المسار : ليس الشتاء في غزة فصلًا تتبدل فيه درجات الحرارة، بل كارثة إنسانية جديدة تقترب من شعب أنهكته الحرب، وشرّدته منازله المدمرة، وتركته القيود الإسرائيلية في مواجهة الجوع والمرض والعراء. تستقبل غزة الشتاء بخيام مهترئة وشوادر ممزقة ومبانٍ متصدعة، فيما تكافح المستشفيات لمواصلة عملها وسط نقص الإمكانات، وتتراجع المساعدات في وقت يحتاج فيه أكثر من مليوني فلسطيني إلى الغذاء والدواء والمأوى.
لكن مأساة غزة لا تختصرها الحرب والجوع والبرد وحدها؛ إنها أيضًا أزمة سياسية وإدارية تتفاقم مع غياب المرجعية الوطنية الموحدة، وتعطل الإدارة المدنية، وترك مستقبل القطاع رهينة ترتيبات لا يملك الفلسطينيون القرار الكامل بشأنها.
*الجوع ينهش أجساد الأطفال والرضع*
في الوقت الذي يحتاج فيه سكان غزة إلى مضاعفة المساعدات الغذائية والطبية، يضيف تقليص برنامج الأغذية العالمي مساعداته لنحو نصف مليون فلسطيني، بذريعة نقص التمويل، عبئًا جديدًا إلى واقع لا يحتمل مزيدًا من الحرمان. خلف هذه الأرقام أطفال يبحثون عن وجبة تسد جوعهم، وأمهات يعجزن عن توفير الحليب لأطفالهن.
لم يعد الجوع مجرد رقم في تقرير إغاثي؛ إنه وجع يومي ينهش بأنيابه أجساد الأطفال والرضع، ويضع عائلات بأكملها أمام معركة البقاء. وحين تعجز أم عن إطعام طفلها، يصبح الحرمان تهديدًا مباشرًا للحياة، خصوصًا مع البرد وسوء التغذية وتدهور الخدمات الصحية.
غزة لا تحتاج إلى إدارة الجوع وتوزيع الحرمان، بل إلى تدفق منتظم للمساعدات، وفتح المعابر أمام الغذاء والدواء والوقود، وإدخال الخيام والكرفانات والأغطية والملابس الشتوية، وتوفير التغذية العلاجية للأطفال. فالمساعدات التي لا تصل إلى مستحقيها لا تنقذ جائعًا، والغطاء الذي لا يصل إلى طفل يرتجف لا يحميه من البرد.
*«مجلس السلام» أمام اختبار حقيقي*
يقف ما يُعرف بـ«مجلس السلام» أمام اختبار يتجاوز البيانات الدبلوماسية والوعود السياسية. فبينما انصبّ أبرز ما تحقق في تحركاته على ملف الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية، لا تزال غزة غارقة في الدم والدمار، ويستمر القتل، فيما ينهش الجوع أجساد الأطفال والرضع، وتواجه العائلات الشتاء في خيام لا تقيها المطر والبرد.
فأي سلام هذا الذي تُعلن إنجازاته بينما ينام أطفال جائعون، وتكافح أمهات لتوفير لقمة تسد الرمق، وتظل الاحتياجات الأساسية للسكان رهينة القيود ونقص المساعدات؟
أين نتائج دور المجلس في وقف الحرب وحماية المدنيين وضمان تدفق المساعدات وتسهيل علاج المرضى والجرحى وإدخال مواد الإيواء؟ إن مسؤوليته السياسية والأخلاقية تقتضي تحويل التعهدات إلى إجراءات ملموسة، والضغط لرفع القيود الإسرائيلية، ووضع حد لمعاناة أكثر من مليوني فلسطيني.
لا يجوز أن يقتصر دور «مجلس السلام» على إدارة تداعيات الكارثة بينما تستمر أسبابها. فالأطفال والرضع لا يستطيعون انتظار جولات التفاوض، ولا تحتمل أجسادهم الهزيلة تأجيل الاستجابة. والسلام الحقيقي لا يُقاس بالاتفاقات والبيانات، بل بما ينقذه من أرواح، وما يوفره من غذاء ودواء ومأوى وكرامة.
*فراغ إداري يهدد المجتمع*
تتعمق الأزمة مع تعذر دخول اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة ومباشرة مهامها بفعل المنع الإسرائيلي، في وقت أعلنت فيه حركة حماس حل إدارتها الحكومية في القطاع، ما يضع حياة السكان أمام فراغ مدني وإداري خطير.
من يدير شؤون الناس؟ من ينسق المساعدات والخدمات؟ ومن يضع خطة عاجلة لمواجهة الشتاء وإعادة الإعمار؟ إن الفراغ الإداري يهدد بتعطيل الخدمات وإرباك توزيع المساعدات وإضعاف الأمن المجتمعي، في لحظة تحتاج فيها غزة إلى مؤسسات فاعلة ومرجعية وطنية واضحة.
وتزداد خطورة المشهد مع استمرار العدوان الإسرائيلي وحشر أكثر من مليوني إنسان في شريط ساحلي ضيق لا تتجاوز مساحته، وفق التقديرات الواردة، نحو 30% من مساحة القطاع. ويضاعف هذا الاكتظاظ الضغط على المأوى والمياه والصرف الصحي والخدمات الصحية، فيما تُحرم مناطق واسعة من فرص التعافي والعودة إليها.
إن منع اللجنة الوطنية من الدخول لا يعطل ترتيبات إدارية فحسب، بل يترك السكان في مواجهة احتياجات هائلة دون إدارة مدنية موحدة. لذلك، فإن تمكين إدارة فلسطينية من ممارسة مهامها ضرورة عاجلة لحماية المجتمع وتنظيم الحياة.
*منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية… غياب لا يجوز أن يستمر*
يبرز الغياب السياسي والإداري لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية عن قطاع غزة بوصفه أحد أوجه الأزمة. فمنظمة التحرير، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، مطالبة باستعادة دورها الوطني الجامع، فيما تتحمل السلطة مسؤولية توحيد المؤسسات والدفاع عن حقوق المواطنين وإدارة شؤون الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
لا يجوز أن تبقى غزة رهينة الحرب والفراغ الإداري والترتيبات الخارجية، فيما تنشغل القيادة الفلسطينية بالخلافات وتعطيل الانتخابات التشريعية وتأجيل تجديد الشرعية الديمقراطية. فالشعب الفلسطيني الذي دفع أثمانًا باهظة من حياته ومنازله وأمنه يحتاج إلى قيادة تتحمل مسؤولياتها وتضع مصالحه فوق الحسابات الفئوية.
كان إجراء الانتخابات في موعدها يمكن أن يفتح الطريق لتجديد الشرعية الشعبية، وتشكيل مجلس تشريعي منتخب، وإعادة بناء المؤسسات على أساس ديمقراطي، وتشكيل حكومة توافق وطني تتولى إدارة شؤون الفلسطينيين في الضفة وغزة. وكان من شأن ذلك تعزيز وحدة القرار السياسي والإداري، وتوفير مرجعية فلسطينية واضحة للتعامل مع الأزمة الإنسانية وإعادة الإعمار، والحد من الثغرات التي تستغلها الترتيبات الخارجية.
صحيح أن الانتخابات وحدها لا توقف الحرب ولا تنهي الحصار، لكنها تمنح الفلسطينيين فرصة لتجديد التفويض الشعبي وتوحيد المؤسسات واستعادة زمام المبادرة، بدل ترك مستقبلهم مفتوحًا أمام قرارات تُصاغ بعيدًا عن إرادتهم. وغزة ليست ملفًا إنسانيًا منفصلًا، بل جزء أصيل من الأرض والشعب والقضية الفلسطينية.
*عرقلة الإيواء والعودة والعلاج*
تواجه غزة شتاءً قاسيًا في ظل استمرار القيود الإسرائيلية التي تعرقل إدخال مستلزمات الإيواء، وتحول دون عودة النازحين إلى مناطقهم، وتقيّد سفر المرضى والجرحى لتلقي العلاج خارج القطاع. فحسب أرقام رسمية تعرقل سلطات الاحتلال دخول نحو 200 ألف خيمة وأكثر من 20 ألف بيت متنقل «كرفان»، وتحول دون عودة أكثر من 250 ألف إنسان إلى القطاع، فيما يُحرم أكثر من 20 ألف مريض وجريح من السفر للعلاج خارج غزة بفعل الإجراءات الإسرائيلية.
تعني هذه الأرقام أن عائلات كثيرة تواجه النزوح بلا مأوى ملائم، وأن آلاف المرضى والجرحى يواجهون مخاطر صحية متفاقمة بسبب تأخر العلاج. ومع اقتراب الشتاء، يتحول نقص المأوى والأغطية إلى تهديد مباشر لحياة الأطفال والرضع وكبار السن والمرضى.
إن استمرار عرقلة الإيواء والعودة والعلاج يفاقم الكارثة الإنسانية، ويجعل حماية المدنيين مسؤولية عاجلة لا تحتمل التأجيل. المطلوب فتح المعابر أمام المساعدات، وإدخال الخيام والكرفانات والمواد الأساسية، وتسهيل عودة النازحين، وضمان سفر المرضى والجرحى لتلقي العلاج، بالتوازي مع وقف الحرب والتدمير والبدء بإعادة الإعمار.
*غزة امتحان للضمير والمسؤولية*
إن الشتاء القادم امتحان للعالم ولمسؤولية «مجلس السلام»، كما أنه امتحان لقدرة القيادة الفلسطينية على تجاوز الانقسام واستعادة دورها. فلا معنى لسلام لا يحمي طفلًا من الجوع، ولا يوفر سقفًا لعائلة نازحة، ولا يمنح مريضًا فرصة للعلاج.
حين تهطل الأمطار على خيمة ممزقة، لا تكون المأساة في الطقس وحده، بل في عجز السياسات والقرارات عن حماية الإنسان. وحين ينام طفل جائعًا ويرتجف رضيع من البرد، تصبح الوعود الدولية عاجزة عن تبرير استمرار هذا الواقع.
غزة بانتظار شتاء قاسٍ آخر، وأطفالها لا يطلبون المستحيل؛ يريدون وجبة تشبعهم، وحليبًا يسد حاجتهم، وغطاءً يدفئهم، وسقفًا يحميهم، وليلًا ينامون فيه دون خوف.
فهل يتحرك العالم و«مجلس السلام» لرفع القيود وضمان الإيواء والعودة والعلاج قبل أن يدفع مزيد من الفلسطينيين ثمن الجوع والبرد والحرمان؟ وهل تستعيد القيادة الفلسطينية مسؤوليتها قبل أن يتسع الفراغ وتُفرض على غزة وقائع يصعب تجاوزها؟
غزة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى أفعال عاجلة تحمي أهلها وتصون كرامتهم وتضع حدًا لمعاناتهم. فحين ينهش الجوع أجساد الأطفال والرضع، يصبح كل يوم يمر دون استجابة حقيقية يومًا إضافيًا من الألم كان بالإمكان تخفيفه.

