المسار : الأنسولين يحوّل حياة مرضى السكري في غزة إلى كابوس يومي، بعدما أصبحت الإبر شبه معدومة، وشرائط الفحص والمستلزمات الطبية الأساسية اختفت من المراكز الصحية، ما يترك آلاف المرضى في مواجهة الموت البطيء بلا علاج أو رعاية كافية.
ويقدّر أطباء ومسؤولون صحيون في غزة أن نحو 80 ألف مريض يعانون اليوم مضاعفات خطيرة نتيجة غياب التحويلات الطبية ومنع السفر للعلاج، فيما تهبط حالات كثيرة إلى مستويات حرجة تحتاج عناية دقيقة ودواء غير متوفر، ليصبح الزمن أثقل من أن يتحمله جسد مريض بلا دواء.
“أحسب نَفَس ابني قبل نومه”
تجلس أم رياض جرادة أمام خيمتها على شاطئ غزة، وهي أم لفتى يبلغ 15 عامًا مصاب بالسكري، تقول للمسار:
“ابني رياض يحتاج كميات كبيرة من الأنسولين.. اليوم صرت أحسب نَفَسه قبل نومه. المرض وراثي، لكن انقطاع العلاج خلّى وضعه يخوف.”
وتضيف:
“كل يوم أدور على المراكز الصحية وأرجع بلا أي إبرة. مستوى السكر عنده بتقلب بشكل خطير، وصار نظره يضعف.. حتى الأكل اللي بده إياه مش متوفر.”
“البتر ما كان قدري لو كان الدواء موجود”
أما أبو أدهم كحيل (66 عامًا)، الذي فقد ساقه بسبب مضاعفات سكري غير معالج، فيقول للمسار وهو يمرر يده على موضع البتر:
“خسرت ساقي من المرض، لكن البتر ما كان مصيري لو كان العلاج موجود بوقته.”
بدأت قصته بجرح صغير، لكنه لم يجد مرهمًا ولا مضادًا في المراكز الصحية أو الصيدليات.
ومع توسع الالتهاب وارتفاع السكر، وصل إلى مستشفى المعمداني بحالة متدهورة، ليفاجأ بقرار البتر.
“الدكتور قال: لو كان العلاج متوفر من البداية، ما كنا وصلنا لهون.”
انهيار المنظومة الدوائية
يكشف رئيس قسم الغدد الصمّاء في مستشفى غزة الأوروبي، الدكتور أحمد أبو طه، للمسار أن نسبة الإصابة بالسكري في القطاع بلغت نحو 18%، لكن الحرب ضاعفت المخاطر.
ويؤكد:
الأدوية المتوفرة في المراكز الصحية لا تتجاوز 10% من الكميات الأساسية.
أجهزة فحص السكري اختفت بالكامل.
عجز الأنسولين يتجاوز 80% بسبب منع الاحتلال إدخال الأدوية.
ويحذر أبو طه من أن هذه الأزمة لم تعد “نقص دواء”، بل “تهديد مباشر للحياة”، مع تسجيل حالات بتر، التهابات خطيرة، وتسمم جروح كان يمكن تفاديها.
أخطر ما يواجه الأطفال
ويقول أخصائي الباطنية الدكتور محمد لبادة للمسار إن مرضى النوع الأول من السكري — وغالبيتهم أطفال — هم الأكثر تضررًا، لأن حياتهم مرتبطة بالأنسولين بشكل يومي ولا يحتمل أي انقطاع.
ويحذر:
“انقطاع الأنسولين عند أطفال النوع الأول قد يؤدي للموت خلال ساعات في الحالات الحادة.”
ويشير إلى أن تأثير الانقطاع يبدأ بـ:
جفاف شديد
اضطراب أملاح
ارتفاع حاد بالسكر
حموضة بالدم
غيبوبة
وقد يصل إلى الوفاة
ويؤكد أن السوائل الوريدية ليست بديلاً عن الأنسولين، بل مجرد حل مؤقت لساعات فقط.
“الأنسولين ليس رفاهية.. إنه حياة”
مع استمرار الحصار ومنع إدخال أدوية الأمراض المزمنة، يعيش مرضى السكري في غزة اليوم بين خوفين:
خوف من مضاعفات المرض، وخوف من اختفاء ما تبقى من الدواء.
وفي ظل هذا الانهيار الصحي، يختصر الطبيب لبادة المشهد بجملة واحدة:
“الأنسولين مش خيار.. إنه حياة. وأي تأخير فيه هو موت مؤجل.”

