتابعة الاتفاقات التي يمكن تحويلها إلى عقود أو علاقات توريد مستدامة. فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس عدد الزوار أو الأجنحة وحده، بل عدد الفرص التجارية التي تستمر بعد انتهاء المعرض.
ثانيًا: إطلاق منصة دائمة للمنتج الفلسطيني في سلفيت: يمكن تطوير فكرة المعرض إلى منصة اقتصادية مستمرة، تجمع بين العرض المباشر والتسويق الإلكتروني، وتوفر مساحة للمنشآت الصغيرة والحرفيين والمشروعات النسوية والشبابية، وتتيح للمستهلكين التعرف إلى المنتجات وشرائها طوال العام. وقد طُرحت بالفعل فكرة إنشاء معرض اقتصادي دائم في المحافظة، وهو اتجاه يستحق الدراسة والتطوير، بشرط إعداد نموذج تشغيلي يحدد التكاليف ومصادر التمويل وآليات الإدارة والتسويق ومؤشرات الأداء.
ثالثًا: ربط الصناعة بالعمال والتعليم المهني: يجب ألا يقتصر المعرض على عرض المنتجات النهائية، بل يمكن أن يتحول إلى مساحة للتعريف بالمهارات والتخصصات التي تحتاجها المصانع، وبفرص التدريب والتشغيل، وباحتياجات السوق من العمالة الماهرة. ومن شأن هذا التوجه أن يساعد على ربط التعليم المهني بمتطلبات الصناعة، وفتح فرص أمام الشباب، وتعزيز قدرة المنشآت على إيجاد الكفاءات التي تحتاجها.
رابعًا: إعداد برنامج لدعم المنشآت المتضررة من الإغلاقات:- ينبغي أن تعمل الغرفة التجارية والمحافظة والوزارات المختصة على حصر أثر القيود على تكاليف النقل والتوريد والتسويق، وتحديد المنشآت والعمال الأكثر تضررًا، ثم تطوير مقترحات دعم مناسبة، سواء من خلال برامج تمويل ميسرة أو دعم فني وتسويقي أو تدخلات مؤقتة تستهدف الحالات الأشد تضررًا. ويجب أن يستند هذا البرنامج إلى بيانات واضحة، حتى لا تتحول المساعدات إلى توزيع غير منظم للموارد، بل إلى أداة لحماية فرص العمل والإنتاج.
خامسًا: إدماج المزارعين والتعاونيات والمنتجات الزراعية في المعارض المقبلة. إن اقتصاد سلفيت لا يقوم على الصناعة وحدها؛ فالزراعة والزيتون والمنتجات المحلية جزء أساسي من هويتها الاقتصادية. ولذلك ينبغي أن تتسع المعارض المقبلة لتشمل التعاونيات الزراعية والمشروعات الريفية والمنتجات الغذائية والحرفية، وأن تتيح لها فرصًا للتسويق والتشبيك مع المنشآت الصناعية والتجارية. بهذا يمكن بناء علاقة تكامل بين القطاعات الاقتصادية، بدل أن تعمل الصناعة والزراعة والتجارة في مسارات منفصلة.
سادسًا: تحويل المعرض إلى منصة لعرض التحديات الاقتصادية للمحافظة: -من المهم أن يصاحب الفعاليات الاقتصادية حوار مهني يشارك فيه أصحاب المصانع والعمال والمزارعون والهيئات المحلية وممثلو المؤسسات الرسمية، لمناقشة أثر الإغلاقات والاعتداءات على الإنتاج والتشغيل والاستثمار. ويُفترض أن ينتهي هذا الحوار بتوصيات محددة، وجهات مسؤولة عن متابعتها، وجدول زمني للتنفيذ، وتقرير يوضح ما تحقق منها. فالمعرض ليس المكان المناسب لتجاهل المشكلات، بل يمكن أن يكون منبرًا لعرض قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الإنتاج، وفي الوقت نفسه كشف العوائق التي تمنعه من العمل في بيئة طبيعية وآمنة.
إن إقامة معرض الصناعات الفلسطينية في بديا تحمل رسالة تتجاوز حدود التسويق التجاري. فهي تذكّر بأن المحافظة التي تواجه الإغلاقات والاعتداءات ليست مجرد مساحة تتلقى آثار الأزمات، بل مجتمع منتج يمتلك منشآت وخبرات وعمالًا ومزارعين وقدرات تستحق الدعم والتطوير. لكن هذه الرسالة تظل ناقصة إذا لم تُربط بالواقع الذي يعيشه الناس خارج قاعات المعرض؛ حيث الطرق المغلقة، والأراضي التي يصعب الوصول إليها، والمزارعون الذين يواجهون مخاطر الاعتداء، والعمال الذين يتحملون تكاليف إضافية للوصول إلى أعمالهم، والمنشآت التي تحتاج إلى أسواق مستقرة وبيئة تسمح لها بالنمو.
إن دعم المنتج الفلسطيني لا يعني مطالبة المواطنين بالشراء فقط، بل يعني الدفاع عن حقهم في الإنتاج والعمل والحركة والوصول إلى الأسواق. كما أن الحديث عن الصمود الاقتصادي لا يستقيم من دون سياسات تحمي فرص العمل، وتساند المزارعين، وتدعم المشروعات الصغيرة، وتحوّل المؤسسات الرسمية من إدارة الفعاليات إلى إدارة التنمية ومتابعة الأزمات. ومن هنا، فإن المطلوب من الجهات الرسمية والقطاع الخاص والغرفة التجارية والبلديات هو البناء على معرض بديا، لا الاكتفاء بنجاح أيامه الثلاثة. المطلوب تحويله إلى نقطة انطلاق لشراكات تجارية مستدامة، ومنصة دائمة للمنتجات الوطنية، وبرنامج لدعم المنشآت والعمال والمزارعين، وآلية منتظمة لقياس أثر الإغلاقات والاعتداءات على الاقتصاد المحلي ومتابعة المطالب المتعلقة بها.
فلا يكفي أن نحتفي بما تنتجه محافظة سلفيت، بل يجب أن ندافع عن حقها في الإنتاج والنمو. ولا يكفي أن نطالب الناس بالصمود، بل ينبغي توفير شروط الصمود لهم. ولا يكفي أن نفتح أبواب المعارض للمنتجات الفلسطينية، فيما تبقى الطرق مغلقة أمام أصحابها وعمالها وأسواقها. إن الرسالة الأهم التي يمكن أن يحملها معرض بديا هي أن الاقتصاد الفلسطيني ليس مجرد منتجات تُعرض، بل حق في العمل والحياة والاستقرار. وأن حماية هذا الاقتصاد تتطلب أكثر من الإرادة الفردية؛ إنها تحتاج إلى مؤسسات مسؤولة، وسياسات واضحة، وشراكات مستدامة، ومساءلة جدية عن النتائج. حين تضيق الطرق أمام الناس، ينبغي ألا نكتفي بفتح أبواب المعارض؛ بل علينا أن نعمل من أجل فتح الطريق أمام الحياة والإنتاج.

