صور | الفنانة نادية مصطفى العارضة: نحتاج إلى إعمار داخلي قبل إعمار الحجر

كتب أحمد زكي العريدي

المسار :  من بين البيوت العتيقة في بلدة عرّابة، ينبعث دفء الألوان من لوحات الفنانة الفلسطينية نادية مصطفى العارضة، التي اختارت أن تجعل من الفن رسالة حياة ومتنفسًا للروح، فحوّلت جدران البيوت القديمة إلى معرض دائم يحتفي بالذاكرة والإنسان والمكان.
نادية، المولودة في بلدة عرّابة، تحدثت في بداية لقائنا عن الوضع العام للإنسان الفلسطيني قبل الحديث عن الفن، قائلةً بأسى عميق:
“نحن نحتاج إلى إعمار داخلي وعاطفي، فقد أصبحنا كمدينة مرّ بها هولاكو فأهلك كل شيء بداخلنا(. سرعة الحياة وقلة التأمل أفقدتنا البصر والبصيرة معًا.”)

ومن بين أزقة البلدة القديمة، حيث الحجارة تحكي التاريخ، تمارس العارضة فنّها بإصرار على أن الرسم ليس ترفًا بل فعل مقاومة للخراب. لوحاتها تتوزع في بيوتٍ تراثية، تعيد عبرها الحياة إلى الجدران الصامتة، فتصبح كل لوحة حكاية عن امرأة، أو طفلة، أو زيتونة، أو نافذة تطل على حلم لم يكتمل بعد.
وتعود بدايات الفنانة نادية إلى مرحلة الطفولة المبكرة؛ إذ بدأت الرسم وهي في الخامسة من عمرها، مستخدمة الفحم على الجدران لتعبّر عن خيالها الطفولي وعلاقتها بالمكان. ومع دخولها المدرسة، استمرت موهبتها في التطور بدعم من عائلتها ومعلميها، حتى نظّمت أول معرض فني صغير في المدرسة لستين لوحه ساهمت مدرسة ام عماره توفير لوازم الرسم وهي لم تتجاوز العاشرة من عمرها.
تقول نادية العارضه إن الفن بالنسبة لها ليس مجرد ألوان وأشكال، بل هو لغة تواصل مع الذات والمجتمع، موضحةً أن “كل لوحة هي محاولة لترميم ما تهدّم في داخلنا كبشر”، وأن مشروعها في عرض لوحاتها داخل البيوت القديمة جاء ليؤكد أن التراث لا يعيش إلا بالفن والذاكرة والناس.

وتسعى العارضة من خلال أعمالها إلى تحفيز الأجيال الجديدة على اكتشاف ذواتهم عبر الرسم، معتبرةً أن المدرسة والبيت يجب أن يحتضنا الموهبة منذ الصغر، لأن “الطفل الذي يرسم اليوم هو الذي سيكتب غدًا حكاية الجمال في هذا الوطن”.
ويستمر معرض نادية مصطفى العارضة بشكل دائم في بيوت عرّابة القديمة، حيث يجد الزائر بين اللوحات مزيجًا من الحنين، والوجع، والأمل،

*نادية مصطفى العارضة: لوحاتي تحكي وجوه عرّابة وذاكرتها*
في أحد البيوت العتيقة وسط البلدة القديمة في عرّابة، تستقبل الفنانة الفلسطينية نادية مصطفى العارضة زوارها بابتسامتها الهادئة ولوحاتها التي تنبض بالحياة والذاكرة.
حولت نادية هذا البيت التراثي إلى معرض دائم لأعمالها الفنية، ليصبح محطة أساسية لكل من يزور البلدة القديمة، حيث تمتزج الألوان بالحجر والتاريخ في مشهد يختصر حكاية المكان والإنسان.
تقول الفنانة العارضة إن هدفها من إقامة المعرض في بيت قديم هو إبراز معالم عرّابة القديمة التي تأثرت بها منذ طفولتها، مضيفةً:

“كل زاوية في البلدة القديمة تحكي وجهاً من وجوه الناس الذين أحببتهم، لذلك حاولت أن أجسّد ملامحهم وأرواحهم في لوحاتي.”
وتوضح أن الفن بالنسبة لها ليس مهنة فقط بل أسلوب حياة ورسالة، فهي جمعت بين الفن واحتياجات البيت في معادلة إنسانية صعبة لكنها ملهمة، قائلة:

“كنت أقضي ما بين خمس إلى عشر ساعات يومياً في الرسم داخل البيت، وبين فترات الرسم كنت أعتني بأسرتي وأربي أبنائي على الاعتماد على الذات والتعليم. استطعت أن أقدّم رسالة مفادها أن المرأة الفلسطينية قادرة على الجمع بين الإبداع والمسؤولية.”
وتشير العارضة إلى أن أعمالها الفنية تتنوّع بين اللوحات التراثية والوجوه الإنسانية والمشاهد المحلية، مؤكدة أن اللوحة الفنية تصل إلى الناس أسرع من الكلمات، لأنها تعبّر عن المشاعر بلغة يفهمها الجميع كوننا اصبحنا في عصر الصوره واللوحه ايضا تثبيت وتوثيق لأحداث حصلت
وتقول:
“الرسم بالنسبة لي هو طريقة للحفاظ على هويتنا الثقافية، وعلى التفاصيل الصغيرة التي تميّزنا كفلسطينيين. في كل لوحة أحاول أن أستعيد شيئاً من الماضي الجميل، وأن أقول للناس إن الجمال ما زال موجوداً رغم الألم.٣
وتنوّعت أدوات الفنانة وأساليبها الفنية بين الرسم على ورق الكانسون واستخدام ألوان الأكريليك، إلى جانب الرسم بالقلم والريشة، لكنها تؤكد ميلها الدائم إلى القلم قائلة:
“القلم أقرب إليّ من الريشة، فهو يمنحني حرية التعبير عن التفاصيل الدقيقة التي أحبها.”
كما تخصّصت العارضة في رسم الجداريات داخل المدارس والروضات، لتجعل الفن جزءًا من البيئة التعليمية والتربوية للأطفال.
ولم يقتصر نشاطها الفني على بلدتها عرّابة، فقد أقامت بعد انتقالها إلى أسيلة الحارثية عدة معارض فنية، من أبرزها معرض خصصته لأسرى فلسطين في سجون الاحتلال.
توضح أن هذا المعرض كان من المفترض أن يستمر ثلاثة أيام فقط، لكنه تحول إلى فعالية فنية وإنسانية امتدت خمس سنوات كاملة، نظرًا للتفاعل الشعبي الواسع معه.
وترى العارضة أن اللوحة الفنية تصل إلى الناس أسرع من الخطابات والكلمات، لأنها تعبّر عن المعاناة والأمل بلغة يفهمها القلب قبل العقل، مضيفةً:
الرسم بالنسبة لي وسيلة للمقاومة الثقافية، وللحفاظ على هويتنا وذاكرتنا الجمعية.”
ويعدّ معرض نادية مصطفى العارضة في البلدة القديمة بعرّابة من أهم المبادرات الفنية الفردية في المنطقة، إذ يجمع بين الفن التشكيلي والتراث المعماري في تجربة فريدة تجذب الزوار وتعكس عمق الانتماء للمكان والإنسان الفلسطيني
وبعد انتقالها إلى أسيلة الحارثية، نظّمت هناك عددًا من المعارض المميزة، أبرزها معرض خصّصته لقضية الأسرى الفلسطينيين، وكان من المفترض أن يستمر ثلاثة أيام فقط، لكنه تحوّل إلى فعالية دائمة استمرت خمس سنوات نتيجة الإقبال الكبير عليه.
وتشير العارضة إلى أن من أكثر اللحظات تأثيرًا في مسيرتها زيارة الفنان الفلسطيني الراحل أبو عرب لأحد معارضها، وهو الذي كان رمزًا للحالة الفنية والوطنية الفلسطينية، إلى جانب الفنان مصطفى زمزم المقيم في لبنان، إضافة إلى حضور صحفيين وفنانين وجمهور واسع من مختلف المدن الفلسطينية
كما شاركت في عدة معارض داخل فلسطين وخارجها، منها ثلاثة معارض في بلدة ألسيلة الحارثية ضمن زيارات وفود أجنبية، بينها منظمة لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية، كما عرضت أعمالها في مدينة جنين، وشاركت في معارض برام الله والقرية السياحية في الأردن.

وترى الفنانة نادية مصطفى العارضة أن اللوحة هي لغة إنسانية سريعة الوصول إلى الوجدان، قادرة على التعبير عن الوجع والأمل والهوية الفلسطينية دون وسطاء.

“الرسم بالنسبة لي مقاومة ثقافية، وحكاية مفتوحة عن الإنسان الفلسطيني الذي لا ينكسر رغم كل ما مرّ به.”
ويُعتبر معرضها في البلدة القديمة بعرّابة من أهم التجارب الفنية الفردية في شمال فلسطين، إذ يجمع بين الفن التشكيلي والتراث المعماري في مشهد يعبّر عن الهوية الفلسطينية في أبهى صوره
كما كان من بين أبرز الزائرين لمعارضها الفنان الفلسطيني الراحل أبو عرب الذي مثّل حالة وطنية فنية مميزة، والفنان مصطفى زمزم المقيم في لبنان، إلى جانب عدد كبير من الصحفيين والفنانين والجمهور الفلسطيني الذي وجد في أعمالها مرآة لروحه وبلاده.

وترى نادية مصطفى العارضة أن اللوحة تصل إلى الناس أسرع من الكلمات، لأنها تحمل رسالة الأمل والانتماء بصمتٍ عميق، مؤكدة أن الفن الفلسطيني سيبقى شاهدًا على الوجع والكرامة معًا.

“الرسم بالنسبة لي مقاومة ناعمة، ولغتي التي أقول بها: نحن باقون هنا، باللون والحجر والذاكرة.

ولا تقتصر موهبة الفنانة نادية على اللوحة وحدها، إذ تمتلك أيضًا حسًا أدبيًا رفيعًا يظهر في عباراتها النثرية والشعرية التي ترافق تجربتها الفنية.
ومن عباراتها المأثوره
“ريشتي وأناملي إحساس ومعنى، والنصفان للآخر يحنّ، تموت في الضوء ألف مرة، ولا تحيا بالظلام لحظة.”
كلمات تختصر رحلتها بين النور واللون، بين الفن والحياة، وبين القلب الفلسطيني الذي ما زال يرسم رغم كل ما مرّ به من وجعٍ وجمال
وتختم حديثها بتعبير يلخص فلسفتها الفنية والإنسانية:

“في اللوحة لا أبحث عن شهرة ولا عن مادة ولا عن حائط تُعلَّق عليه لوحتي. في اللوحة أبحث عن كرامة الإنسان. أرسم لأسترجع بريشتي ما أضعناه وما سُرق منا خلسة. أرسم لأطير الغبار في عيون الضباب، ولأجعل العالم أقل بشاعة. لوحتي ليست مجرد لون جميل على قماش؛ إنها شمعة تضيء المستقبل ولا تحترق، تخالف المستحيل وتختلف مع كثيرين، قادرة على تحريك المياه الراكدة، فتجعل كل من يراها يتأمل ويفكر.”

كلمات تختصر رحلة فنانة فلسطينية جعلت من اللون موقفًا، ومن اللوحة ذاكرةً تقاوم النسيان
وتختم حديثها بتعبير يلخص فلسفتها الفنية والإنسانية:

الريشة لغة الأنين والأمل، أطوف بها في مساحات اللون لأرسم جسرًا يأخذنا إلى هناك، إلى حيث نكون فرسانًا وأحرارًا في وطنٍ لا قيد ولا قهر فيه.
ينطلق اللون من الوجع، فليس لي غير ريشتي بوقًا أصيح فيه.
هنا آلة الهدم الصهيوني تجتث حجارة المنزل والمكان، وحجارتنا ذكريات الأيام.
ما من حجارة صمّاء في بلادي، ما من لون أبكم.
كل الألوان تُصرّخ هويتنا ومحبتنا.
أرسم لنا ظلًا وتظل على قيد حلمٍ بوطنٍ يشبه طموحنا، ويظل جسرًا بيننا لا ينكسر.

كلمات تختصر رحلة فنانة فلسطينية جعلت من اللون موقفًا، ومن اللوحة ذاكرةً تقاوم النسيان

حوار احمد زكي العريدي

عرّابة جنين ٢٣/١٠//٢٠٢٥

Share This Article