كتب ياسر منّاع : هبّة الصوت الفلسطيني

المسار : أثبت المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، خلال انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، قدرته على الحشد والتعبئة السياسية، بعدما منح الأحزاب العربية تمثيلًا برلمانيًا اقترب من سدس مقاعد الكنيست، وفق نتائج الفرز. ويكتسب هذا الصعود أهمية خاصة في ظل الظروف السياسية والاجتماعية التي يواجهها الفلسطينيون في الداخل، وتصاعد الخطاب اليميني ضد مشاركتهم السياسية.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان هبّة الكرامة عام 2021، التي أظهرت قدرة الفلسطينيين على التحرك الجماعي، قبل أن تعقبها حملات واسعة من الاعتقالات والملاحقات الأمنية، بالتوازي مع استمرار سياسات هدم المنازل وتفاقم الجريمة المنظمة، وما رافق ذلك من إنهاك للمجتمع واستنزاف لطاقاته. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة انتخابات 2026 باعتبارها محطة ثانية أظهر فيها الفلسطينيون قدرتهم على الحشد والتأثير، وإن اختلفت أدوات التعبئة بين الشارع وصناديق الاقتراع.

ويمكن وصف ما جرى بأنه “هبّة الصوت الفلسطيني”، بمعناها الانتخابي والسياسي، إذ أظهرت المشاركة الواسعة قدرة الفلسطينيين على الفعل، رغم استمرار الانقسامات الحزبية والخلافات بشأن جدوى المشاركة في الكنيست. لكن هذا الحضور يثير مخاوف من ردود فعل إسرائيلية قد تتجاوز التحريض والتشكيك في شرعية التصويت العربي إلى تشديد القيود السياسية والقانونية، ومحاولات عزل المؤسسات الإعلامية والثقافية والاجتماعية عن محيطها الفلسطيني وامتداداتها الوطنية.

وتكمن المفارقة في أن المجتمع الفلسطيني نجح في الحشد الجماعي، لكنه لا يزال يواجه تحدي الحفاظ على هذه القوة وتنظيمها. ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي يتجاوز عدد المقاعد إلى القدرة على تحويل المشاركة الانتخابية إلى عمل وطني ومجتمعي مستمر داخل الكنيست وخارجه، والاستعداد لما قد يعقب هذا الحشد من ضغوط تستهدف المجتمع ومؤسساته.

داخل الكنيست، يمنح التمثيل الجديد الأحزاب العربية وزنًا أكبر في التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة، سواء من خلال احتمال دعم القائمة المشتركة حكومة بديلة من الخارج، عبر التصويت على منحها الثقة، أو مشاركة القائمة العربية الموحدة في ائتلاف حكومي، استنادًا إلى تجربتها السابقة. غير أن أهمية هذا الحضور تتجاوز ترتيبات تشكيل الحكومة إلى المشاركة في انتخاب رئيس الكنيست، وتشكيل اللجان البرلمانية، وتقديم مشاريع القوانين والاستجوابات، والتصويت على الموازنة والتشريعات المختلفة. وفي ظل تقارب موازين القوى، يمكن للأصوات العربية أن تؤثر في بعض القرارات، وتتيح التفاوض على تعديل تشريعات تمييزية أو تعطيل مشاريع جديدة، شرط توافر الأصوات اللازمة لذلك.

وتزداد أهمية هذه الأدوات في ضوء التشريعات التي أقرها الكنيست منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ وثق مركز “عدالة” أكثر من 30 قانونًا حتى تموز/يوليو 2025، ورأى أنها تنتهك الحقوق الفلسطينية. ولذلك، فإن زيادة التمثيل تتطلب تنسيقًا برلمانيًا منظمًا بين “المشتركة” و”الموحدة”، وإعداد ملفات قانونية ومهنية، ومراقبة الميزانيات والقرارات الحكومية، وتحديد أولويات مشتركة تتعلق بالأرض والتخطيط والبناء والحريات السياسية ومواجهة الجريمة والعنف، دون اشتراط تجاوز الخلافات السياسية بين القائمتين.

لكن حصر هذا الإنجاز في التأثير داخل الكنيست سيعيد إنتاج إحدى مشكلات العمل السياسي الفلسطيني، وهي اختزال التمثيل الوطني في المؤسسة البرلمانية الإسرائيلية؛ فالمجتمع الفلسطيني في الداخل أوسع من الأحزاب المشاركة في الانتخابات، وتوجد قوى سياسية واجتماعية ترفض المشاركة في الكنيست من حيث المبدأ، لكنها تشترك مع الأحزاب البرلمانية في قضايا الأرض والهوية والحقوق القومية والمدنية. ومن هنا، تبرز ضرورة تطوير العمل المشترك مع هذه القوى، واحترام اختلاف المواقف من المشاركة البرلمانية، وعدم تحويل الخلاف حول أدوات العمل السياسي إلى عائق أمام التعاون الوطني.

وتكتسب لجنة المتابعة العليا أهمية خاصة في هذا السياق، بوصفها إطارًا يمكنه جمع القوى البرلمانية وغير البرلمانية، وتعزيز العلاقة مع السلطات المحلية والمؤسسات الحقوقية والنقابات والجامعات والحركات الشبابية. لكن ذلك يتطلب تطوير آليات عمل تتجاوز التنسيق الموسمي والبيانات المشتركة، نحو برامج وطنية ومجتمعية واضحة، وتوزيع المسؤوليات ومحاسبة المؤسسات على أدائها. فالحفاظ على الصوت العربي يرتبط أيضًا بقدرة الفلسطينيين على تعزيز مؤسساتهم المستقلة وحماية هويتهم القومية وربط مطالبهم المدنية اليومية بالقضية الفلسطينية الأوسع.

في المقابل، بدأت مؤشرات الهجوم اليميني قبل اكتمال فرز الأصوات، بعدما اتهم الليكود الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات والتزوير والرشوة، رغم إعلان الشرطة الإسرائيلية عدم امتلاكها أدلة تدعم هذه الاتهامات العامة. وفي تطور موازٍ، طلب رئيس لجنة الانتخابات المركزية من جهاز “الشاباك” التحقيق في شبهات تمويل أجنبي وتدخل في الانتخابات، دون أن تثبت بذلك مسؤولية الأحزاب العربية أو وجود صلة بين التحقيق واتهامات الليكود. وتكشف هذه التطورات عن محاولة من بعض القوى اليمينية للتشكيك في شرعية التأثير السياسي العربي، بعدما أظهرت النتائج قدرة هذه الأحزاب على التأثير في الحسابات البرلمانية.

وقد يتطور هذا التصعيد في ثلاثة اتجاهات. يتمثل الأول في استمرار الحملات الإعلامية والسياسية التي تصور التمثيل العربي باعتباره تهديدًا لهوية الدولة. ويتمثل الثاني في محاولات فرض قيود تشريعية إضافية على النشاط السياسي وحرية التعبير، استنادًا إلى توجهات ظهرت خلال السنوات الماضية. أما الثالث فيتعلق باحتمال زيادة الضغوط على المؤسسات والناشطين العرب، خصوصًا إذا استمر ربط المشاركة السياسية العربية بالاعتبارات الأمنية. وتبقى هذه احتمالات لا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بتحولها جميعًا إلى سياسات فعلية، لكنها تستدعي تطوير أدوات قانونية ومؤسساتية لحماية الحقوق ومواجهة التحريض.

إن الحفاظ على “هبّة الصوت الفلسطيني” يتطلب الانتقال من الحشد الانتخابي إلى التنظيم السياسي والمجتمعي، ومن التنسيق المرحلي إلى شراكة وطنية تحترم التعددية والخلافات بشأن الكنيست. فالاختبار المقبل لا يتعلق بالمحافظة على عدد المقاعد وحده، وإنما بحماية شرعية المشاركة السياسية وتعزيز استقلال المؤسسات الفلسطينية وتطوير أدوات تأثير تتجاوز المؤسسة البرلمانية. لقد أثبت الفلسطينيون في الداخل قدرتهم على جمع الأصوات، أما التحدي الأهم فيبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع، عندما يصبح المطلوب الحفاظ على القوة التي أنتجتها هذه الأصوات، وتحويلها إلى حضور وطني مستمر، قادر على الدفاع عن الحقوق وحماية الهوية الفلسطينية.

المصدر … عرب ٤٨

Share This Article