المسار : تكشف التقديرات السائدة في الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل، في ما يتعلق بموضوع الانتخابات الفلسطينية، عن مسألتين جوهريتين تتحكّمان بوجهة نظرها العامة حيال المواقف الفلسطينية بهذا الصدد: المسألة الأولى، أن تحديد موعد جديد للانتخابات ليس سوى “ذرّ للرماد في العيون” أمام الجمهور الفلسطيني والمجتمع الدولي. والمسألة الثانية، أنه ما دام الرئيس محمود عباس وقيادة حركة فتح غير قادرين على ضمان الفوز، فسيواصلون البحث عن ذرائع لتأجيل إجراء الانتخابات.
وفضلًا عن ذلك نعثر في التقديرات الإسرائيلية على قناعة فحواها أن عباس ليس مستعجلًا، ويأمل في أن تعيد نتائج الانتخابات الإسرائيلية وضعه في صدارة الساحة السياسية، وأن تعزّز مكانته. كذلك يُشار إلى أن مسؤولين كبارًا في السلطة الفلسطينية لديهم توقعات بأن احتمال تسلّم حكومة إسرائيلية جديدة مقاليد الحكم قد يفضي إلى أن تحوّل إلى السلطة الفلسطينية، فور تشكيلها، جميع أموال الضرائب التي احتجزتها حكومة بنيامين نتنياهو، وستسمح بدخول عشرات آلاف العمال الفلسطينيين للعمل في إسرائيل، ومن شأن هذه الخطوة أن تعزّز الوضع الاقتصادي للسلطة الفلسطينية وقوتها السياسية. وبحسب قولهم، ستؤثر نتائج الانتخابات الإسرائيلية تأثيرًا كبيرًا في الساحة السياسية الفلسطينية ومكانة مختلف الأطراف الفاعلة فيها، وربما يتخذ الحوار الداخلي في القاهرة مسارات جديدة خلال الفترة المقبلة.
غير أنه على وجه العموم، لا يبدو أن إسرائيل راغبة في إجراء انتخابات عامة في السلطة الفلسطينية. وليس أدل على ذلك من الهجوم الذي شنته أبواق الحكومة الإسرائيلية على البيان الذي أصدره وزراء خارجية أستراليا وكندا وفرنسا وبريطانيا، ردًّا على قرار عباس تأجيل الانتخابات، وأبدوا فيه أسفهم العميق له. واتهم الهجوم الإسرائيلي قادة هذه القوى الكبرى بأنهم منشغلون، بصورة مستهجنة، بما وصفه بأنه “هندسة ديمقراطية متخيّلة في رام الله”، ومتمسكون إلى حدّ يكاد يكون دينيًّا بفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، في ظل عمى كامل عن الواقع.
ويستند هذا الموقف الإسرائيلي، كما يستشف من التصريحات الرسمية ومن التحليلات المتعدّدة، إلى مجموعة من الاعتبارات الأمنية والسياسية والإستراتيجية، ونذكر في ما يلي أهمها:
أولًا، الخوف من صعود حركة حماس. وهنا تُستعاد تجربة انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، التي فازت فيها حماس بالأغلبية. وأدى هذا الفوز في نهاية المطاف إلى سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007. وتعارض إسرائيل منح حماس أو غيرها من القوى التي تصفها بأنها متطرفة شرعية دولية وديمقراطية من خلال صناديق الاقتراع.
ثانيًا، خطر سيطرة حماس على الضفة الغربية: تقدّر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن إجراء انتخابات ديمقراطية في الضفة الغربية قد يعزّز حماس والفصائل المسلحة بصورة كبيرة، ويؤدي إلى انهيار قيادة فتح والسلطة الفلسطينية. ويُنظر إلى مشاركة حماس في الحكم في الضفة باعتبارها خطرًا أمنيًّا مباشرًا.
ثالثًا، في عُرف إسرائيل، تمنح الانتخابات السلطة الفلسطينية تفويضًا ديمقراطيًّا وشرعية متجددة في مواجهة المجتمع الدولي. ومن شأن هذه الشرعية أن تزيد الضغوط الدولية على إسرائيل لنقل مزيد من الصلاحيات إلى السلطة، والدفع قدمًا بالعملية السياسية والاعتراف بدولة فلسطينية.
رابعًا، يُنظر إلى إجراء الانتخابات في القدس الشرقية باعتباره “انتقاصًا من السيادة الإسرائيلية على العاصمة”.
خامسًا، على الرغم من الانتقادات الإسرائيلية الحادّة للسلطة الفلسطينية، واتهامها بالتحريض والضعف، لا تزال إسرائيل تفضّل استمرار الوضع القائم، بما يشمل التنسيق الأمني مع أجهزة السلطة، على حالة من عدم اليقين السياسي والاضطراب الذي قد يصيب الحكم في السلطة الفلسطينية.
وبموازاة ذلك لوحظ أخيرًا أن هناك تحذيرات إسرائيلية مما يُنعت بأنه “قلب فوهات البنادق”، وهو وضع قد تُوجَّه فيه أسلحة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، التي تمتلك آلاف الأسلحة بصورة قانونية في مناطق الضفة الغربية وبموافقة إسرائيل، نحو المستوطنات الإسرائيلية، أو نحو جنود الجيش الإسرائيلي. ولا تتوافر لدى الجيش الإسرائيلي معلومات استخباراتية تشير إلى أن السلطة الفلسطينية على وشك تنفيذ خطوة دراماتيكية تتمثل في “قلب فوهات البنادق”، ولكن على الرغم من ذلك، وبحسب ما قال أيضًا رئيس هيئة الأركان العامة، إيال زامير، فإن الجيش الإسرائيلي يستعد لمثل “هذا السيناريو المتطرف”.
وفي المحصلة العامة، ترى إسرائيل في إجراء انتخابات عامة في مناطق السلطة الفلسطينية خطرًا أمنيًّا وسياسيًّا من شأنه أن يتصاعد، ولذلك تتمثل مصلحتها الأساسية، بحسب ما تجاهر، في منع إجرائها أو إفراغها من مضمونها وتأجيلها.
المصدر … عرب 48

