المسار : منذ أن زرع الاستعمار الغربي المشروع الصهيوني في قلب المنطقة العربية، لم تكفّ الدعاية الإسرائيلية عن الترويج لخرافة “شعب الله المختار”، تلك الأسطورة التي تحوّلت مع الزمن إلى ذريعة دينية لتبرير الاحتلال والقتل والاقتلاع، وكأنّ الله – حاشاه – يمنح صكوكًا بالدماء ويُفوّض جماعة بشرية بارتكاب الجرائم باسم “الاختيار الإلهي”.
أيّ إلهٍ هذا الذي يُبارك قتل الأطفال، ويمنح القداسة لمن يحرق البيوت على رؤوس ساكنيها، ويُجيز اغتصاب الأرض وتشريد أهلها؟! وأيّ قداسة تلك التي تُسقى بدماء الأبرياء وتُشيّد على أنقاض المدن والمقابر الجماعية؟ إنّ فكرة “الاختيار” التي يتغنّى بها الصهاينة لم تعد سوى غطاء لعنصرية متجذّرة، تتستّر بالدين لتبرير مشروع استعماري إحلالي لا علاقة له بالسماء، بل هو صناعة بشرية خالصة، خرجت من مصانع الأيديولوجيا الصهيونية والغربية التي أرادت استثمار النصوص لخدمة السيف والاستعمار.
لقد حوّل الصهاينة مفهوم الاختيار الإلهي من دعوةٍ للإصلاح والتقوى إلى أداةٍ للقتل والسيطرة، وبدل أن يكون التكليف الإلهي مصدرًا للأخلاق صار رخصةً للجريمة، إنّ ما نراه اليوم في غزة والضفة الغربية ليس حربًا سياسية فحسب، بل هو تجلٍّ لمعتقد مريض، يخلط بين “القداسة” و”الإبادة”، ويعتبر أنّ سحق الآخر واجب ديني يقرّبهم إلى الله.
لكن الله لا يكون في صفّ المجرمين، ولا يبارك الظالمين. فالله، في كل الأديان السماوية، هو إله العدل والرحمة، لا إله الجدران العازلة ولا الطائرات التي تقصف الأطفال النائمين، الإيمان لا يعني احتكار الحقيقة، ولا يعطي أحدًا امتيازًا فوق البشر، والحديث عن “شعب مختار” في عالمٍ يفيض بالدم والتهجير ليس سوى استعلاء عنصري بلباس لاهوتي، يفضح ضلال الفكرة وفساد القائمين عليها.
إنّ إسرائيل التي تتفاخر بقداستها المزعومة، تمارس أبشع صور الإجرام، من التعذيب إلى القتل إلى حصار الأطفال حتى الموت، وما زالت تُصرّ على أنّها “الضحية” في كل حروبها ضد المدنيين، وكأنّ اختيارها الإلهي يمنحها حصانة من الأخلاق والقانون، غير أنّ الحقيقة التي يراها العالم اليوم واضحة كالشمس: إنّ هذه الدولة التي تدّعي النور، هي أكثر الكيانات ظلامًا ووحشية في التاريخ الحديث.
لقد سقطت أسطورة “شعب الله المختار” على أسوار غزة، حيث تصرخ الحقيقة من تحت الركام: الله لا يختار قتلة الأطفال، ولا يبارك من يسرق الأرض ويذبح الأبرياء باسم الدين، فالمختارون حقًا، هم الذين يصنعون الحياة من تحت الرماد، لا الذين يدفنونها بالصواريخ والنار.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

