المسار : جشهدت الساحة المقابلة للبرلمان المغربي وسط العاصمة الرباط، مساء السبت، وقفة احتجاجية جديدة لشباب “جيل زِد 212”، بعد توقف عن الحراك السلمي دام ثمانية أيام.
وجاءت الوقفة التي حضرها عشرات المشاركين مشابهة لوقفات أخرى نُظّمت في الدار البيضاء وغيرها من المدن المغربية، من أجل المطالبة بإصلاح قطاعي الصحة والتعليم وتوفير العمل للعاطلين ومحاربة الفساد.
كما أعلنت “الحركة” أن الوقفات الجديدة جاءت تضامنًا مع الشباب المعتقلين خلال حركات احتجاجية سابقة، وحرص المتظاهرون على جعل حراكهم سلميا وحضاريا، حيث رفعت فيه هتافات من قبيل: “هذا مغرب الله كريم، لا صحة لا تعليم”، “هذا مغرب الشعارات، والفساد في الإدارات”، “المسؤولين زيرو، بغيناهم يطيرو” (المسؤولون صفر ونريد تنحيتهم)، “حرية، كرامة، عدالة اجتماعية”، “أخنوش إرحل”، “المعتقل ارتح ارتح سنواصل الكفاح”. كما رفعت لافتات متعددة، من ضمنها لافتة كتب عليها “الشعب يريد إسقاط الفساد”.
ولاحظ إعلاميون أن جميع الاحتجاجات مرّت في ظروف سلمية، حيث اكتفت السلطات بوجود أمني محدود في محيط أماكن التجمعات دون التدخل أو تفريق المحتجين، في مشهد وصفه مراقبون بـ”تساهل محسوب” يعكس رغبة رسمية في تجنب التصعيد، وفق موقع “لكم”.
وفي تصريح مُصوَّر بثّه موقع “هسبريس”، قال أحد المشاركين إن الوقفة تأتي للتأكيد بأن حركة جيل زد ما زالت مستمرة وما زالت موجودة في الشارع، وبأن مطالبها عادلة ومشروعة ولم يتم الاستجابة لها. وتابع قائلا “وحتى بعد الخطاب الملكي (خلال افتتاح البرلمان) ما زلنا ننتظر تدخل المسؤولين، لكن للأسف ليس هناك تفاعل”.
وأورد أن الوقفة تؤكد أيضا أن “جيل زد يضع يده في أيدي مختلف الفاعلين سواء داخل الحركات الاحتجاجية والاجتماعية”.
وأوضح أن تراجع الحركة “هو مجرد خطوة إلى الوراء من أجل تنظيم الصفوف وعودة الخروج إلى الشارع بأشكال أكثر تنظيما وتنسيقا وأكثر جدية”.
ولوحظ الحضور القليل للمشاركين في الوقفات مقارنة مع الاحتجاجات الأولى لحركة جيل زد 212، ما دفع الباحث المغربي مصطفى بوكرن، إلى كتابة تدوينة على “الفيسبوك”، باللهجة العامية، أقسم فيها بالله أنه تأثر حتى البكاء وهو يتابع لقاء شباب “جيل زد” بعد المظاهرات “الضعيفة” التي جرت أمس. وقال: وجد هؤلاء الشباب أنفسهم في ورطة اسمها “ملف المعتقلين”، وكانت الصدمة الكبرى حين قال لهم أحد المشرفين: إن من ينزل إلى الشارع يُعتقل، وأنا لا ينبغي أن أكشف عن هويتي لأسباب أمنية. فردّ عليه أحد المعلقين على “يوتيوب” قائلاً: “لماذا لا تبكي أنت على أمك، وهم تبكي أمهاتهم؟”.
وأعرب الباحث عن أمله في أن يتعامل القضاء بعدل مع ملف معتقلي الحركة، وأن يُفرَج عن كل من لم يمارس العنف وتظاهر بشكل سلمي. وختم تدوينته بالقول “يجب احتضان الشباب المعتقلين الذين لم يرتكبوا ما يستحق العقاب، كما ينبغي للمجتمع المدني والأحزاب أن تطالب بإطلاق سراحهم، وألا تُترك أسرهم تتعرض للمعاناة”.
في السياق نفسه، كتب الصحافي مصطفى ابن الرضي مقالا في موقع “صوت المغرب”، لاحظ فيه أن المؤشرات تتراكم على انكفاء احتجاجات “جيل زد 212”. وأشار إلى أنه “بمعطيات اللحظة، قد نكون بصدد بداية استنفاد أغراضها في الشارع. وهذا لا يمنع أن يُسجَّل أنها رَمَت حجراً في البركة التي ستعود إلى الركود، تماماً كتاريخنا الطويل مع الفرص المهدورة”.
واعتبر أن الدولة في المغرب تَبْرع كثيراً في الإفلات من “الحساب”. وقال: بخِبرة القرون تحرّكت حتى تتمكّن من إعادة صياغة “طارئ” فرضه “جيل زد 212″، وفق أجندتها وإيقاعها. توسّلت آليات عدةً، لتحقيق الغرض: من المقاربة الأمنية الخشنة، إلى التواصل المؤسساتي الناعم.
وتابع: “أجندةٌ واحدةٌ تسود، وكل دينامية صاعدةٍ من المجتمع يجري التأنّي في النظر إليها، ليتمّ تالياً التعامل معها كقوسٍ يجب أن يُغلق، لنعود إلى زمن الدولة، لا زمن المجتمع. فالدولة لا تحبّ الشارع مجالاً للمفاوضة المجتمعية والسياسية”.
واستنتج أن عائد دينامية “جيل زد” لا يقاسُ، إلى الآن، بحجم من خرجوا إلى الشارع أو من سيخرجون، بل بما أحدثه من أثر سياسي ومؤسساتي، وإن كان ظرفياً. ولاحظ أن من تمظهراته خطابا ملكيا أكّد على وجوب عدم الوقوع في التناقض بين مشاريع البنية التحتية الكبرى والبرامج الاجتماعية، في نوعٍ من الجواب غير المباشر على احتجاجات الشباب ضد الاختلال في ترتيب الأولويات.
كما يُلمس هذا الأثر- يضيف صاحب المقال- في تحرك الحكومة لمحاولة التفسير والإيضاح والتماس “مزيدٍ من الوقت” في “الوقت بدل الضائع” من عمر ولايتها. مضافاً إلى ذلك اجتماعات اللجان البرلمانية وكل ذلك الصخب في النقاش حول الملفات التي فرضها الشارع أولوية.
وختم الكاتب مقاله بالقول إنه مع احتمال بقاء شباب “جيل زد 212” في الشارع، لا يمكن استبعاد التحاق فئات أخرى بديناميتهم إن تغيّرت معطياتٌ، فتصاعد الغضب الشعبي يجد أسبابه في السياسات العمومية التي تعمّق الفوارق الاجتماعية والمجالية. والعوامل التي أدت إلى خروج الاحتجاجات، حتى قبل “جيل زد”، لا تزال قائمة، واستمرارها يوفّر مُغَذِّياتٍ للشعور بالميز، وللمطالبة بالحق في الاستفادة من عوائد التنمية.
وكانت حركة “جيل زد 212” انطلقت يوم 27 أيلول/ سبتمبر المنصرم، في عدد من المدن المغربية، لكنها وجهت بالمنع والقمع والاعتقالات. وشهدت منعطفا لافتا بتحول بعض الاحتجاجات إلى أعمال تخريب، كانت أشدها عنفا ما حصل في مدينة “القليعة” القريبة من أغادير، حيث أقدم متظاهرون على إضرام النيران أمام بوابة مركز للدرك، محاولين اقتحامه، ما أدى بالقوات المرابطة هناك إلى استعمال الرصاص، فتسبب في مقتل ثلاثة متظاهرين، وقُدّم العشرات منهم إلى المحاكمة، إذ صدرت في حق الكثيرين أحكام بالسجن متفاوتة المدة.

