المسار : لم تعد شوارع أوروبا تعكس مجرد غضب اجتماعي عابر أو اعتراضات موسمية على سياسات اقتصادية ومعيشية، بل تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبالأولويات التي تحكم القرارات السياسية والاقتصادية والعسكرية. فمن فرنسا إلى إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، تتعدد دوافع الاحتجاجات، لكنها تلتقي عند سؤال جوهري: لمن تُوجَّه موارد الدولة، ولصالح من تُصاغ سياساتها؟
في ظاهر المشهد، تبدو المطالب متباينة؛ طلاب يحتجون على تراجع التعليم، وعمال يطالبون بأجور أفضل، وشباب يرفضون التجنيد العسكري، ومواطنون يواجهون أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة. لكن خلف هذه المطالب يتشكل نقاش أوسع حول عسكرة أوروبا، وتراجع الإنفاق الاجتماعي، وموقف الحكومات من الحروب، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
واللافت أن فلسطين لم تعد حاضرة في هذا المشهد بوصفها قضية تضامن إنساني فقط، بل أصبحت جزءاً من مساءلة داخلية لسياسات الحكومات الأوروبية، وعلاقاتها العسكرية والتجارية مع إسرائيل.
من الأزمة الاجتماعية إلى أزمة الأولويات السياسية
في فرنسا، اتسعت الاحتجاجات التي انطلقت من قطاع التعليم لتشمل قضايا المعيشة والخدمات العامة والسياسات الحكومية. وفي إيطاليا، حمل الإضراب العام في 30 أكتوبر مطالب عمالية واجتماعية، إلى جانب الاعتراض على زيادة الإنفاق العسكري واستخدام الموانئ في نقل الأسلحة إلى مناطق الحروب.
أما ألمانيا، فقد شهدت في 31 أكتوبر تحركات شبابية في عشرات المدن رفضاً للتجنيد الإلزامي، واعتراضاً على توجيه الموارد نحو التسلح على حساب قطاعات التعليم والخدمات الاجتماعية.
وفي إسبانيا، أعادت احتجاجات أزمة السكن طرح سؤال الحق في المسكن، في ظل الارتفاع الكبير في الإيجارات وصعوبة امتلاك المنازل.
هذه المطالب ليست متطابقة، ولا يمكن وضعها جميعاً في إطار سياسي واحد، لكنها تكشف عن حالة من التوتر بين احتياجات المجتمعات وأولويات الحكومات.
فبينما تطالب قطاعات واسعة بتحسين ظروف الحياة، تتجه دول أوروبية إلى زيادة ميزانياتها الدفاعية وإعادة بناء قدراتها العسكرية، تحت ضغط التحولات الأمنية الدولية والحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الجيوسياسية.
وهنا تظهر المفارقة: المواطن الأوروبي الذي يواجه ارتفاع الإيجار وتراجع الخدمات، يجد نفسه أمام حكومات تعلن الحاجة إلى إنفاق عسكري أكبر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الزيادة العسكرية هي السبب المباشر لكل أزمة اجتماعية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن بناء أمن أوروبي مستدام بمعزل عن الأمن الاجتماعي والاقتصادي لمواطني القارة؟
فلسطين .. القضية التي نقلت النقاش من الشارع إلى المؤسسات
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، شهدت العواصم الأوروبية تحركات تضامنية واسعة، وخرجت مسيرات تطالب بوقف الحرب، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ووقف تصدير الأسلحة التي قد تُستخدم في العمليات العسكرية الإسرائيلية.
لكن التطور الأكثر أهمية يتمثل في انتقال جزء من الاحتجاجات إلى مواقع العمل والنقابات والموانئ، حيث لم يعد الاعتراض مقتصراً على المطالبة السياسية، بل امتد إلى محاولة التأثير في المسارات اللوجستية والتجارية المرتبطة بتجارة السلاح.
ففي 30 أكتوبر، شهدت موانئ أوروبية ودولية تحركات عمالية ضمن دعوات نقابية أوسع للاحتجاج على عسكرة الموانئ ونقل الأسلحة إلى مناطق النزاع، بما فيها إسرائيل.
وفي إيطاليا، برزت تحركات عمال الموانئ في جنوة، بينما شهدت فرنسا دعوات نقابية للإضراب في عدد من الموانئ. كما ظهرت القضية الفلسطينية بوضوح في جزء من المظاهرات الشبابية في ألمانيا، حيث رُفعت الأعلام الفلسطينية والكوفيات إلى جانب شعارات رافضة للحرب ولتجارة السلاح.
وهذا التحول يحمل دلالة تتجاوز الرمزية؛ فالموانئ ليست مجرد مواقع جغرافية لتبادل البضائع، بل حلقات أساسية في شبكة التجارة العالمية والإمداد العسكري. وعندما يقرر عمال ونقابيون الاعتراض على شحنات الأسلحة، فإنهم يضعون مسؤولية المشاركة في سلاسل الإمداد العسكرية أمام نقاش اجتماعي وسياسي مباشر.
صحيح أن هذه التحركات لا تعني توقف تجارة السلاح الأوروبية، ولا تثبت أن جميع الشحنات المتجهة إلى إسرائيل تأثرت بها، لكنها تكشف عن انتقال جزء من المعارضة الشعبية إلى مستوى أكثر اتصالاً بالبنية الاقتصادية التي تستفيد منها الصناعات العسكرية.
التناقض الأوروبي .. حقوق الإنسان في الخطاب والسلاح في الممارسة
تطرح الحرب على غزة اختباراً سياسياً وأخلاقياً معقداً للحكومات الأوروبية.
فالاتحاد الأوروبي يقدم نفسه باعتباره مدافعاً عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويؤكد في مواقفه الرسمية أهمية حماية المدنيين واحترام قواعد الحرب. لكن العلاقات التجارية والعسكرية والسياسية مع إسرائيل تفتح باباً واسعاً للأسئلة حول مدى اتساق هذه المبادئ مع الممارسات الفعلية.
لا تتبنى الدول الأوروبية موقفاً موحداً من إسرائيل، كما تختلف سياساتها بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتصدير الأسلحة والتعاون العسكري. وقد اتخذت بعض الحكومات خطوات سياسية مختلفة، فيما استمرت علاقات التعاون والتبادل مع إسرائيل بدرجات متفاوتة.
لكن جوهر الاعتراض الشعبي يتمثل في المطالبة بأن تنعكس المبادئ المعلنة على القرارات العملية، وألا تبقى حقوق الفلسطينيين محكومة بحسابات المصالح والتحالفات السياسية.
وهنا تتجاوز فلسطين حدود القضية الخارجية لتصبح موضوعاً للنقاش السياسي الداخلي في أوروبا؛ فمواقف الحكومات الأوروبية من الحرب على غزة، وعلاقاتها العسكرية والتجارية مع إسرائيل، باتت موضع مساءلة داخل مجتمعاتها. ولم يعد النقاش مقتصراً على التضامن مع الفلسطينيين، بل امتد إلى مطالبة المواطنين والنقابات حكوماتهم بتوضيح طبيعة الدور الذي تؤديه دولهم، ومراجعة السياسات التي قد تسهم في استمرار الحرب.
إن السؤال الذي يواجه الحكومات ليس فقط ما إذا كانت تدين استهداف المدنيين، بل ما إذا كانت تراجع علاقاتها التجارية والعسكرية في ضوء التزاماتها بالقانون الدولي.
هل أصبحت فلسطين جزءاً من الصراع على مستقبل أوروبا؟
لا يمكن قراءة الحراك الأوروبي بمعزل عن التحولات التي تشهدها القارة. فهناك نقاش متزايد حول الإنفاق الدفاعي، ومستقبل دولة الرفاه، والعلاقة مع الولايات المتحدة، واستقلال القرار الأوروبي، وحدود الالتزام بالتحالفات الدولية.
وفي قلب هذا النقاش، تظهر فلسطين بوصفها اختباراً لمصداقية الخطاب الأوروبي.
فالشاب الألماني الذي يرفض التجنيد الإلزامي قد تكون دوافعه مرتبطة بمستقبله الشخصي ورفض عسكرة المجتمع، والعامل الإيطالي الذي يشارك في الإضراب قد ينطلق من مطالب نقابية، والطالب الفرنسي قد يحتج على تدهور التعليم. لكن عندما تتقاطع هذه الاحتجاجات مع الاعتراض على تصدير السلاح والحرب على غزة، فإنها تفتح مجالاً لتشكيل موقف أوسع من طبيعة السياسة الأوروبية وأولوياتها.
ولا يعني ذلك أن هذه الفئات تتبنى بالضرورة رؤية سياسية واحدة، أو أن القضية الفلسطينية أصبحت المحرك الأساسي لجميع الاحتجاجات. إنما يعني أن فلسطين باتت حاضرة في جزء من النقاش العام المتعلق بالمسؤولية الدولية، والعدالة، ودور الدولة في الحروب.
وهذا التطور يضع القضية الفلسطينية في مساحة تتجاوز التضامن التقليدي، لتصبح جزءاً من النقاش حول السيادة السياسية والأخلاق العامة ومسؤولية المؤسسات.
حدود الضغط الشعبي .. هل تستطيع الشوارع تغيير السياسات؟
رغم أهمية هذه التحركات، ينبغي عدم المبالغة في تقدير نتائجها. فالمظاهرات والإضرابات لا تؤدي تلقائياً إلى تغيير السياسات الحكومية، كما أن التأثير في تجارة السلاح يحتاج إلى قرارات رسمية وتشريعات ورقابة قضائية ومؤسسية، وليس إلى ضغط الشارع وحده.
كما أن الحكومات الأوروبية تتحرك ضمن شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والأمنية والتحالفات الدولية، وهو ما يجعل الاستجابة للمطالب الشعبية متفاوتة بين دولة وأخرى.
لكن قيمة الاحتجاجات تكمن في قدرتها على رفع الكلفة السياسية لاستمرار بعض السياسات، وإجبار المؤسسات على تقديم تفسيرات ومراجعات، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في النقاش العام.
ومن هنا، فإن الرهان الفلسطيني لا ينبغي أن يقتصر على اتساع المظاهرات، بل على تحويل التضامن الشعبي إلى ضغط مستمر ومنظم، عبر النقابات والجامعات والمؤسسات الحقوقية والإعلامية، والمطالبة بإجراءات محددة تتعلق بوقف تصدير الأسلحة التي قد تُستخدم في ارتكاب انتهاكات، ومراجعة اتفاقيات التعاون العسكري، واحترام الالتزامات القانونية الدولية.
فلسطين تكشف ما وراء الخطاب الأوروبي
في المحصلة، لا تعني الاحتجاجات الأوروبية أن القارة اتخذت موقفاً موحداً تجاه فلسطين، ولا أنها دخلت مرحلة قطيعة مع إسرائيل. لكنها تكشف عن اتساع مساحة الاعتراض داخل بعض المجتمعات الأوروبية على السياسات الحكومية المرتبطة بالحرب، وعن انتقال القضية الفلسطينية إلى ميادين جديدة من العمل النقابي والاجتماعي والسياسي.
والأهم أن هذه التحركات تضع أوروبا أمام سؤال يتجاوز فلسطين نفسها: هل تستطيع الحكومات أن تطالب مواطنيها بتحمل أعباء اقتصادية واجتماعية متزايدة، وأن تدعوهم في الوقت نفسه إلى قبول سياسات عسكرية وخارجية لا تحظى بإجماع مجتمعي؟
بالنسبة للفلسطينيين، فإن ما يحدث في الشوارع الأوروبية والموانئ والجامعات يحمل فرصة سياسية مهمة، لكنه ليس بديلاً عن العمل الفلسطيني المنظم، ولا عن بناء استراتيجية دبلوماسية وقانونية قادرة على استثمار التحولات في الرأي العام الدولي.
لقد ظلت فلسطين لعقود حاضرة في الوجدان التضامني لقطاعات من المجتمعات الأوروبية، لكن التحدي اليوم يتمثل في نقل هذا الحضور من التعاطف إلى التأثير، ومن الشعارات إلى السياسات، ومن المواقف الأخلاقية إلى المساءلة القانونية والمؤسسية.
فحين تصبح فلسطين موضوعاً للنقاش داخل البرلمان والنقابة والجامعة والميناء، فإنها لا تعود مجرد قضية خارجية بالنسبة للأوروبيين، بل تتحول إلى مرآة يواجهون فيها حكوماتهم، ويسألونها عن معنى المبادئ التي تعلنها، وعن حدود المسؤولية التي تتحملها تجاه الحروب التي تجري خارج حدودها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

